alex

في ليلةِ المطر الأول عندما خدشَت قطراته الحيِيَّة المليئةُ بالحب صَلف الأرصفة بأرض النفاق أغلق باب شقته المتهالك بإحكام خلف نسمات الصيف الذابلة و تنفس الصُّعَداء. أسند ظهره إلى الباب في دَعة و جالتْ عيناه في أركان الشقة الفارغة  بحنان و كأنهما تطمئنان إلى وجود الجدران. توجه بتُؤَدة إلى باب الشرفة الزجاجي و أزاح ستارًا سميكًا. هذه هي الشوارع التي بات لا يألفها ولا تألفه، شوارع أرض التيه التي لا ينتمي إليها تتقاطع بعشوائية معتادة. و صورته في زجاج الشرفة ما زالت تزعجه بنظرات جارحة للروح. بادلها النظرة بأوقح منها علَّها ترتدع و تمتم و هو يرفع حاجبًا.

“لا حَرَج عليَّ إذن”.

جذب كرسيًّا عتيقًا و جلس إلى مكتبه تمامًا تحت ظل نافذة غرفة الضيوف. تلك النافذة الضخمة التي كان يَحارُ كيف يسد ضوءها المزعج في أيام الاكتئاب الطويلة. تهتز بأثر رياحٍ لطيفة محدثةً أصواتًا طفولية. جلس في كنفها و مد يده إلى دفتره المثقل. فتح الصفحات الأخيرة و أخذ يعود أدراجَه ورقة ورقة إلى المنتصف. توقفت أصابعه و أطلق تنهيدة مرتبكة و هو يتحاشى النظر إلى بقايا عمره على الورق، ثم عاد يقلب ورقة أخرى. اقتطع ورقتين كعادته و أخذ يقرأهما على مهل قبل أن يطويهما و يغلق دفتره. دفتره الذي أصبح ساحة معركة مليئة بالأشلاء و الأطراف المبتورة. أمسك بالقلم و ورقة بيضاء و أنطلقت أصابعه بثبات أعجبه و هو يبدأ ورقة جديدة.

” …

حريٌ بهذا الطقس أن نكون سويًّا. أن أترك نفسي لنهر عينيك ليشقني ترانيم قصيرة…  كتنهدات درويش مزق الحب قلبه، ثم يجمعني سكرانًا من قهوة لونهما ليتركني شاردًا في صمتهما الكثيف. أن يذوب كلي في بعضك و تنتهي وحدتي الأزلية في ليلة مطيرة نهاية تليق بأسطورتها.

لماذا يصر العالم على طحن الذين يظنون أن بذل أرواحهم أمر مفيد؟ لماذا يدخلهم في التجربة و يحولهم جميعًا إلى طغمة من أولاد الكلب. إن هذا ليس في مصلحة العالم على الإطلاق. سينتهون يومًا، و سينتهي العالم بعدها مباشرةً. يساورني هاجس أن من خلق العالم جعل له ميكانيكة تدمير ذاتي… و أنني وجدتُّها. ولا أعلم ماذا أفعل بعد.

في كلية الطب لا يُعدُّونكِ لمثل ذلك. هناك الكثير من الهراء حول العقاقير و تصنيفات الأمراض و درجاتها. و لكنهم لا يخبرونكِ أبدًا ماذا تفعلين بكل ذلك. أنت تقفين فوق رأس المريض و بنظرة واحدة تعلمين ما سوف يصير و تدركين تمامًا ما سوف يؤول إليه كل ما ستفعلينه من اللاجدوى. و يجب عليك أن تتعلمي وحدك كيف تدعين الثقة و القدرة على التنبؤ و التصرف. لو يعلم أهل المرضى الذين ينظرون إليكِ بهلع و رجاء ماذا تخفين خلف قناع وجهك البشوش لماتوا رعبًا من رعبك و قلة حيلتك.

آه من قلة الحيلة تلك يا سكن فؤادي، يا خليلة الروح. كيف أصِف لك؟ العالم أصبح أسمنتيًا بشكل غير مسبوق. و كأن أحدهم اقتلع أعصابي البصرية فأوصلها بكابل شاشة عملاقة لتلفاز يذيع إشارة انقطاع البث بلا نهاية. أينما يممت وجهي و مهما أتيت من معجزات، لا تنقطع الإشارة. لا أُحسن الوصف. يشبه الأمر تمامًا صوت أم كلثوم و هي تهمس “هجرتك”. منتهى العبثية.

أتذكرين يوم أخبرتك أن من يحبك لا يُحسِن أن يحبك بنصف قلب؟

كان هذا آخر عهدي بقلب مكتمل. العالم يضِنُّ على أبنائه ممن ظنوا يومًا أنهم ببذل أرواحهم سيجعلون لونه أي شيء غير هذا الرمادي المصمت. كلنا في السجن الكبير نقضي أوطارًا من بعضنا و يتسلل إلى أرواحنا الأسمنت عامًا بعد عام. و العام عام جوع. و الأرواح باتت نهمةً للأسمنت حقًا.

فرج رزق الله فرج جاد الله… تأملي معي الاسم. هناك شيء فاضح… شيء عاهر في هذه الحياة. هذا الفرج يتدلى من عنقه من فوق لوحة إعلانات على الطريق السريع. و رفاق الثورة يتبدلون، يموتون جسدًا و روحًا. و الصَّحب يقفزون من السفينة الغارقة سراعًا. الكل أدرك اللاجدوى أخيرًا، و أخذ يهنئني على استبصاري و بصيرتي و ذكاء تبدلي. و أنا أنظر إليهم من خلف أقنعتي السميكة ذاهلًا. ماذا فعلتُ بحق السماء؟

لماذا يظنون أني نبي الكافرين بك؟

سأضع هذه الأسفار جانبًا و أكتب إليك غَزَلًا.

 أجدني أحبك أقل الليلة.  الحب كالإيمان يزيد و ينقص. أجدني أحبك أقل و لعل هذا يطلق لساني فيك بما يحبسه فرط الوَلَه.  أقع بغرامك كل صباح تمامًا كالمرة الأولى. تعرفين تلك الغصة المحببة؟ أفتح عيني كل صباح مذهولًا. أنا من هؤلاء الذين يستيقظون مندهشين… أن هناك عالمًا آخر، و أن هناك ذكريات، و أن هناك بشرًا آخرين كثيرين حمقى…. ثم أن هناك أنتِ. تعتصرني الخاطرة الأخيرة كقبض جبريل لمحمد. لثوانٍ متتابعاتٍ يتوقف قلبي تمامًا و أشعر بتلك الغصة، أتصبب عرقًا، و أتصلب تمامًا كمن يموت ليبعث، كالموتة الصغرى… اطرد الهواء من صدري بعنف و أبتسم بَيْن بَيْن… و أقع بالغرام. و أحب أنفك كثيرًا. أنفك الذي يحمل الكثير من ضحكتك و شفتك العليا الدقيقة بارتعاشتها القاتلة. و هذا الوجه الوديع الذي يقاتل باستماتة تثير العَجب و الإعجاب هربًا من شغف عينيه.

[...]

و أحبك كما لم أعلم أن لقلبي أن يحب. كما لا أحب أن أتبين كي لا أخشى على نفسي. يا حقيقة لا تغيبها صَعلكتي و طول لساني و فرط الهراء. أحبك رغم مجون العالم و عهره. أنا المسافر الذي لا يصل. أحبك بطول الطريق و وحشته.

أهذا كل ما هنالك أيتها النبية المقدسة؟ أهذا كل ما بالشجاعة؟ الاستمرار مع الخوف؟ أهذا كل ما بالإيمان؟ الاستمرار مع الشك؟ رَبِّتي على ساعدي و قولي لي أن قوتي في الصبر على ضعفي و قلة حيلتي و أن علي ألا أخبرك. امنحيني سببًا واحدًا للادعاء. تكلمي أيتها النبية المقدسة. سأتدرع بالفصحى قوقعة للحم بطني حتى تتكلمي. و أتجلد الصمت الغليظ و أنا أصرخ بملء صمتي في كل نفس… أحب.

أهلَكَني بَيْنُك…

متى ترتكبين الحماقات من أجلي و تتوقفين عن مضاجعة الموت؟ “

طوى الورقة بهدوء لا يتناسب مع ما يعتمل في صدره من نداء مبتتر. و ارتفعت يده تمسح حبات .. ظنّها من عرق. و اتجه على عجل إلى باب الشقة دون أن يلتفت. في الطريق العَدُوّ لَطَمَتْه الرياح كثيرًا. و تلوَّث بنطاله من أثر الشتاء. كان يمشي قابضًا على أوراقه بحزم، تصافح قدماه ظلّيْن ألقاهما القمر و ضوء غير متبين يملأ الطريق إلى المقابر.

 

 

burial-shortage

 

      أتذكرين حَمَلات المقاطعة لـ”منتوجات العدو الصهويني”؟

  أطلقُ ضحكة عابثة  و أنا أنهي ورقةً أخرى أعلم أنها لن تصل. أحمل القدح الفارغ و بقايا كِسرات لم أقربها حقاً و أذهب إلى المطبخ بآلية غير مُبالية. اتناسى كفّاي تحت الماء و أنا أحدق في سريانه المستمر و أتفكر في كل الأشياء و اللحظات التي بَدَت أقوى من الزمن يوماً؛ سَيْرنا في الشوارع خلسة أيام الانتفاضة بعد الفجر لنكتب “تسقط إسرائيل” على الرصيف أمام المدرسة الثانوية، انبهار مدرس اللغة العربية و هو يرشقني بأبيات شعر لم أسمعها سابقاً و أنا أعربها له بميكانيكة أحسد عليها، احمرار كفي من لعبة “صلّح” في الفناء، و هلعي بعد أن تمزق قميصي الجديد و نحن نلعب ال”بلتك” في فناء آخر. أول شريط كاسيت لعمرو دياب نجده ملقى في الشارع و نصلحه و نشغله بأعلى صوت ممكن لأيام متتالية في شقتنا الجديدة الفارغة تقريباً. عمرو دياب أمرً قَدَريّ إذا كنت تعيشين في بلدي هذه.

  لقد أصبح الشّغَف أمراً مُبتذلاً حقاً من فرط سؤاله. و كأن جيلاً كاملاً اكتشف الكلمة دَفعَةً واحدة، أترينهم؟ الكل يطلب الشَّغَف بعنف و كأنه أصل السعادة. أليس كل شيء هنا بعابرٍ كخيط غروب؟ بم يفيد الشَّغف؟ لقد سئمت الراحلين.

  ثقل المعطف الأبيض على كتفي يوم ارتديته أول يوم في استقبال مستشفى، خوف ليلة الامتحان، لين قلبي و أنا أقرأ حروفك الأنثوية المترددة، نشوة انتزاع أحدهم من براثن موتٍ محقق و تلقي الكثير من المديح الغير مستَحق على الإطلاق، سهاد ليلة طويلة أحرث الشبكة العنكبوتية بحثاً عن إجابة سؤالٍ مُتَخيّل قد يرِد إذ ألقاك… لقد رحلن كلهن عن هذا القلب المرهق و تركن له أشباحاً تؤزُّ ولا تُغيث.

  على الراحلين ألّا يأتوا بدءاً. عليهم ألا يقربوا هذا القلب الذي أصبح مزبلة للماضي و مرتعاً لأشباح من سبقوهم. و إلا فليلاقوا مصيرهم من اللعن المقتر. لتنصهر أرواحهم قبل أن يعيثوا في حديقة المقبرة فساداً و يغرسوا فيها بنفسجهم الذي يزهر بغير موسم و على حين غرة ثم يموت على حين غرة أيضاً.

  انقطع الماء فجأة تماماً كالشَّغَف الذي يقتله التخطيط و العمل. سأخبر مريضي الذي تمتلئ رئتيه بالليمف كل يوم و قد مات عدة مرات قبل أن يموت حقا… سأخبره أيضاً عن الشَّغَف و ما يفعل و كيف يمكنه أن يحقق السعادة. سأخبره أن الطب و الفيزياء الكونية و الموسيقى و الأدب و آلالاف من الصفحات التي أمزقها كل شهر لم تحمل فكرةً أصليةً واحدةً لتسرّي عنه. يمكنك أن ترقد بسلام الآن. لن تفتقد الكثير في هذا العالم المعتوه حيث الكلمات مراكب مَعيبة تحمل العقوق خلف أسوار من الهري اللامتناهي و النسيان. ستذهب حيث ذهبت حملات المقاطعة، و الانتفاضة، و الثانوية العامة، و الثورة، و الحب. و لن تترك خلفك إلا الكثير من الخدر.

لعلك تجد السعادة في سكينة بلا اسئلة

أنا ذاهب لأخبره الآن. أتأتين معي؟

“ربما ما زلتُ حياً في مكان ما

و أعرف ما أريد”

23_wabisabi3rei

امتزج بخار كوب الشاي الساخن بدخان لفافة تبغه محلية الصنع في تآلف مُنَغّم. مشهدٌ آخر سيلتصق بذاكرتي عن هذا الصباح العجيب. أزاح كوب الشاي رائع اللون مُتبَرِّماً و عاد يحدق في الأفق بلا ملامح تقريباً.

“أتعرف ما الأمر المحبب حقاً في موسيقى الجاز؟”

أعرفه جيداً. هو لا ينتظر جواباً لتلك الأسئلة التي يلقيها بلا سياق. أرمقه بطرف عيني و هو مستغرق حتى أذنيه في آخر أنفاس لفافة التبغ. لم يتغير كثيراً رغم الحادثات. ما زال نحيفاً و عصبياً كالبُرص المُحاصر. نحل شعر رأسه كثيراً و جحظت عيناه بعض الشيء إلا أنه في هذا الصباح بدا … مألوفاً و قديما.

تابعت رشف الشاي من قدحٍ قديم مشروخ في صمت. مد يده برشاقة فانتزع الكوب من يدي و أخذ يتأمله ثم عاد ينظر إلي ببراءة.

“أحب هذا القدح أكثر”

ثم تبسم في رضاً و عاد يسترخي في مقعده الخشبي القديم مرتشفاً الشاي ببطء. تبادلنا الأقداح.

“تبدو منتشياً اليوم!” سألته متصنعاً اللامبالاة.

“و لم لا؟ أنا راضٍ عمّا أحب”

اعتدل في جلسته و بدا و كأنه على وشك الانهماك بالضحك

“موسيقى الجاز طبعها النقص. بها خشونة ناعمة… الكثير من عدم الاتساق. تُشعرك دائماً أنها انتهت قبل موعدها … بلا نهاية. أمرٌ زائل، و غير مكتمل. لماذا لا يستمع الناس لموسيقى الجاز؟ لما تقوله حقاً؟”

“و ماذا تقول حقا؟”

“ارضَ عمَّا تحب! الناس تحب الأشياء ثم تعمل على ’إصلاحها‘. لماذا يجب أن يكون كل شيء سليماً؟ متساوِ الأطراف؟ مكتملاً؟ جديداً؟ ليس هذا حباً. هناك الكثير من الصلف و الغرور هنا. نحن الآلهة الجديدة… أنا أحبك و سأخلقك على صورتي. أي هراء هذا؟”

أشعل لفافة تبغ جديدة و عبَّ نفسين عميقين ثم ناولني ما بقي منها. مددت يدي بعفوية و التقطت اللفافة متناسياً أني لا أدخن أصلاً.

“يتشارك الفتية على شبكات التواصل الاجتماعي صور مشجعات كأس العالم. هل رأيتهن؟ هذا التماثل المؤذي للعين؟ ثم يعيّر بعضهم بعضاً.. يقول الفتية هكذا تكون النساء، و تقول الفتيات لو كنتم لَكُنَّا. و يتداعى علينا العباقرة شارحين ذكورية المجتمع و انحطاطه. هؤلاء قوم يشتهون. لو أحبوا ما كانوا بهذه الدفاعية… لو أحبوا النقص فيهم لاكتملوا. هناك الكثير من السعادة في تكبير الأدمغة… ربما كل السعادة”

أخذت أحدق باللفافة في يدي و اتساءل عمّا يمنعني من التقاط سُخامها الأبيض. مثالية ما؟ باغتُّه سائلاً عن حفل الأمس. التمعت عيناه حقاً و بدا كطفل و هو يمد يديه أمامه بانفعال مقهقها.

“كدت أقضي من فرط الجمال. ربما كان هذا أكبر تجمع لصديقات البطلة في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا منذ عقود. أطنان من المشاكل تسعى. تجترئ على الحياة لمرة. لقد كان بديعاً حقاً. أن تراهن… يغنين في الظلام. يتركن أنفسهن لنشوة تنتصر من دنيا لا تحب”

“الأمرعن فتاة إذن يا نبي الجاز” تبسمت بسخرية لا محل لها من الإعراب.

“الأمر دائما عن فتاة… الثورة كانت عن فتاة” غمز لي و هو يسترخي بمقعده مرة أخرى و يتابع الأفق بشرود.

  “سأحب ما أحب بكل الكيان، لإنه لا وقت لدي أضيعه. لأن كل هذا الجمال لا يمكن التسامح معه مطلقاً. ألا توافقني؟”

“أنا لا أبالي حقاً”

“أنت كاذب بالمناسبة” قهقه منتشياً.

أمقته عندما يكون على حق.

—-

http://bit.ly/1uCocVv

inception

” لماذا تجلس صامتاً هكذا كالقبر؟! ماذا يدور بخلدك؟ استشرني بشيء!”

ترتطم كلماتها بعيني الخاويتين و هما تتابعان مشاهدا باهتة يعرضها التلفاز بتكرار ممل. أحدق إليها بكل الفراغ الذي يحوي روحي و تنفرج شفتاي تحاولان باستماتة انتاج أي شيء يصلح لإسكاتها… لإشعارها أنها ما زالت تعني شيئاً.. ثم تنطبقان بيأس. أحك أذني بعصبية و أشيح بوجهي بعيداً و أنا ألوك لقيمات من الخبز الجاف و الجبن القديم.

تذهب و تجيء كثيراُ حاملة الكثير من الأواعي التي لا أكترث لما بها حقا. ثم تجلس مستنزفة.. مرهقة.. تغني أجزاء مبتترة من أغنية قديمة محاولةً جذب انتباهي. أتأمل مشهداً جانبياً لوجهها الجميل الذي رسم عليه الزمن و المرض لوحات من الطيبة الثقيلة تبعث على الإعجاب. عيناها المتورمتين تلمعان و هي تعيد علي للمرة الثالثة أو الرابعة تفاصيل مسلسل ما تتابعه لتتأكد أني أعي ما يحدث. لم تتغير كثيراً… منذ ثلاثين عاماً كانت تفعل الشيء نفسه  و هي تجلسني أمام أفلام الكارتون و تقص علي ما يحدث. تقص الأحداث خيراً من كاتبيها… يجب عليك أن تسمعها تعيد و تزيد بحماس لا يفتر لتدرك أي طفلة في السادسة من عمرها ما زالت تعيش حبيسة هذا الجسد المُسن. أمط شفتي بحسرة.

ينفتح الباب بهدوء و ينسل هو داخلاً بحماسه المعهود. هذا هو الرجل الوحيد الذي يحمل روح مدرب كرة القدم في كل لحظة في حياته. لو أنك أردت تحريك جيش من الكُسالى لما احتجت غير هذا الرجل، و سيفعلها بيدٍ واحدة بينما يحرك كوب الشاي بيده الأخرى. لا أذكر أني جالسته مرة أو تحدثت معه ثلاث جمل متتالية دون “حديث تشجيع” بشكل أو بآخر. يقف بجوار التلفاز و يضع أكياسه الثقيلة و يكاد يصفق بيديه و هو يحدثها عما أحضر من السوق. ينظر إلي بفرحة حقيقية و هو يخبرني أنه أحضر لي سمكاً مشوياً. لست أدري ما الذي قد يبعث على الفرح هنا… و لكن الرجل يبدو حقاً سعيداً لنجاح مسعاه. أبتسم برضاً.

“ألن تعد السلاطة” – يسألني بشغف طفولي.

أنهض متثاقلاً، إلا أنها تسبقني كالعادة إلى السكين و الأطباق. أقف مرتبكاً قبل أن أدرك أني لن أفعل شيئا، فأذهب لأغسل يدي و أجلس صامتاً بينما يعدان المائدة. أصابعهما ما زالت تحمل تلك الصبغة الوردية المألوفة من أثر التصويت الأخير. تؤنبه مراراً لأنه أنفق كل ما أعطته، ثم تصمت بعد أن تتبين أنه لم يهدر المال هباء، بينما تبهت فرحته تدريجياً بما اشترى.

أتبين أني أحبهما رغم كل شيء. بل أحب تلك العلاقة المهترئة التي يحاولان باستماتة الإبقاء عليها كالآثار الحميمة.

هذه الدببة الطيبة التي تقلبت علينا فاعتصرت منا الروح حباً في ليلة اغتصاب ميدان التحرير. ما زالت مخالبها الحانية تحمل آثار دمائنا. في أي لوحة لسلفادور دالي نعيش؟

“جربت في عز ما تحزن تمشي في شوارعها و تشكي لها؟”

الحقيقة أني جربت كثيراً. الشوارع أيضاً مليئة بالدببة الطيبة. ملامح غليظة سعيدة سعادة بهيمية صاخبة حقاً تملأ الطرقات. نساءٌ و رجالٌ يحتفلون بغلٍ شديد. أمةٌ كاملة يحركها العند و رغبة دفينة في قهر الآخرين و الانسحاق تحت حذاء ثقيل. أي حذاء ثقيل.. الانسحاق في حد ذاته أمرٌ مطلوب. المشي في شوارعها يشبه كثيراً السباحة عارياً في نهر ستيكس الكئيب. إنه أمر لا يساعد إطلاقاً على التخلص من الحزن أيتها السيدة البدينة الصارخة “جربت”. ياك داء ف شكل أمك ع المسا.

أشاهدني مندهشاً في مرآة الحلاق. لماذا يصر الجميع أني قد تغيرت كثيرا؟ الشيء الوحيد الذي ما زال يبدو مألوفا في هذا العالم السريالي هو هذا الوجه المرهق منذ وُلِد. هذا الرجل الذي يعبث برأسي بانهماك سيخبرني عن حانوته الجديد و عن زوجة صاحبه التي تصر على أن تجعله صالوناً للسيدات فينقطع عيشه. و سيدخل شابين مفتولي العضلات و يتمنون لي “نعيماً” ما. و سيتحدث الجميع عن الألعاب النارية التي ملأت الشوارع و عن النساء اللاتي تزيّنّ للخروج و سيقع مزاحهم كسيفاً على عيني الخاويتين.

ألمحه بطرف عيني في التلفاز الصغير… يرزح تحت أقدام الآلاف .. لا يكاد يتنفس. القدس تحت الاحتلال للمرة الألف. لقد سئمت …

افتقد طيف الحقيقة الذي كان يضع تلك الهمجية الفنية موضعها. أفتقد الطوطم و اشتهي الاستيقاظ… أشتهي الاستيقاظ…

petrichor

بداية اليوم … أصعب الأمور.

   لا ليس الانتباه بعد الدَّعة ولا مُجاهَدَة رغبةٍ طاغيةٍ في الإسراف في النوم لما بقي من سِنِيّ العمر. اليوم يبدأ بي باحثاً بعصبيةٍ غير مبررة عن شتات نفس الليلة السابقة في الأزقَّة. أتحرك بتؤدة و رجفة لا تُخطِئها الأعيُن ولا أحاول إخفاءها. و يرتسم اليوم ببطءٍ و كسل رتيب كلوحات الزيت ذوات الطبقات الثقيلة. اتكلَّف فيه الكفاح الأخرق تكلفاً… لم يعد بي رغبة فيه.

إلا أنها أتتني اليوم.

      استيقظ قلبي أولاً… و لستُ أدري بأي حِسٍ أدركَ إقبَالها المُباغت. أخذت أُصِيخ السَّمع في ظُلُمات ما قبل خيوط النور الأولى. لا شك عندي الآن… يتعالى الدَّبيب و يستيقظ مِنِّي كُلِّي دَفعةً واحدة مفرطة الألم و النشوة. تقف روحي ملهوفة خلف شُرفة مَدامعي المُحمَّلة ببخار الماء بينما أهم متخبطاً في ظلام الغرفة نحو الشرفة. لقد أتت حقاً … لست أحلم إذن.

   أخذَت تنساب برقة و دَعة فوق زجاج الشُّرفة غيرعابئة ببرودته. تتابع زَخَّاتها بحماس طفولي و إصرار عفوي مُحبَّب و هي تطرق باب شرفتي و قلبي سوياً.  أُمعِن النظر و أراها… تملأ ظلام الكون أُلفة. سماوية السَّمت و المَنشأ… بعيدةٌ هي… محيطةٌ بالآفاق. و قريبة جداً… يتشرَّبني عبيرها الأرضي حتى النخاع، و ترتجف روحي مراراً تحت وَقع لمساتها المُتلاحقات لوجنتي و الشفاة. تتخللني بلا استئذان كأمرٍ بدائي مقدور، بلا كيف ولا من أين. أقف صامتاً كالمتعبدين و أتركها تفعل بي ما ترى.

   أنثاي الكاملة تهطل على الجانب الآخر للزجاج السميك. تروي الأرض و السماء و ما بينهما … و تغمرني، و لا ترويني. أرقبُ سقوطَها الحر المباشر بافتتان … أتصوره و أتمثله و أرجوه. التقينا في السقوط و رحابته… في عشوائيته و راحة البال التي يورثها بلا عنتٍ أو تكلف. اتحسس بعضها ببعضي، تارة تهدهدني و تارة تلطمني، تارة تتلمسني و تارة تقتلعني من الجذور … بتلقائية… بلا حيلة أو خبث. تتساقط بعبث طفولي لا يغيِّره الزمن، و تخلق بِرَكاً من الوحل متفاوتة الأحجام و الأشكال. أكاد أسمع بين الدبيب صوت ضحكاتها الصافية يمتزج بسنا برقٍ خاطفٍ يخطئه كل قلب لاهٍ.

   أتحلل من تروسي و دروعي قطعة قطعة، و اتقدم مرتجفاً.. تصحبني كل قصص الإغريق الذين يمشون نحو حتفهم ببسالة. أقفز في بركةً بعفوية لم أعهدها، و أطلق ضحكة سعيدة حقاً إذ يغمرني رذاذها الطازج. أقف متوسطاً الكون تماماً، متنائياً عن البراياً، مادّاً ذراعي على اتساعهما و أدعها تشملني بالسكينة و تغسلني من التعب. تنفلت مني آهة … آهة راحة .. آهة شوق… آهة حزن… لا أدري. اقبض كفيّ عليها بقوة لأطمئن بها… لا أجدها في راحتيّ… أفتح فمي ليداخلني بعضها، تمتنع عنه. ترتسم على شفتي ابتسامةٌ لا أدري كُنهها و أتحدب في سكينة بجوار البركة باسطاً راحتيّ في استسلام. يُختزن بعضها بين أصابعي و أراني في صفحته… مُهتزاً.. قديماً… و جميلاً حقاً.

   تتسع ابتسامتي… أُنثاي لا تُمتَلَك. الأصل فيها السَّرَيان… أنثاي تشمل الوجود. أنثاي لا تسعها الافتراضات أو نشرات الأحوال الدورية.

   تلمع عيني إذ يحدوني أملٌ مُبهم. و تخفت حدة الصوت بتسارع مؤلم….

و لكني أعلم أن الصيف قادم…

chinese-stye-bamboo-painting-evelyn-sichrovsky

[...]

لأدعون عليك بالجَوَى و جَمْرِ الهوى و طول السُّهاد و فرط الشَّغَف.

[...]

أتَكوُّرُ بينهم. أعوادُ الغاب النحيفة تنظر إلي بأسى غير مقصود. يُدنِي بعضها رأسه المكسور ليلامس رأسي … يشبِهُه كثيراً. تُربِّت علي أوراقهُ الحادة بخشونةِ أبٍ قلقٍ. “كَفْكِفْ بُنيّ…” تهمسُ سكاكينُ الأوراقِ الحادة لقلبي الكسير. ” أو ابْكِ طويلاً لحالك و حالي سوياً… ابْكِ لجذعٍ جففه الزمان و أذهَبَ ما به من دمعِ الحياة”. تنحدر الجمرات بخشوعٍ و وَرَعٍ، و يرتوي الجذع.

تنقبض أناملي حولَ الأوراق الميتة المبتلة حديثاً من ماء الجذع المنكسر و أذكر. أذكرُ قُدْساً أخضرَ الجنان وقفتُ ببابِه مرةً. ينحسر سِترُه في بهاءٍ منذراً “أيها التعس.. لو تقدّمت لاحترقت”.  لا افتقد الأيام العادية قبل احتراقي.. لا أذكرها بخيرٍ أو شرٍ. لا أذكرها. تتكسرُ الأوراق المسكينة في راحتي، و يختلط رمادها الجاف بذرِّ نفسي المحترق و تذروه رياح الشمال بغيرِ عدلٍ في أفقٍ غيرِ مَعلوم.

تتعثرُ خطواتي مراراً في تِيهٍ ذي أهوالٍ غَدَت مُعتَادة.  بلا طُرُقات، يدور بي التيه بلا رحمة أطارد فيه الطَّيف وَ أُصَارع فيه الفَقد و عدم البلوغ إلى الأبد. ما بال تيهيَ الأبديّ لم يعد صديقي؟ ظننت به خيراً لطول المَعشَر و تتابع الحادثات علينا. التِّيهُ تِيهٌ قبل كل شيء… طبائع الأشياء أمر مُمِضّ.

يرتفع صوت صافرة قطار الثانية ظهراً مفلتاً قبضة الأيام عن قلبيَ المُعتَصَر لثوانٍ متتابعات. و يساورني الشَّغَف. شغف الأرواح الغير عابئةٍ بالزمان و حوادثه، و التِّيه و دوارنه، و القُدْس و فراقه. أعابثه بنظرةٍ مهترئةٍ لا تخدع طفلاً … لا طاقة لي بك اليوم يا هذا. ولا أظننا من طينةٍ واحدةٍ. هذه أرض الأرواح المُجدِبة… ارتحل عني!

يبتعدُ صوتُ القطار ببطءٍ سَاحباً معه الهواء و مُبقياً الصمت و العَدَم. أُمسِك بالقلم لأكتبَ إليكِ أحداثاً عادية و أُمسِك عمَّا لا يَنكتب من غُربة حالي و تَصَدُّع نفسي. يأبى القلم إلا أن يبكي إليك حِبره و سِره. ياله من قلم خبيث! ألقي بأقلامي أيُّهم يكفل سري؟ سُحقاً لهم… ألا يرون أنهم يفتنون في كل سطرٍ مرة أو مرتين؟ بُعداً لك من أقلام.

أخطو بتؤَدَةٍ فوق الأوراق المتكسِّرة و أحدَّق في زرقة السماء… يشوبها سواد غير متوقع. أُمعِن النظر بحثاً عنه. أعلم أنه لا يُدبِرُ حتى عن الجبابرة، ولا يرحل عن الرُّحَّل أمثالنا. فمالي أجدني وحيداً اليوم؟

[...]

“وَ عَجِبتُ بَعدَك

كيف أَحيا بعض أحيان

و كيف أموت من آن إلى آن”

mohtageb

[...]

 

ساعات طويلة من الصمت المُصمَت تمر بطيئة و أنا ببابك. يخيل إلي أني سأقضي نحبي قبل أن تننفرج شفتاي عن النداء. نداءٌ خافتٌ مبهمُ الحروف. بأي اسم ينادي من على حالي علياءَك؟ بأي لسانِ أقصدك؟ أي هموم النفس و أحوالها أبُثّك و قد بات قلبي في راحتك تقلبه كيف شئت و تعلم منه ما لا يعلم هو من رق قطمير المشاعر و النزعات؟ أي الحوائج أطلب و قد أفضت علي من النعماء ما علمتُ و ما لم أعلم؟ ما سألتك من شيء إلا و أعطيتني خيراً منه، و ما انقطع عني فيض نعمائك حتى في غفلاتي الطويلة عن سؤالك.

 

فبأي لسان أقصدك؟

 

بأي لسان أدعي غربتي فيك؟ أنا المُتماهي مع الدهماء في أرض الابتلاء. أنا المتسق مع ذواتهم و أحلامهم. ماذا أبثك؟ أأشكو إليك انقطاعي و نأيي؟ أأناجيك حباً في حلاوة البث و رحمة القرب إليك؟ أنانية و عربدة من العبد الصفيق…

 

بأي لسان أقصدك؟

 

يا أيها المستغني عن العالمين! أناجيك لأجد نفسي بين يديك. يا للوعتي و لفحة إياسي من انحطاط عاطفتني فيك! كيف السبيل إلى حب لا يُدَّعى؟ يا رب لا زلتُ قَصِيّا.

 

بأي قلب يحب مثلي مثلك؟

 

[...]

 

أيا متقرباً للغافلين في الليل البهيم أجب إليك القلب القصيّ المستجير! صفرُ اليدين الخائبُ الملتاعُ من فرط الأسى يتذللُ، يا رب أَقبِل، يا رب آنس وحشتي من قسوة المُضغَة القاصية!

 

هلا كفيتني حيرة المسألة خيرها و شرها؟ هلا جعلت مسألتي إليك لأجلك لا لأجلها؟ ما زلت أغبط إبراهيم في مناجاته… ليتني شعرة في صدره القريب. ليت أمي لم تلدني. ليتني لم أكُ شيئا.

 

بأي قلب يحب مثلي مثلك؟

 

[...]

 

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.