يؤلمني قلبي كثيراً هذه المرة و أنا أحاول أن أخط هذه السطور.
في عالمنا المحدود، أصبحت المزايدة ديناً جديداً يتبعه الجميع. دينٌ يصيب جميع أتباعه بنشوة لا متناهية، تجعلهم لا يتوقفون عن آداء طقوسه بشكل يتعدى الطبيعي إلى ما بعد المرضي. في لبنان؛ الكل يزايد على الكل. في فلسطين؛ حماس تزايد على فتح، و بالعكس. في مصر؛ تزايد المعارضة على الحكومة، و بالعكس. أشهر برامج التلفاز هي تلك التي تقوم حول المزايدة على أحداث الساعة و آخر الأخبار. على الإنترنت؛ المزايدة لم تكن أقل حدة من مثيلاتها في العالم المحدود؛ نفس الشراسة، نفس الدناءة.
على الوورد برس مثلاً أشهر المدونات هي تلك التي يزايد فيها الفتحاويون على الحمساويين، و بالعكس. أيضاً تلك التي يزايد فيها المسلمون على المسيحيين و بالعكس. و كعادة تلك المواد فهي تحقق معدلات استهلاك عالية. كالرياضات العنيفة و المشاهد الجنسية الساخنة؛ تصبح المزايدات الجدلية من ألذ المواد الاستهلاكية للمواطن الشره دائما للمزيد.
مبدئياً سأستخدم كلمة “الإسلامي” بشكل مترهل كثيراً فيما يلحق من حديث. بمعنى أنها ستشير لأناس معينين ذوي طباعٍ معينة.
اعتدت في كثيرٍ من أحاديثي العابرة منها و المطولة مع الإخوة “الإسلاميين” نبرة أصيلة في تحييد الآراء المخالفة و المحاولات المختلفة للفهم و التحليل. نبرة تراوحت كثيراً بين التلميح المستحي إلى السب و القذف و التعريض في أحيان أكثر. نبرة تعالٍ غريبة جداً عما فهمته عن قواعد الإسلام، غير أنها موجودة و أصيلة في معظم الحوارات التي وضعني القدر فيها مع أحدهم.
المزايدات هي غالباً روح الحوار القائم. و أي محاولة مختلفة للطرح أو التعبير مآلها الأخير إلى نوع جديد من المزايدة على دين المرء، انتمائه الثقافي، رجاحة عقله، مصادر دخله، أو حتى ميوله الجنسية.
إلا أن الفقر هو آخر ما اعتقدت أنه يمكن المزايدة عليه.
إنني حقاً مصدوم. أن يزايد المرء على فقرك، يتطلب ذلك الكثير من الحنكة، و شهوة المزايدة.
منذ عدة أيام، صدرت دعوة على برنامج القاهرة اليوم من الدكتور محمد سليم العوا- و هو أحد من أكن لهم أعمق التبجيل و الاحترام- لمقاطعة السلع الهولندية لمدة خمسة عشر يوماً اعتراضاً على الفيلم القصير الذي أنتجه أحد أعضاء البرلمان الهولندي المتعصبين يجرح فيه الإسلام و المسلمين.
لمَ لم أخض في هذا المقال؟ لماذا لم أدل بدلوي في موضوع الفيلم، و رهاب الإسلام، و .. و؟
لأنها السبوبة الجديدة.
تعرفت على شخصية جيرات فايلدرز منذ فترة معتبرة عن طريق أحد الأصدقاء الهولنديين المتميزين. و الشائع عن الرجل كونه إنسان مهين، يحب جذب الانتباه السلبي بشتى الطرق. و لما عرفت عن أخبار الفيلم – قبل أن يصبح علكة وسائلنا الإعلامية الرائعة المفضلة بفترة معتبرة أيضا- علمت أن السبوبة قادمة. و أن على المرء أن ينأى بنفسه عنها.
يعني بيان أزلية الهجوم على الإسلام و عدم تأثيره على بهاء و روعة هذا الدين، بيان تعصب الرجل و كونه إنسان مهين في وطنه، بيان رهابه المرضي من الأغيار و رغبته في أن تكون أوروبا خالصة للأوروبيين (من يلمه؟) و اضطهاده لهجرة المسلمين هناك، بيان أحوال المسلمين المهاجرين المزرية اجتماعياً و أدبياً، سواء الشرعيين منهم أو غير الشرعيين، بيان الجرائم… بل بيان رد أعضاء الحكومة الهولندية عليه يصبح ضرباً من الجنون و العبث مع اتباع الغوغائية القادمة تحت السبوبة. هؤلاء الذين يريدون أن يكونوا على حق و كفى. عاوزين جنازة و يشبعوا فيها لطم كده.
تفكير مثالي سخيف فيما يبدو.
أفلت لساني بالتعليق على إحدى المدونات ” الإسلامية ” الداعية لمقاطعة السلع الهولندية. قلت أني لا أرى المقاطعة هذه المرة سبيلاً. قلت أنها لم تعد قضيتنا الأولى الآن. قلت أنه يجب اختيار السلاح المناسب للوقت المناسب، و أنه يجب أن نتوقف عن ردود الفعل الانعكاسية كأننا دمى تحركها الخيوط. قلت أن الاستمناء الإعلامي الذي يجعلنا نشعر بالامتلاء الكاذب و الإنجاز الأجوف لصالح أمتنا ليس حلاً.
لماذا لن أقاطع السلع الهولندية؟
ببساطة لأنني أفقر كثيراً جداً من أن ابتاع تلك السلع. ببساطة لأنني أمثل الشريحة الأعرض من أبناء هذه “الأمة” المزعومة.و هكذا تجدني مستفزاً جداً لمن يطالبني بمقاطعة شراء المعدات الثقيلة، و المواد الكيماوية، و رقائق البطاطس. و هكذا أيضاً ترى أن المقاطعة “الشعبية” هذه المرة ليست سلاحاً. ليست ذات معنى. غير أن الدعوة إليها برسائل السبام و المدونات تصبح مشبعة إلى حد التخمة، أليس كذلك؟
لماذا لن أقاطع السلع الهولندية؟
لأنه وجب على “حكوماتنا و حكامنا” هذه المرة أن يفعلوها من أجلنا. لأنه وجب أن نوجه هذا الغضب العارم و الاحتقان المزمن من الإهانة و الازدراء العالمي إلى المسئولين الحقيقيين عنه—إلى هؤلاء الحكام السفلة. لأنه وجب علينا التوقف عن استيراد الفقه السعودي الذي يقوم و يلتف حول تجنيب الحاكم حرج اتخاذ أي قرار إصلاحي، فقط لأنه الحاكم، و أنه يجب على الشعب أن يصلح من نفسه، لأن الحاكم لن يتغير، ولا يجوز تغييره أصلاً. يجب أن نتوقف أن هذا التأليه، و نواجه المغتصبين الحقيقيين لهذه الأمة، المهينين الحقيقيين للرسول.
لماذا لن أقاطع السلع الهولندية؟
لأن المستورد لن يتوقف. بل قد تنخفض أسعار الجملة بالنسبة له بشكل كبير. و هكذا، و لمدة خمسة عشر يوماً، يكوم المستورد البضاعة الرخيصة بسعادة، ثم يعود ليجتاح بها الأسواق بعد ذلك محققاً ربحاً … كبيراً. سبوبة أهيه.
لماذا لن أقاطع السلع الهولندية؟
لأني باشتري مصري. و أيوة المصري أقرب ليا من الماليزي. و أيوة ما يهمنيش مستثمرمن دولة إسلامية تبعد عني آلاف الأميال يعمل ربح أكتر ما يهمني عامل ولا فلاح مصري يعمله. و مش خايف أقولها، و مش بازايد على حد و انا باقولها.
عرضت رأياً. و هكذاً؛ أصبحت ملحداً، و علمانياً، و ليبرالياً (شتومة دي يا مرسي؟) و ثوراً، و متفزلكاً، و يهودياً لا يعرف شيئاً عن المحرقة في بعض الأحوال. أصبحت ذلك كله و الكثير من التحابيش و الردود السفسطائية (من السفالة الجدلية). و عندما أوضحت رأيي أكثر ( و كما توقعت تماماً) بدأت المزايدات القذرة.
ولا اعتذار واحد عن السب و القذف و التكفير و الحجر، فهؤلاء القوم لا يعتذرون، لا يتراجعون، هم على حق دائماً.
لكن آخر ما توقعت أن تصل إليه المزايدات هو فقري. أن تزايد على الفقير فتنعته بنقص الدين؟ تطور ملحوظ.
غير أن ما أوجع قلبي و أنا أكتب ليس ذلك.
طالما ادعيت السفالة و السفه. غير أني خسرت هذه المرة. أنا حزين لأني لم أتحل بالمزيد منهما.
طظ يا..يا دكتور محمد…
طظ
محجوب عبد الدايم
القاهرة 1930.