chinese-stye-bamboo-painting-evelyn-sichrovsky

[...]

لأدعون عليك بالجَوَى و جَمْرِ الهوى و طول السُّهاد و فرط الشَّغَف.

[...]

أتَكوُّرُ بينهم. أعوادُ الغاب النحيفة تنظر إلي بأسى غير مقصود. يُدنِي بعضها رأسه المكسور ليلامس رأسي … يشبِهُه كثيراً. تُربِّت علي أوراقهُ الحادة بخشونةِ أبٍ قلقٍ. “كَفْكِفْ بُنيّ…” تهمسُ سكاكينُ الأوراقِ الحادة لقلبي الكسير. ” أو ابْكِ طويلاً لحالك و حالي سوياً… ابْكِ لجذعٍ جففه الزمان و أذهَبَ ما به من دمعِ الحياة”. تنحدر الجمرات بخشوعٍ و وَرَعٍ، و يرتوي الجذع.

تنقبض أناملي حولَ الأوراق الميتة المبتلة حديثاً من ماء الجذع المنكسر و أذكر. أذكرُ قُدْساً أخضرَ الجنان وقفتُ ببابِه مرةً. ينحسر سِترُه في بهاءٍ منذراً “أيها التعس.. لو تقدّمت لاحترقت”.  لا افتقد الأيام العادية قبل احتراقي.. لا أذكرها بخيرٍ أو شرٍ. لا أذكرها. تتكسرُ الأوراق المسكينة في راحتي، و يختلط رمادها الجاف بذرِّ نفسي المحترق و تذروه رياح الشمال بغيرِ عدلٍ في أفقٍ غيرِ مَعلوم.

تتعثرُ خطواتي مراراً في تِيهٍ ذي أهوالٍ غَدَت مُعتَادة.  بلا طُرُقات، يدور بي التيه بلا رحمة أطارد فيه الطَّيف وَ أُصَارع فيه الفَقد و عدم البلوغ إلى الأبد. ما بال تيهيَ الأبديّ لم يعد صديقي؟ ظننت به خيراً لطول المَعشَر و تتابع الحادثات علينا. التِّيهُ تِيهٌ قبل كل شيء… طبائع الأشياء أمر مُمِضّ.

يرتفع صوت صافرة قطار الثانية ظهراً مفلتاً قبضة الأيام عن قلبيَ المُعتَصَر لثوانٍ متتابعات. و يساورني الشَّغَف. شغف الأرواح الغير عابئةٍ بالزمان و حوادثه، و التِّيه و دوارنه، و القُدْس و فراقه. أعابثه بنظرةٍ مهترئةٍ لا تخدع طفلاً … لا طاقة لي بك اليوم يا هذا. ولا أظننا من طينةٍ واحدةٍ. هذه أرض الأرواح المُجدِبة… ارتحل عني!

يبتعدُ صوتُ القطار ببطءٍ سَاحباً معه الهواء و مُبقياً الصمت و العَدَم. أُمسِك بالقلم لأكتبَ إليكِ أحداثاً عادية و أُمسِك عمَّا لا يَنكتب من غُربة حالي و تَصَدُّع نفسي. يأبى القلم إلا أن يبكي إليك حِبره و سِره. ياله من قلم خبيث! ألقي بأقلامي أيُّهم يكفل سري؟ سُحقاً لهم… ألا يرون أنهم يفتنون في كل سطرٍ مرة أو مرتين؟ بُعداً لك من أقلام.

أخطو بتؤَدَةٍ فوق الأوراق المتكسِّرة و أحدَّق في زرقة السماء… يشوبها سواد غير متوقع. أُمعِن النظر بحثاً عنه. أعلم أنه لا يُدبِرُ حتى عن الجبابرة، ولا يرحل عن الرُّحَّل أمثالنا. فمالي أجدني وحيداً اليوم؟

[...]

“وَ عَجِبتُ بَعدَك

كيف أَحيا بعض أحيان

و كيف أموت من آن إلى آن”

mohtageb

[...]

 

ساعات طويلة من الصمت المُصمَت تمر بطيئة و أنا ببابك. يخيل إلي أني سأقضي نحبي قبل أن تننفرج شفتاي عن النداء. نداءٌ خافتٌ مبهمُ الحروف. بأي اسم ينادي من على حالي علياءَك؟ بأي لسانِ أقصدك؟ أي هموم النفس و أحوالها أبُثّك و قد بات قلبي في راحتك تقلبه كيف شئت و تعلم منه ما لا يعلم هو من رق قطمير المشاعر و النزعات؟ أي الحوائج أطلب و قد أفضت علي من النعماء ما علمتُ و ما لم أعلم؟ ما سألتك من شيء إلا و أعطيتني خيراً منه، و ما انقطع عني فيض نعمائك حتى في غفلاتي الطويلة عن سؤالك.

 

فبأي لسان أقصدك؟

 

بأي لسان أدعي غربتي فيك؟ أنا المُتماهي مع الدهماء في أرض الابتلاء. أنا المتسق مع ذواتهم و أحلامهم. ماذا أبثك؟ أأشكو إليك انقطاعي و نأيي؟ أأناجيك حباً في حلاوة البث و رحمة القرب إليك؟ أنانية و عربدة من العبد الصفيق…

 

بأي لسان أقصدك؟

 

يا أيها المستغني عن العالمين! أناجيك لأجد نفسي بين يديك. يا للوعتي و لفحة إياسي من انحطاط عاطفتني فيك! كيف السبيل إلى حب لا يُدَّعى؟ يا رب لا زلتُ قَصِيّا.

 

بأي قلب يحب مثلي مثلك؟

 

[...]

 

أيا متقرباً للغافلين في الليل البهيم أجب إليك القلب القصيّ المستجير! صفرُ اليدين الخائبُ الملتاعُ من فرط الأسى يتذللُ، يا رب أَقبِل، يا رب آنس وحشتي من قسوة المُضغَة القاصية!

 

هلا كفيتني حيرة المسألة خيرها و شرها؟ هلا جعلت مسألتي إليك لأجلك لا لأجلها؟ ما زلت أغبط إبراهيم في مناجاته… ليتني شعرة في صدره القريب. ليت أمي لم تلدني. ليتني لم أكُ شيئا.

 

بأي قلب يحب مثلي مثلك؟

 

[...]

 

letters

[...]

 

“تأخذ بذراعي تجرني عبر أزقة  قلب لم تنفتح ثنايها منذ خُلقت. أدلفها مستغرباً نفسي و إياها. طُرُقات رَطبة توقدها بعبيرِ وجودها الضاغط، و حقيقة كينونتها الغير متسقة مع سريالية واقعي السرمدية. تترك أقدامها الصغيرة آثاراً دامية ذات ألم محبب، و يتردد بين النياط  و الشغاف صدى ضحكاتها المُستَرَقَة… ترجف الأرض، و تتسارع الدقات ترسم إيقاع رقصة قديمة مبهمة… بلا نهاية.

 

لها ضحكة بين البسمة و القهقهة، تنفلت من الرقيب فلا تدرك لها أثراً غير لمعة في العين، و بحبوحة في هواء الغرفة. تُأخذ بتلابيب الروح فتلقيها في تلك المساحة الإيمانية الضيقة بين الخوف و الرجاء.”

 

[...]

 

“أكاد أرى روحها ترزح تحت نيرحرية الاختيار. و أود أن أداوي سجحات تقلبها بين أشواك الرأي و الحس. اللهم العن الشك لعناً كبيراً! أي خير يأتينا به؟

 

خلق الله الشك ليذيقنا بعضاً من سعيره في الدنيا قبل الآخرة. من مرُّوا عبر واد الشك يعرفون كما أعرف أن آخره لا تفضي إلى واحة يقين. من قال أن اليقين واحة لابد و أنه كان سادياً حقاً. اليقين… عين سخرية مريرة… اليقين منتهى الأحلام و مقبرة الطموح.

 

يظنني الناس حكيماً. و ما عدت أدري بأي حكمة أفتي قلبي. رأيت حتى اختلطت علي الرؤى، فالحق فيها كلها، و الظن بغلبة بعضها بعضً من هوى النفس تطلبه الحشود.

 

مالي و لليقين و ما يفعل؟

 

أحدق فيما سطرت يداى و اجتر مرارة الفشل. ما هكذا أُحس… يالكلاحة الكلمات و مرارة سدّة الكُتَّاب! أتفكر في اللغة و أمرها. مقياس رسم منمنم لما لا ينكتب من أمور النفس و أحوالها. بأي حروف باهتة أسطر تقلب الروح بين أصابع خالقها؟ أضع الفاصلة و النقطة حول حروفي كأنها من الأهمية بحيث يجعل الترقيم لها معنى. كيف تسطر الحروف الزائلة أسرار النفس الخالدة؟

 

تكتنفني غربة مألوفة و أعود أتكور على نفسي بين الأزقة الضيقة الرطبة بلا نور و لا هدى ولا كتاب مبين. أعافث نمطية الأيام بلا كلل. و أتذكر.”

 

[...]

 

أمر شخص

تَفَصَّد جَبينه الواسع عن حبيبات من عرقٍ باردٍ شقت طريقها بين كهوف جبهته المتغصِّنة بصعوبة و هي تستجيب لنداء الجاذبية الأزلي قبل أن تستقر على حافة لحيته الرمادية النامية في تردد طفولي مستفز. تلفت يمنة و يسرة و هو يستعد ليتحامل على ساقيه النحيلتين ليغادر كرسيه الخشبي في آخر الصوان متجهاً إلى صدره ليفتعل الإخلاص في الحزن و هو يُعزي أحدهم. لم يعد هناك ما يكفي من الجنازات لتزجية الوقت. القهوة هنا لها طعم مختلف، و صوت قارئي القرآن أيضاً مختلف: الكل هنا من أجل الواجب. واجب استعراض الرثاء.

امتدت يده تلتف حول الأيدي بوهن غير مقصود و انكسر حاجباه بتأثرِ احترافي و هو يعبر الممر الطويل و كأنه أحد الفنانين على البساط الأحمر. عجباً .. البساط هنا أيضاً أحمر! يالها من مفارقة!

شكر الله سعيك!”

اخترقت أذنيه تلك العبارة مشفوعة بصوت آلي يترجم مشاعر قائلها: “هذه رسالة مسجلة“. قاوم رغبة ملحة في الضحك و هو يتجاوز آخر الكراسي قبل أن يلسع وجهه هواء الليل البارد مؤدباً.

شغله أمرُ الحزن كثيراً في تلك الليلة. تذكر حُزناً عجيباً تبديه الفتيات في كل لفتةِ و كأنه علامة نضج أو إشارة تضحية. و تذكر صراخاً محموماً أطلقه الرجال على بقايا الأمم، و دموعا مذروفة على حب ذابل أو فقيد منسي عاجلاً أو آجلاً. ماذا يفعل الحزن حقاً؟ أي وظيفة تطوريّة يخدم؟ كيف يأتي الحزن؟ و كيف يذهب؟ و ما الذي أحزن؟ و لماذا لم يعد يحزن لشيء؟

احرقت لفافة التبغ أطراف أصابعه بينما هو لاهِ. أطلق سبة مشهورة و قام ينفض عنه رمادها و هو يشعل أخرى جديدة. يحزن الناس لأمر أنفسهم.لا يحزن الناس لأمر الآخرينليس حقاً على كل حال. الحزن أنانية إذا لا شك. اتسعت شفتاه و هو يطلق دخانا متقطعاً و كأنه أحد بدائيي العالم الجديد مبتسماً. لقد وصل القطار أخيراًالبشر كائنات لا أخلاقية، و ليس عليه أن يشغل باله كثيراً بما يشعرون و لم يشعرون به. الحزن كغيرهالمحزن حقاً ألا يبقى لك شيء تحزن من أجله.

[كليف هانجر مُفتعل للنهاية]

***

يومٌ غير معتاد

أشرقت شمس هذا اليوم على عينيه المُحمرَّتين من طول السهر حارقةً مُمِلّة. تململَ في رقدَته الغير مجدية فوق سريره الضيِّق متمتماً بأشياءَ عن الأرق و سُبابٍ مشهور.

في العادة يزدحم صباحه بتفاصيل مملة تبعث على ضجر رضيع فضولي يمارسها هو بنشاط ذهن رجلٍ كذوب في ورطة. ليس اليوم على كل حال. أخذ يجرجر ساقيه الثقيلتين كما أجولة الملح المُبتلّ حتى توقف أمام مرآة الحوض القديمة بالحمام. تطلَّع بسَكينةٍ إلى وجهه الذي صار الإرهاق الراعي الرسمي لقسماته، ثم صار يغسله مراراً في محاولة يائسة لمَحْو تلك النظرة الخالية من المشاعر عن عينيه دون فائدة.

في الصالة جلس واجماً يتطلع إلى التلفاز القديم و هو يصدر أنينه المعهود قبل أن يبث أصوات متداخلة لا تصل إلى أذنيه. هناك الكثير مما لا يُشَاهَد على التلفاز. لابُد أن من اخترع الإعلانات كان بقسوة و فضول يوسف منجيل. ما هذا الهراء؟ ما زالت صورة وجهه النحيل في زجاج الشاشة تحدق إليه بإصرارٍ و عناد من خلف عويناته السميكة. أخذ يحُك رأسه الخالي من الشعر، و هو يلوك لقيمات من خبز جاف و جبنٍ قديم، و يرشف قليلا من كوب الشاي الثقيل بصوت عال. تلك النظرة المتحدية التي يخيل إليه أنه يراها في انعكاس صورته كلما التفت لا تقلقه. لقد اعتاد تجاهلها … فهي لا تأتي بخير.

ما زال اليوم طويلاً حقاً. لن يجد أحداً يجالسه على المقهى في مثل هذه الساعة. لديه الكثير مما يُقَص عن الأيام الخوالي و أمجاد العمل الحكومي المقدس، و الكثير من الحكمة حول مجريات الأمور. سيسخر من هزائم (عطيّة) المتكررة في الطاولة، و سيناقشان سوياً أمر جنازة (محمود) التي لم تَرُق لهما و استهتاره بالترتيبات اللازمة لمثل تلك الأمور. قد يمران بـ (سيد) الحلاق ليعتني بشاربه الـ(متربي على الغالي) كما يحلو له أن يدعوه. لم يبق الكثيرين من شلة المكتب. لن يجد أحداً في مثل هذه الساعة. يتنهد بعمق و هو يتجاهل ظله العنيد ثم ينهض متثاقلاً إلى حيث مجلسه الأثير بجوار المكتبة في ظل الشرفة الوحيدة بالشقة.

وقف يطالع الرفوف المكدَّسة بالأتربة أكثر منها بالكتب. القراءةتلك العادة السيئة للمُنطوين و أصحاب الأجساد الضئيلة. تناول مظروفاً أصفراً ضخماً متآكل الأطراف و أخذ ينفخ أطناناً من التراب من فوقه حتى خُيِّل إليه أن روحه سوف تُزهق من فَرْط السعال. جلس مُترَبِّعاً فوق كرسيه كما اعتاد و فتح الظرف و أخرج منه رُزمَة ثقيلة من الأوراق الصفراء التي تحمل خَطه و لمحاتٍ من ماضٍ سحيق. هناك أمرٌ ما في النظر إلى مخطوطات الماضي. الكثير من الخجل و الاستهزاء و ذهول ممزوج بإعجاب بين الفينة و الأخرىولا خيال. قلب الأوراق و هو يزجي الوقت باجترار الأيام ببلادة طَقسيِّة، و ارتفع حاجباه ثم انعقدا و هو يحدِّق في حروفٍ مُنَمَّقة بخط أُنثويٍّ مألوف برزت فوق ورقة مطوية بعناية بين الأوراق.

ماذا أتى بهذا إلى هنا؟

أحلام اليقظة رأس الخيال. أحلام اليقظة أمرٌ لا يمارسه الجُبناء و من يقرأون أنفسهم في وحدةِ القواقع. تَذَكَّر كيف كانت قُصاصات كتلك تأخذه لعوالم ورديِّة غير مُحتملة. قُصاصات تُحرق الرُّوح ببطءٍ مريح. تتداعى الأفكار صاخبة كالرَّعد جافّة برأسه. لم تعُد القُصاصات تُحرق، و لم تعُد الأحلام تنبَلِج. ماذا أتى بك إلى هنا أيها الشَّقي؟ أيها المُعتاد؟

اعتصرَ القُصاصة بغلظةٍ و هو يبحث في ذهنه المُجدِب عن طيفٍ واحدٍ من خيالٍ بلا جدوى. اليأس مسألةٌ مريحةٌ حقاً. اليأس خَمِيلَة المحاولين. لا يأس لك هنا أيها الشقي. يرتفع الصَّخَب برأسه و تتداخل أصوات الماضيبلا خيال. بلا يأس.

ما زال طَيفه في الزجاج يرمُقُه بنفس التحدي. هو يعرف تماماً ماذا يريد منه. لا خير أبداً فيم يريد. لا راحة ولا حكمة. يطرحُ الأوراق أرضاً و يخرج إلى الشُّرفة باحثاً عن ضجيج الشارع ليتترس به. يرتفع الصوت أكثرلا خيال لك هنا في أرض المُعتاد. ارتحل!

افعل شيئاً غير معتاد

يرتفع جرس الهاتف.

***

يقف السادة المنمقون بظهورهم التي تقاتل حتى الرمق الأخير كي تظل منتصبة، و ربطات أعناقهم المتسقة مع ألوان جواربهم يعقدون حواجبهم، و يظهرون أعتى إمارات الأهمية و التحدي ليخفوا معاناتهم مع مثاناتهم الممتلئة و التي تقاتل هي الأخرى أمام بروستاتاهم* المتضخمة تضخماً يتضاءل أمام تضخم شعورهم بذواتهم. يلوحون بأذرعهم الواهنة و يتلعثمون ثم يحكون أنوفهم مراراً ثم يلوحون من جديد. يعدلون من وضع عويناتهم الثقيلة فوق أنوفهم الضخمة، و يحكون طرف أعناقهم حديثة الحلاقة المتهيجة من ياقات أقمصتهم المستوردة و يجذبون لحمات آذانهم المتفلطحة. و يبررون

ضحك كالبكاء

قامت الثورة ليستشهد فيها الشباب و يعتقل فيها القُصَّر و يلقى فيها الأطفال من شاهق على أعناقهم لتًدَق كي يخرج علينا السبعينيون و الستينيون ممن كسى رؤوسهم الشيب ليتناظروا حول أموال المعاشات.

أمة يقاتل أبناؤها كي يحكمهم من هم على شفير الجلطات الدماغية و الارتداء المزمن للحفاضات الكبيرة أو من يعانون فعلا من الاعتلال المخي لذات الكبد. فيموت الأولاد و يتقاتل الشيوخ حول ماضٍ لم يعرفه أصلاً من ماتوا و اعتقلوا… من تشوهوا و عذبوا.

يتبارز الكهول بالكلمات… و أغلق عيني و استمع إليهم و انا اتخيلهم يرتدون حفاضاتهم المبالغ فيها و يلوحون أمام بعضهم البعض بسيوف بلاستيكية مرتخية في ساحة لعب الأطفال و هم يتظاهرون بالأهمية و يبحثون عن الاستحقاق باستماتة مثيرة للشفقة لولا أنها تقتل شباباً كوقود لها.

يتحدث الكهول عن الضمان الاجتماعي و زيادة ميزانية كل شيء… هم لا يدرون بحل آخر لأي شيء في الوجود غير أن يغرقوه بالمال. يتحدث الكهول عن سيادة القانون و التترس به. يتحدثون عن “احترامهم” لبعضهم البعض و الفرص الثانية و الثالثة التي ينوون أن يغدقوا منها على بعضهم البعض. يتحدث الكهول.. ولا يشعرون.

أراهنكم جميعاً أن الكهول لا يشعرون إلا كما تشعر البدائيات من الخلق بالغرائز الدافعة للبقاء. أراهنكم جميعاً أنهم لا يعرفون الحب .. لا يعرفون الغضب.. لا يعرفون التجدد و لا يجيدون غير الانحناء، و القتل… و تبرير القتل.

يشكرون الشهداء لأنهم بموتهم سمحوا لهم بالبقاء. يشكرون الشهداء لأنهم بموتهم أعطوهم الفرصة ليتناظروا على شاشات الفضائيات حول فقاعات من القضايا. يشكرون الشهداء… ولا يمانعون في قتل المزيد. المزيد من الشهداء دائماً أمر مرحب به… أمر يجعل الصفقات ذات عوائد أغزر.. و المزايدات ذات صوت أعلى و بريق أعلامي ألمع.

 الكهول لا يُعتقلون ولا يفقدون مآقيهم ولا يُذبحون على الطرقات طلباً لعالم جديد.

الكهول قتلوا الأولاد… كما قتلوا آباءهم. و الثورة التي تنتصر لن تكون إلا ثورة الكهول بوجوههم التي رسم عليها الزمان بسيفه علامات الغدر و قلوبهم التي لا تخفق لشيء و معاصمهم الرخوة و جلوسهم خلف الموائد و انغماسهم في الثريد لأنهم بذلك لا يموتون أبداً. و لن يكون وراء كل ابن وسخة يموت غير ابن وسخة جديد … لأنهم مرتبين بالأقدمية.

طظ في المناظرات

محجوب عبد الدايم

القاهرة 1930

*البروستاتا: الموثة – غدة تحيط بعنق المثانة في ذكور الثدييات تضخمها من أمراض الشيخوخة و يسبب احتباساً بالبول.

بجملة العبث

و يستمر الهذيان المحموم على الساحة المصرية من تهافت مرشحي الرئاسة و عَنَه اللجنة التأسيسية و فشل مشاريع الوحدة واحداً تلو الآخر. و بينما يعدنا عمر سليمان بأن يفتح لنا الصندوق الأسود الكبير ليضعنا جميعاً بداخله و يهددنا سيادة اللواء العصار بأن نلتزم حدودنا مع صناع القوانين الحقيقيين في البلاد تتوقف عجلة الثورة تماما و يحترق زيت مصباحها حتى آخر قطرة – الشباب.

يتميز اليسار المصري بأنه –بما لا يختلف على الإطلاق عن غيره من تيارات الساحة المصرية- كارتوني إلى حد كبير. و أنا لا اتحدث عن الأنيمي الياباني و الأبطال الأسطوريين ذوي الشعر الكثيف المتطاير و السيوف الضخمة اللامعة… أنا أتحدث عن نوع آخر من الكارتون.. أقرب ل family guy… نوع .. بذيء

تذهب الأسطورة إلى أن تيارات اليسار نشأت من الطبقة العاملة صانعة الثروة و المهمشة بشكل ظالم. نشأت تلك التيارات متخذة الثورة طريقاً و منهجاً لارساء “العدالة الاجتماعية” عن طريق هدم المجتمع الطبقي و سطوة الدولة السلطوية. سعياً من أجل يوتوبيا ما.

و بحسب الأسطورة … من المفترض أن تلك التيارات هي الأكثر تلاحماً مع الطبقات الأفقر و الأقل حظوة في المجتمع –إذ أنها نشأت منها بالأساس- تتحدث لغتها و تفهم واقعها و تطالب بمطالبها البدائية.

لماذا إذا يبدو الحوار بين شباب اليسار كأنه مقاطع غير مرتبة من أفلام هزلية تبدأ بفرضية عجيبة و تنتهي بالكثير من الاقتباسات من مقالات أكل عليها الزمان و شرب و التراشق بالأسماء الجرمانية و السوفييتية. حتى لكأنك تكاد تشتم رائحة الفودكا اللاذعة تطفح من أفواه المتراشقين. ثم ننتهي إلى لا شيء؟

لماذا لا يتحدث شباب اليسار المصري بلسان أهلهم عن أهلهم؟ لماذا تنتهي حوارتنا دائما بالإحالة إلى كتب و منشورات كتبها غيرنا عن عصور غابرة و كأنها مبارزة معرفية بين ديدان الكتب؟ و كأننا نؤمن بأفكار لا نستطيع أن نصوغها بألسنتنا؟ و كأن العدالة الاجتماعية و المساواة مسألة بهذا التعقيد؟

ثم لماذا ينضح شبابنا طليعتنا بالتعالي على قومه؟ لا يتذوق فن قومه، ولا يستيغ معتقداتهم، ولا يتحدث لسانهم و كأنهم عورة. و كأن حلم العدالة الاجتماعية مسألة نخبوية مقصورة على حاملي الدرجات الجامعية و مرتدي العوينات المقعرة. أنا لا أفهم أبداً كيف أصبح اليسار في بلد به أربعين مليون من الفقراء مهمشاً و أقلية. هناك كارثة ما في التطبيق… لا شك.

أنا حقاً لا أود أن أصير شخصية كارتونية بعد اليوم. أم إنجلز على أم لينين على روزا و برنشتاين يا سيدي اللي هايخلونا نسيب بلدنا و اللي بيجرى فيها و نقعد نهرد و نهرتل و كأن الثورة نظرية مش فعل محتاج تضحية.

طظ في ماركس. و سمعني “أنا مش عارفني”

محجوب عبد الدايم

القاهرة 1930

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.