روبرت جابريل موجابي الرجل الذي حكم زيمبابوي منذ عام 1980، لم يرتق درجات السلم الوظيفي ليصبح رئيساً لأن أحدهم نسي أن يرتدي سترته الواقية من الرصاص يوماً ما. موجابي قضى معظم شبابه في السجون السياسية بروديسيا من أجل أفكاره السياسية الشريرة (تحرير زيمبابوي من سلطة الأوروبيين البيض… تحويل نظام الحكم إلى حزب ماركسي واحد… و أشياء من هذا القبيل). استطاع في أواخر السبعينيات الهرب من روديسيا لينضم إلى الكفاح المسلح من موزمبيق، و في عام 1979 أصبح بطلاً أهلياً للتحرير… لقد انتهت الحرب.

منذ عام 1980 و حتى الآن شغل عدة مناصب كلها على رأس الدولة. تسببت سياساته الإقتصادية و انخراطه في بعض الحروب المحلية إلى حالة مؤسفة من التضخم و البطالة. في بداية حكمه كان عليه أن يقتل الكثير من رؤوس القبائل المعارضة، كعادة ملوك أفريقيا. أخذ حال الدولة يتدهور من سيء إلى أسوأ، و بدأ الناس يتذمرون من أن البطل الذي حررهم لا يدري ماذا يفعل كرئيس.

في ربيع 2008 انعقدت الانتخابات الرئاسية معلنة فوز زعيم المعارضة مورجان تسفانجراي، و لكن هذا لم يكن ما أراده الزعيم القائد الرمز المفدى، الركن و العماد، و الدرع و السيف—موجابي طبعاً. و هكذا بدأت سلسلة المهاترات

الآن يتوجه الناخبون الزيمبابوين تحت تهديد السلاح لإعادة انتخاب موجابي بعد تصريحاته بأنه على استعداد للذهاب للحرب

” لقد حاربنا من أجل هذا البلد، و كثير من الدم أهدر. و إننا لن نتخلى عنه بسبب علامة انتخابية حقيرة. كيف يمكن لصوت انتخابي أن يحارب سلاحاً.” – روبرت موجابي.(رئيس ديموقراطي)

من سخرية القدر أن يقوم التلفاز المصري بتحليل إخباري عن الانتخابات يأتي فيه الآتي…

” توجه الناخبون الزيمبابويون إلى صناديق الاقتراع اليوم يحملون الكثير من السخط و خيبة الأمل لإجبارهم على إعادة انتخاب روبرت موجابي البالغ من العمر أربعة و ثمانين عاماً. يذكر أن موجابي كان يعتبر بطلاً أهلياً لحرب التحرير إلى أن تولى الحكم في عام 1980، و أدت سياساته الاقتصادية و الاجتماعية إلى الكثير من المعاناة للشعب الزيمبابوي”

جدير بالذكر أن الناخبين قاموا عن عمد بتخريب أصواتهم الانتخابية لإفشال الانتخابات المزورة… تصرف ديموقراطي…حكيم. اكتبوه يمكن ينفعكم في تعديلات دستورية جديدة ولا حاجة.

و تستمر الحدوتة…

يا ريت ما تفكركوش بحاجة…

زهقتوا؟

طظ

محجوب عبد الدايم

القاهرة 1930.

فاكرين طبعا الإعلان ده… الراحة العميقة في صوت الرجل المستحم

و أخيراً .. الدستور على الإنترنت

أنا مدمع من الفرحة بجد

مبروك

لماذا يستمرون في الفشل؟ ربما يرواد هذا السؤال الكثيرين منا مؤخراً، تماشياً مع كل المحاولات الأخيرة لإيقاف العجلة الدائرة لطحن هذا الشعب الفقير. لماذا تنتهي المحاولات دائماً بخدعة ما، ثم فشلٍ ذريع؟

إن أفعال الخير الإيثارية، التي يضحي فيها الفرد بمصلحة ذاتية قريبة لأجل مصلحة عامة بعيدة لا تتماشي بسلاسة مع متطلبات التطور و النشوء. هذا الشبح الذي يتشدق المتشدقون بإنكاره ورعاً و تقوى و هم أول من يرتقون سلمه. هؤلاء “البشر” اجتمعت فيهم كل صفات الحيوان الأدنى و الملك الأعلى، فتشابك فيهم مفهوم سمو الروح مع الأخلاق و دنو الرغبة و خوف الموت. يتنادون بشجاعة، يتلفتون بحذر، ثم يتقافز بعضهم فوق بعض يخمشون و يقضمون، ثم يصبح البقاء للأسفل.

لا تلمهم إذاً! لا تجزع من ردات فعلهم البدائية إزاء كسرات الخبز الملقاة! لا يفزعنك اللهاث!

إنهم يتطورون.

تثبت دعوات “حقوق الإنسان” و انتفاضات المقهورين و صرخات المحرومين كل يوم عدم توافق. عدم توافق مع سهل العيش. تصبح صرخات من اللامعقولية… اللامعقولية المتأصلة في جذور الإنسان المنافق دائماً. هذا الذي يجأر بالحق و الخير و العدل، و يركب كل فرصة تجعله يسود… يقود… يتعاظم جوره كيلا يموت.

إلى كل من لم يضرب يوم 4 مايو فرحاً بالفتات أو خوفاً من الشتات، علكم تستمتعون الآن بأثر الصفعة على القفا الديوث.

هيهيهي

كلكم محجوب

كلكم..

محجوب

طظ

محجوب عبد الدايم

فين الرجالة الجامدين بالقوي؟ فين الدُّكُرة؟؟ فين الناس اللي كان بتسن السكاكين لهولندا و سايبين إسرائيل جنب منهم و حسني مبارك فوق دماغهم؟

إسراء اتخطفت يا… يا رجالة.

اتخطفت زي ما مصر كلها اتخطفت.

حد عنده كلام؟

حد عنده رد؟

أنا عندي…

إسراء اتخطفت من وسط أهلها علشان قالت كلمة حق، و قالت مش هانرضى بالذل أكتر من كده… يا .. رجالة.

أنا عاوز راجل ينزل من بيته يوم 4 مايو.

يوم من أجل إسراء.

ألا فلا نامت أعين الجبناء

محجوب عبد الدايم…

على عيني يا إسراء… على عيني يا بنتي.

يؤلمني قلبي كثيراً هذه المرة و أنا أحاول أن أخط هذه السطور.

في عالمنا المحدود، أصبحت المزايدة ديناً جديداً يتبعه الجميع. دينٌ يصيب جميع أتباعه بنشوة لا متناهية، تجعلهم لا يتوقفون عن آداء طقوسه بشكل يتعدى الطبيعي إلى ما بعد المرضي. في لبنان؛ الكل يزايد على الكل. في فلسطين؛ حماس تزايد على فتح، و بالعكس. في مصر؛ تزايد المعارضة على الحكومة، و بالعكس. أشهر برامج التلفاز هي تلك التي تقوم حول المزايدة على أحداث الساعة و آخر الأخبار. على الإنترنت؛ المزايدة لم تكن أقل حدة من مثيلاتها في العالم المحدود؛ نفس الشراسة، نفس الدناءة.

على الوورد برس مثلاً أشهر المدونات هي تلك التي يزايد فيها الفتحاويون على الحمساويين، و بالعكس. أيضاً تلك التي يزايد فيها المسلمون على المسيحيين و بالعكس. و كعادة تلك المواد فهي تحقق معدلات استهلاك عالية. كالرياضات العنيفة و المشاهد الجنسية الساخنة؛ تصبح المزايدات الجدلية من ألذ المواد الاستهلاكية للمواطن الشره دائما للمزيد.

مبدئياً سأستخدم كلمة “الإسلامي” بشكل مترهل كثيراً فيما يلحق من حديث. بمعنى أنها ستشير لأناس معينين ذوي طباعٍ معينة.

اعتدت في كثيرٍ من أحاديثي العابرة منها و المطولة مع الإخوة “الإسلاميين” نبرة أصيلة في تحييد الآراء المخالفة و المحاولات المختلفة للفهم و التحليل. نبرة تراوحت كثيراً بين التلميح المستحي إلى السب و القذف و التعريض في أحيان أكثر. نبرة تعالٍ غريبة جداً عما فهمته عن قواعد الإسلام، غير أنها موجودة و أصيلة في معظم الحوارات التي وضعني القدر فيها مع أحدهم.

المزايدات هي غالباً روح الحوار القائم. و أي محاولة مختلفة للطرح أو التعبير مآلها الأخير إلى نوع جديد من المزايدة على دين المرء، انتمائه الثقافي، رجاحة عقله، مصادر دخله، أو حتى ميوله الجنسية.

إلا أن الفقر هو آخر ما اعتقدت أنه يمكن المزايدة عليه.

إنني حقاً مصدوم. أن يزايد المرء على فقرك، يتطلب ذلك الكثير من الحنكة، و شهوة المزايدة.

منذ عدة أيام، صدرت دعوة على برنامج القاهرة اليوم من الدكتور محمد سليم العوا- و هو أحد من أكن لهم أعمق التبجيل و الاحترام- لمقاطعة السلع الهولندية لمدة خمسة عشر يوماً اعتراضاً على الفيلم القصير الذي أنتجه أحد أعضاء البرلمان الهولندي المتعصبين يجرح فيه الإسلام و المسلمين.

لمَ لم أخض في هذا المقال؟ لماذا لم أدل بدلوي في موضوع الفيلم، و رهاب الإسلام، و .. و؟

لأنها السبوبة الجديدة.

تعرفت على شخصية جيرات فايلدرز منذ فترة معتبرة عن طريق أحد الأصدقاء الهولنديين المتميزين. و الشائع عن الرجل كونه إنسان مهين، يحب جذب الانتباه السلبي بشتى الطرق. و لما عرفت عن أخبار الفيلم – قبل أن يصبح علكة وسائلنا الإعلامية الرائعة المفضلة بفترة معتبرة أيضا- علمت أن السبوبة قادمة. و أن على المرء أن ينأى بنفسه عنها.

يعني بيان أزلية الهجوم على الإسلام و عدم تأثيره على بهاء و روعة هذا الدين، بيان تعصب الرجل و كونه إنسان مهين في وطنه، بيان رهابه المرضي من الأغيار و رغبته في أن تكون أوروبا خالصة للأوروبيين (من يلمه؟) و اضطهاده لهجرة المسلمين هناك، بيان أحوال المسلمين المهاجرين المزرية اجتماعياً و أدبياً، سواء الشرعيين منهم أو غير الشرعيين، بيان الجرائم… بل بيان رد أعضاء الحكومة الهولندية عليه يصبح ضرباً من الجنون و العبث مع اتباع الغوغائية القادمة تحت السبوبة. هؤلاء الذين يريدون أن يكونوا على حق و كفى. عاوزين جنازة و يشبعوا فيها لطم كده.

تفكير مثالي سخيف فيما يبدو.

أفلت لساني بالتعليق على إحدى المدونات ” الإسلامية ” الداعية لمقاطعة السلع الهولندية. قلت أني لا أرى المقاطعة هذه المرة سبيلاً. قلت أنها لم تعد قضيتنا الأولى الآن. قلت أنه يجب اختيار السلاح المناسب للوقت المناسب، و أنه يجب أن نتوقف عن ردود الفعل الانعكاسية كأننا دمى تحركها الخيوط. قلت أن الاستمناء الإعلامي الذي يجعلنا نشعر بالامتلاء الكاذب و الإنجاز الأجوف لصالح أمتنا ليس حلاً.

لماذا لن أقاطع السلع الهولندية؟

ببساطة لأنني أفقر كثيراً جداً من أن ابتاع تلك السلع. ببساطة لأنني أمثل الشريحة الأعرض من أبناء هذه “الأمة” المزعومة.و هكذا تجدني مستفزاً جداً لمن يطالبني بمقاطعة شراء المعدات الثقيلة، و المواد الكيماوية، و رقائق البطاطس. و هكذا أيضاً ترى أن المقاطعة “الشعبية” هذه المرة ليست سلاحاً. ليست ذات معنى. غير أن الدعوة إليها برسائل السبام و المدونات تصبح مشبعة إلى حد التخمة، أليس كذلك؟

لماذا لن أقاطع السلع الهولندية؟

لأنه وجب على “حكوماتنا و حكامنا” هذه المرة أن يفعلوها من أجلنا. لأنه وجب أن نوجه هذا الغضب العارم و الاحتقان المزمن من الإهانة و الازدراء العالمي إلى المسئولين الحقيقيين عنه—إلى هؤلاء الحكام السفلة. لأنه وجب علينا التوقف عن استيراد الفقه السعودي الذي يقوم و يلتف حول تجنيب الحاكم حرج اتخاذ أي قرار إصلاحي، فقط لأنه الحاكم، و أنه يجب على الشعب أن يصلح من نفسه، لأن الحاكم لن يتغير، ولا يجوز تغييره أصلاً. يجب أن نتوقف أن هذا التأليه، و نواجه المغتصبين الحقيقيين لهذه الأمة، المهينين الحقيقيين للرسول.

لماذا لن أقاطع السلع الهولندية؟

لأن المستورد لن يتوقف. بل قد تنخفض أسعار الجملة بالنسبة له بشكل كبير. و هكذا، و لمدة خمسة عشر يوماً، يكوم المستورد البضاعة الرخيصة بسعادة، ثم يعود ليجتاح بها الأسواق بعد ذلك محققاً ربحاً … كبيراً. سبوبة أهيه.

لماذا لن أقاطع السلع الهولندية؟

لأني باشتري مصري. و أيوة المصري أقرب ليا من الماليزي. و أيوة ما يهمنيش مستثمرمن دولة إسلامية تبعد عني آلاف الأميال يعمل ربح أكتر ما يهمني عامل ولا فلاح مصري يعمله. و مش خايف أقولها، و مش بازايد على حد و انا باقولها.

عرضت رأياً. و هكذاً؛ أصبحت ملحداً، و علمانياً، و ليبرالياً (شتومة دي يا مرسي؟) و ثوراً، و متفزلكاً، و يهودياً لا يعرف شيئاً عن المحرقة في بعض الأحوال. أصبحت ذلك كله و الكثير من التحابيش و الردود السفسطائية (من السفالة الجدلية). و عندما أوضحت رأيي أكثر ( و كما توقعت تماماً) بدأت المزايدات القذرة.

ولا اعتذار واحد عن السب و القذف و التكفير و الحجر، فهؤلاء القوم لا يعتذرون، لا يتراجعون، هم على حق دائماً.

لكن آخر ما توقعت أن تصل إليه المزايدات هو فقري. أن تزايد على الفقير فتنعته بنقص الدين؟ تطور ملحوظ.

غير أن ما أوجع قلبي و أنا أكتب ليس ذلك.

طالما ادعيت السفالة و السفه. غير أني خسرت هذه المرة. أنا حزين لأني لم أتحل بالمزيد منهما.

طظ يا..يا دكتور محمد…

طظ

محجوب عبد الدايم

القاهرة 1930.

كلمتين كده عن الإضراب علشان المرة الجاية تضربوا حلو…

السنة اللي فاتت… بهية الله يسترها كانت اتكلمت عن بروفة عصيان مدني يوم 23 يوليو كده. و الصراحة الفكرة كانت لطيفة قوي، و مناسبة جداً في التوقيت. كان الرد الوحيد المناسب على كارثة التشويهات الدستورية ساعتها عصيان مدني عام. رسالة مختصرة و بسيطة.

“انتا مش بتقول الشعب قال كلمته؟ آدي كلمته. سرقتها؟ شغلها بقى ان كنت راجل. أهي فاضية أهيه.”

و كان عندي رؤية تخيلية كده فيها شوارع مصر فاضية. الحركة في حدها الأدنى. و بس. لا مظاهرات، ولا احتشادات، ولا مصادمات، ولا هتافات…. ولا عبط.

يمكن أنا متطرف حبتين في التبسط… Minimalist يعني.

المرة الجاية أما تحبوا تعملوا إضراب ياولاد… هانقعد في البيت. لو قولنا نعلق علم مصر يبقى هانعمل سبوبة لبتوع الأعلام و المسألة هتقلب بنظام تشجيع الأهلي و الزمالك. ماحدش يعلق علم مصر.. خلاص. علقوا فانلة داخلية رجالي بيضاء على عصاية مقشة أو غلية… صعبة دي؟ حد يعرف يكلمكوا في دي؟ في أبسط من كده؟

** **

الإضراب ده جه متأخر… متأخر كتير. بس المهم انه جه.

المرة الجاية لازم الاستجابة تبقى أكثر ليونة و سرعة، و الناس تبقى أكثر وعياً.

** **

اللي عاد يستنى الإخوان أو أحزاب المعارضة تقف جنب الشعب ده … يبقى يقابلني… عند أم أدهم.

طظ

محجوب عبد الدايم

القاهرة 1930.

بسم الله الرحمن الرحيم، نويت إضراب اليوم السادس من إبريل إيماناً و احتساباً لوجه الله الكريم…

بما إني بقى راجل مضرب و ملتزم … و فاضي بشكل وحش، أحب احكيلكم حكاية باحكيها لأم محجوب لما بتبقى سهرانة و مش عارفة تنام. حدوتة قبل النوم…

للتأمين حسابات أخرى

كان ياما كان، في إحدى الممالك القديمة، أتى الخبر عن قومٍ لهم أحوالٌ عجاب…

كان الطبيب إذا تطبب و تخرج، استلم البكاليريوس بيمناه، و البكوية بيسراه. ثم عاش مستكفياً بحالته الاجتماعية الممتازة و هو يبذل سني عمره في الطب و العلاج، في بيماريستانه المقدس.

ثم حدث أن “بقينا من الأحرار”…

و استمر الطبيب الذي لم يعد بَيْكاً عاكفاً على بيماريستانه المقدس… لفترة من الزمان. حتى لاحظ بعقليته المتفوقة أن القوم أصبحوا يقدرون كل ذي مالٍ. و كذلك كُتب على بني الطب و الجراحة أنه من لم يفتتح عيادة فكأنما عاش الدنيا ذليلا، و من فتحها…. انتوا فاهمين بقى.

و العيادات في عرف أهل الطب و الجراحة الغير مكتوب، هي أكشاك ذات طبيعة هلامية تجرى فيها المسألة الطبية على نحو مشابه تماما لبارات الاستربتيز، حيث يقف الطبيب خالعاً الكثير من كرامته و أمانته العلمية و الطبية ليكسب الزبون، ثم ينتظر أن يدس الزبون القطع النقدية في طرف حمالة البالطو بضحكة راضية لزجة. الزبون لم يحصل على شئ، و الطبيب الاستربتيز حصل على المال.

ثم تراكمت الأموال، و تضخمت العيادات فأصبحت مستوصفات. ثم تلفتت المستوصفات، فلم تجد رادعاً… فتضخمت هي الأخرى و أصبحت مستشفيات استثمارية “خاصة”. أخبرني الرجل الحكيم مرة عن أحوال الأموال و ما تفعل. قال أن للثروة كتلة حرجة، إذا ما تخطتها فاعلم أن صاحبها ارتكب فُحشاً ما، و لهذا قال العرب فلانٌ ثري، و فلانٌ فاحش الثراء. و هكذا، حولت الثروة الفاحشة أصحابها إلى أناس فاحشين. أنجبوا أطفالاً فاسدين. و لما لم يستطع الأطفال الفاسدون أن يتعايشوا مع أبناء الرعاع غير الاستثمارين، أنشئت المدارس الخاصة. ثم تساووا مرة أخرى مع أبناء الرعاع، فأنشئت الجامعات الخاصة. و هكذا تخرج الأطباء الخاصة من الجامعات الخاصة، ليديروا المنشآت الخاصة، لعلاج أهل الخاصة.

ثم نظر أحد أتباع الدين الجديد في الكتاب المقدس للرأسمالية و اقتصاديات السوق الحرة، و يالهول ما رأى، و ياللعار… لقد انحرفوا عن جادة الطريق. في الكتاب تنزلت الآيات أن الأغنياء بعضهم أولياء بعض، فلا يبهتون بعضهم البعض، ولا يمتصون دماء مرضاهم. و أن من يتول الفقراء فهو منهم. و أن امتصوا دماء الفقراء هو أزكى لكم. اسقط في يد القوم… إذ كانوا في عصيانٍ شديد. فها هم الفقراء لا يزدادون فقراً، و الأغنياء لا يزدادون غنى… على نحو كاف.

و في أرض الاستثماريين العريقة، اجتمع مجلس حكمائهم. و نظروا نظرة في الأمور، فوجدوا أن السقيم من طائفة العراة إذا ما سقم، اتجه إلى مستشفيات أصبحت كعلب الصفيح التي يعيشون فيها من أثر الإهمال المتعمد. و رأوا أنهم إن أرادوا أن يمتصوا دم هذا السقيم، فعليهم أن يتسللوا إلى هذه المنظومة المغلقة.

و هكذا، دفعوا بكبيرهم و سيدهم ليصبح وزير صحة القوم العراة. ثم خرج الكبير ليعلن على القوم العراة مشروعاً للتأمين الصحي “يحسن الآداء، و يكون في مصلحة المواطن”. في مشروعه المعظم، عادت ضريبة الرأس الرومانية مرة أخرى لتطل برأسها المغبر من أثر الزمان. على كل رأس، ذكر أو أنثى، كبير أو صغير، عامل أو عاطل، فقيرٌ أو أفقر.. تدفع الضريبة إجبارياً، ضريبة تتوقف على “دخل المواطن و ليس مرتبه” كما صرح الكبير. و بالمقابل، يصبح المواطن قادراً على أن يعالج في المستشفيات الاستثمارية و العيادات الخاصة، و بناء عليه، تحصل تلك الهيئات على نصيب الأسد من تلك الضرائب التاريخية. و يزداد الغني غنى، و يزداد الفقير فقرا، و تتدهور حالة المؤسسة الصحية أكثر.. و..

بما أن المستشفى الاستثماري يمكن أن يكون مستشفى تأمين، فالعكس صحيح. يمكن أن يتحول مستشفى التأمين إلى مستشفى استثماري، و يأتي المستثمر “الوطني”، و يشتري المؤسسات التي دفع العراة ثمنها على مدى أكثر من ستين عاماً، مليارات تباع بملايين… انها الخصخصة يا أماه..

أماه؟

في العادة تفقد أم محجوب الوعي عند ذكر البيماريستان…

تصبحوا على خير.

طظ

محجوب عبد الدايم

القاهرة 1930.

ألف مبروك لمصر… الإيه دي إس إل تو نزل في تي إي داتا…

شوفتوا التطور بتاع مجال الاتصالات اللي علاء كان بيقولنا اننا لازم نمتدحه؟؟ آدي التطور ولا بلاش…

المهم، تي إي داتا مشكورة نزلت الخطوط الجديدة، و بكده الخطوط القديمة أسعارها نزلت طبعا، باستثناء خط ال256 الغلبان، اقتصاديات سوق بقى. فاكرين لما كانوا بيقولولنا على آليات السوق الحرة و البيزنيس موديلز؟ هيهيهي

أنا باكتب ليه بقى؟ طالما هيه كبسة تقيلة في وشي و وش اللي جابوني و هما طلعوا ناس زي الفل أهوه؟؟

باكتب علشان سياسة الاستخدام العادل.

Fair Use Policy

دي بقى مسمار جحا الجديد لانج في مسألة الـ ADSL 2PLUS الجميلة اللي حاصلة دلوقتي

باين من أسرار تي إي داتا الحربية… حاطين الكلام ده في ملفات بي دي إف مكتوبة بالانجليزي و مش مترجمة على الموقع بتاعهم… و ماله… ما يضرش.. تعالوا نشوف فيها إيه سياسة الاستخدام العادل دي

بيقوللك يا سيدي – و خد بالك من الاسطوانة المشروخة بتاعت المرة اللي فاتت- قال إيه؟ تشارك خط الإيه دي إس إل العادي ده بيضر بالمشتركين، لسبب عجيب قوي… سبحان الله! بيقولوا انه الترافيك اللي رايح جاي ع الخط ده كده موش تمام، حاجة عيب يعني… بيزحم الدنيا باين. فبيقولوا ايه بقى:

كيف تعمل سياسة الاستخدام العادل؟

يتم حساب كم الحركة الإليكترونية (الترافيك يعني) لكل من خطوط الـ ADSL و الـADSL 2PLUS شهريا. و عندما تتخطى تلك الحركة حداً معيناً يعطي انطباعاً أن هذا الخط يتم تشاركه بشكل غير قانوني، أو “إساءة استخدامه بشكل شخصي بشكل يؤثر على باقي المستخدمين” ، فإن السرعة تهبط تلقائيا إلى 64 كيلو بايت في الثانية لما تبقى من الشهر. على أن تعود السرعة إلى السرعة المتعاقد عليها في بداية شهر جديد.

و ما هو حجم التداول المسموح به من قبل سياسة الاستخدام العادل؟

يختلف حجم التداول من سرعة إلى أخرى. و يتراوح بين 100 إلى 150 جيجا شهريا.

همم؟

و من غير حكومة أهوه يا عم، ولا وزير اتصالات بقى ولا هلمة ع الفاضي… و أعلى ما في خيلك اركبه، و الكلام على كله… القديم و الجديد، و عادي جدا. و لو كلمت الدعم الفني، ولا كلمة عن الحكاية دي خالص… هيقعد يقوللك رستر الرواتر، و مش عارف اعمل ايه… و خلاص.

نت محدود الطاقة، إجباري، على كله، غصب عن عين التخين…. هيه؟

مبسوطين بقى؟ ربنا يخلي لنا قطاع الاتصالات.

أنا عاوز واحد يطلعلي زي المصري الوطني المجاهد يقوللي تاني بوس إيدك وش و ضهر، و انتا ما بترضاش باللي ربنا (شركة تي إي داتا يعني) قسمهولك، و بتهين سمعة مصر… هابوس راسه و اقوله حقك عليا، ما اهو اصل انا دايما اللي باطلع وحش في الآخر… و ديماجوجي و شوية حاجات كده فوق بعض.

طظ

محجوب عبد الدايم

أوشيانيا … 1984…

 

تحديث ع السريع…

الـADSL 2PLUS نزل نظرياً بس، لأنه مكتوب في الملف إنه جودة الخط هاتعتمد بشكل رئيسي على جودة خط التليفون اللي موصله، و على بعد هذا التليفون عن السنترال الرئيسي. ولا عزاء للأقاليم، و العشوائيات، و شوية الحاجات اللي جنب بعض دي.

 

water_tcm6-13904521.jpg

أن تتكلم كثيراً و تكتب قليلاً—يؤلم الحلق، و يصدع الرأس. هذا ما تلاحظ لدينا منذ شغلنا الامتياز المقدس عن النقر على هذه اللوحة.

**

روحنا كاس الأمم الأفريقية، و جينا من كاس الأمم الأفريقية…

       من اللطيف أن تلاحظ الحشد الجماعي و روح القتال المرتفعة في تحقيق الهدف هذه المرة. من المثير أن تلاحظ كيف يتألق المواطن المصري تحت الطرق و السحب و النفخ. يجعلك الأمر تتساءل؛ هل نحتاج حرباً جديدة لبعث الدم في العروق المصرية الميتة و تحقيق نهضة حقيقية؟ همم

        …..

     لا—لا نحتاج حرباً. نحتاج إعلان كوكاكولا. طول عمرنا بنتفرج على كورة و بنشجع المنتخب الوطني و بنتحمس و نشخط و نشد في شعرنا قدام التليفيزيون. لكن عمرنا ما نزلنا قفلنا الشوارع في مصر و سائر دول العالم قال إييييييييييييه؟؟؟؟؟ بنحتفل… اسم الله ع الاحتفالات. المسألة كلها انه اتعمل إعلان، طلع فيه واحد عامل نفسه إفريقي.. بيتكلم بلهجة سوداني، و قال عمال يتكلم عن الجمهور المصري الرهيب، و ازاي انهم بينزلوا ياكلوا النجيلة، و ممكن يعملوا أي حاجة مجنونة و بنت ستين في سبعين علشان بيحبوا الفريق بتاعهم، قوووووم إيه بقى، الناس صدقت. آه و الله، الناس صدقت روحها، و نزلت تعمل فيها دور الجمهور العريق الذي لم يسمع التاريخ بمثله، و سدوا الشوارع و داسوا فوق بعض، و قتلوا بعض بمنتهى الحماس الكروي العجيب. الحماس الذي لا أجد له مصدراً مقنعا، سوى قوة الإيحاء الرهيبة في إعلان كوكاكولا—الراعي الرسمي للمسخرة… قصدي الكورة في مصر.

         …..

       قبل ما نتكلم عن رجوع الأبطال، أحب أقول كلمة في نفسي. لما يبقى عندك راس حربة في منتخب، لعب كل ماتشات البطولة من الأول للآخر، ما جابش جون واحد، ما عملش كورة حلوة، ما اتنيلش على عين أهله و لعب كورة، و لسة بتنزله و تلعبه، يبقى فيه حاجة غلط طحن. لما فريقنا يلعب كل الماتشات بتسع لعيبة بدل احداشر لعيب… علشان راس الحربة الأهلاوي العظيم اللي واقفلنا قدام واقف يلعبلي مع الخصم، و كل ما الكورة تجيله يردها بصدره علينا، ولا عارف يستلم و لا يسلم ولا يتنيل، و سايبينه علشان الأهلي، يبقى يلعن أبو الكورة اللي بالشكل ده. عماد بيه متعب لا له في الكورة ولا في البطيخ، و يستحسن يروح يعمل إعلانات ولا يبقى موديل أغاني عربي. يا عماد بيه—يلعن أبو اللي علمهالك، لأبو اللي لعبهالك، لأبو اللي طلعك تقرفنا بطلعتك البهية ماتش ماتش.

      ……

     خلينا ما نزايدش قدام أبو تريكة، و نقعد نمسكله في الهايفة و اللي مش هايفة، و نسأل أسئلة مستفزة من طراز ماتقولش ادينا إيه لغزة، قول ادتنا إيه غزة؟ و كده.. علشان أبو تريكة بيه قافلها صح، و راسم الشخصية جميل جدا من كل الزوايا. و ده شئ أنا باحترمه بعمق و باقدره بتبجيل.

       ….

      عودة الأبطال المضحكة، و حفلات التكريم الساهرة، و الأموال التي أغدقت يمينا و يساراً يا عمو حسن يا شحاته… شيء يخوف. يخوف علشان الأبطال هيصدقوا… و هيعيشوا في الدور… مع إن الأهم (رياضيا يعني) لسة جاي. و هناخد المنتخب العريق بتاعنا و ننزل تصفيات كاس العالم، و هانطلع من بنين تاني… اصحوا يا… يا أبطال.

**

زمان… مش زمان قوي قوي يعني… من فترة أنا أوعي عليها، كان الولد لما يقول لأبوه “يابا أنا عاوز اطلع لعيب كورة” كان رد الفعل الطبيعي للأب المصري العتيد إنه يقوم عاين إيده في سابع سما، و نازل يرف بيها بقلم سخن على حنطور عين الولد يعدله صماويل مخه اللي فكت. و بعد العلقة السخنة و الشتائم المحبشة، يجلس الأب برجولة بارزة مستفحلة و هو ينفخ بغضب الثيران مبرطماً ” لعيب كورة؟؟ هيه حصلت؟؟”

**

يتضمن عمل الطبيب حديث التخرج تقديم الخدمات الطبية الأولية، و الإسعافات، و التحاليل، و التشخيص و العلاج لمئات المرضى يومياً. و عليه أن يتواجد في مكان العمل طوال فترة العمل الرسمية المقيدة بجدوله، شاملة النوبتجيات الليلية، و العمل خارج الوحدات الصحية في حملات التوعية و التطعيم و الفحص الدوري. يتعرض خلالها لكافة أشكال العدوى و مصادر الموت. عندما لا يذهب الطبيب حديث التخرج إلى عمله، فإن الناس ببساطة… تموت.

**

عندما يصبح السد العالي المصري الذي دفعنا ثمنه من دماء أجدادنا و آبائنا في قناة السويس و حرب 1956 اسم دلع لحارس مرمى المنتخب الوقور السيد عصام الحضري، فإنه عليك أن تتساءل حقاً عما إذا كنا ما زلنا نذكر شيئاً عن تاريخ عشر سنوات مضت.

المهم، يعود السيد المحترم جداً عصام الحضري، ثم يفر إلى سويسرا، ثم يعود مرة أخرى بعد فضيحة إعلامية مفتعلة بشكل يبعث على الغثيان. يعني… من الأشياء التي تجعلك تتساءل… لماذا كل هذه الضجة حول عيد الحب، عيد المرأة، يوم الشهيد…. أيضا حول ” أزمة عصام الحضري”… على إيه ده كله؟ حصل ايه يعني؟

انما بقى اللي يخلي ضبك يخبط في الأرض زي الأفلام الكارتون، لما السيد رئيس الجمهورية بنفسه يتصل بإدارة النادي الأهلي “علشان يخلصوا موضوع الحضري ده بقى، و يشوفوه هوه عاوز ايه و يتعمل”….

لعيب كورة

مع احترامي و تقديري للعب الجميل، في الأول و في الآخر، أنا هاشوف ماتش الكورة، و انبسط و افرح اننا كسبنا، و اقفل التليفيزيون… و خلاص. العالم لم ينتهي، مشاكلي لم تحل، بلدي لم تصبح أفضل أو أقوى، فلسطين لم تتحرر.

كورة… ماتش كورة.

انظر و لاحظ ثم صِل..

لعيب كورة … أزمة…. ضجة مفتعلة… رئيس الجمهورية يتدخل.

**

نقلت صحيفة الدستور في عددها الصادر 4 مارس عن صحيفة لوس أنجيليس تايمز رصدها لأحوال الأطباء في مصر. و ترجمت داليا الهمشري عن الصحيفة تردي الأوضاع المالية و الوظيفية للأطباء، و بخاصة حديثي التخرج، كما نقلت الصحيفة شوية القلق و اللبش و الواغش اللي الدكاترة المصريين كانوا عاملينه الكام شهر اللي فاتوا.

الحدوتة و ما فيها إنه أطباء مصر الأجلاء يطوفون شوارع القاهرة منذ فترة معتبرة من الاعتصامات و الاحتجاجات الرسمية للمطالبة بكادر يحفظ أقل ما يمكن من الحياة الغير كريمة حتى للطبيب. بالمصري كده—بيشحتوا م الحكومة علشان يعيشوا.

و المسألة تطورت لدرجة اننا بقينا على كل لسان، و الأمريكان بقوا بيكتبوا عننا… سمعتنا بقت ما شاء الله في الأوساط الطبية، حاجة تملأ السمع و البصر. تخيل نفسك نازل مؤتمر طبي كده و فرحان بشبابك، و بقيت زمايلك من الدول الأخرى بيبصولك و يتصعبوا و يمصمصوا شفايفهم و يقولوا أوه جاش… هوه ده الطبيب اللي بيشحت.. أوه نو… ادوله حاجة. لاحظ أن الطبيب حديث التخرج مطالب بمصاريف خرافية لإكمال مشواره الدراسي في التخصص و الخبرة الإكلينيكية. من غير ما يفكر في جواز ولا بيت ولا أسرة، ولا الكلام الفارغ ده.

انظر و لاحظ ثم صل…

طبيب… مظاهرات.. اعتصامات.. فضيحة بجلاجل… شحاتة في الشوارع… وزير الصحة المحترم يقول مالكوش عندنا حاجة، و الرئيس ما وعدكوش بحاجة (ملاحظ انتا لهجة الندل اللي غرر بواحدة و غلط معاها و بعدين بيقوللها انا ماليش دعوة؟ ) …. في الآخر “الدكتور” نظيف يقوللنا يللا ياض انتا و هوه.. بلاش لعب عيال، بدل ما نطلعكم خونة و عملاء و نعتقلكم… القانون لا يسمح للطبيب انه يطالب بأي حاجة، لأنه وظيفة حساسة….

و رئيس الجمهورية لم يتدخل.

**

انتوا زعلانين من العيش ليه؟ كلوا آيس كريم؟ بيتيفور؟ جاتو؟ عيش ايه اللي هاتموتوا عليه يا رعاع

**

العيال دول عاجبيني مووووت… ماشاء الله عليهم. الدماغ النضيفة نضيفة. يوما ما أكمل هذا الموضوع.

ملحوظة: قد يكون من العدل أن أذكر أنني لست مشجعاً كروياً مدمناً… همم… لست مشجعاً على الإطلاق. متفرج عادي جداً.

طظ

محجوب عبد الدايم

القاهرة 1930.

كنت في السابعة عشر من عمري عندما تأكدت أن علاقتي بها لن تظل تلك الصداقة البريئة التي يتغامزون عنها و يمقتونها طوال الوقت. كان اكتشافاً كارثياً بحق. ها هي علاقة تقترب إلى حد الهوس و العوز المرضي، إن تماديت فيها تلوثت روحي إلى الأبد، و إن لم أفعل خبت تلك الروح إلى الأبد أيضاً. العدل في أن يتوحد الهوس و الإثم… الاختيار في وضع الجبر… لهذه الأسباب خلقت الفلسفة. و السفسطة أيضاَ.

على كلٍ، لم يكن الخيار مستحيلاً كما يبدو. يبدو أن الرجال العاقلين على مر العصور احتفظوا بتلك العلاقة الآثمة لأسبابٍ يرونها سامية. بالنسبة لي، أرى الأمر أبسط كثيراً من السمو. إنها تسعفني حيث لا يسعفني غيرها. إنها مفيدة هكذا. كما أنها تنفخ الأنا الخاصة بي بشكل خاص. قد تبدو لك أسباباً منحطة، لا يعنيني الأمر كثيراً، لكن الإنجليزية حقاً تسعفني.

نعم كنت أتحدث عن الإنجليزية.

Euphemism

لفظة بسيطة و معبرة. في العربية تصبح تعبيرات كثيرة كـ” السم في العسل”، ” الدناءة المؤدبة”، و الأكثر بلاغة ” تلبسون الحق بالباطل و تكتمون الحق و أنتم تعلمون”. كلمة طالما عبرت ببالي كلما ذكروا عيد الحب.

تستيقظ في الصباح الباكر، تتفحص محفظتك، تغتسل و تتهيأ و تتعطر، ثم تتفحص محفظتك، ثم تخرج متلفتاً و أنت تتحسس محفظتك، تذهب إلى محل العطور، ثم إلى محل الحُليّ، ثم إلى محل الشيكولاتة، ثم إلى محل الدببة اللطيفة المحشوة، ثم تتحسس محفظتك. تحمل غنيمتك في فخر و تذهب إلى فتاتك مزهواً لتشتري منها عواطف الامتنان و الفرح و الخجل أحياناً. لتشتري تلك الابتسامة المستحية، ثم تنطلقا إلى المطعم لتحشو بطنها بالطعام و تتظاهر بالكرم المتبذخ.

سيناريو آخر يحمل نفس الخطوات تقريباً، و لكن… ياللمفاجأة السعيدة، لقد اشترت لك هدية. يالسعادتك، إنها تفكر فيك! هي أيضاً قررت أن تشتري.

تتعدد السيناريوهات لهذا اليوم العالمي و تتبذل فيما لا يمكن سرده ولا حصره. تتعدد إلا أنها تشترك في عامل واحد. أننا نذهب للمحال الفاخرة و غير الفاخرة لنشتري الحب. لنشتري التعاطف، الذكريات، و الولاء. و المثير فعلاً أننا نقبل ببيعه أيضاً. نتقبله في فرح و حبور.

ثم نجلس و ندعوه عيد حبٍ. و نتحدث عن التجرد و التفاني، و نتغنى بالروحانية العاطفية، و عش الطير الذي يصبح جنة الفردوس، و نحن نتبلع قطع الجمبري و نتلذذ بالشيكولاتة السويسرية.

ألا يبدو هذا يوفيميزماً سخيفاً؟

ألا يبدو الأمر يوفيميزماً سخيفاً حقاً عندما تقف مراقباً بأحد المتاجر الضخمة لتجد المئات يتدفقون لشراء العلب الحمراء مختلفة المحتوى؟ نفس المئات التي تشتكي الغلاء و التضخم و البطالة و ضيق ذات اليد. أن يقاس الحب و الولاء و تتحقق تلك الرفرفة الخاطفة بالقلب على قدر ثقل الماسات و نقاء ذهب الحلى و سعر وجبة العشاء؟

يتعدى الأمر كونه يوفيميزماً سخيفاً إلى نفاقٍ صارخٍ صفيقٍ عندما تتحول ترنيمة صلاتنا المقدسة التي نرفعها في كل مناسبة و محفل، صلاتنا إلى شركات البضاعة الاستهلاكية سريعة الاحتراق، صلاة عبودية الاستهلاك تلك، تتحول إلى نبل و مشاعر مرهفة و .. عيد حب.

تلك صلاة لا تقبل أيها السادة. لِمَ لا نتصارح مع الإله الذي له نجأر؟ لِمَ لا تصبح قبلتنا واضحة المعالم؟ أهي مخزية إلى هذه الدرجة؟

يبدو أنه يوفيميزمٌ حلال. يصبح حلالاً عندما يستحل النفاق. عندما تصبح حتى تلك الصلاة نوعاً من قضاء الواجب. يصبح الحب يوفيميزماً عن الاستهلاكية، و عن الخنوع، و قضاء الواجب، و أشياء أخرى… أشياء ليست سامية بالمرة… أشياء منحطة تماماً. لكن الأمر لا يبدو أنه يعنينا.

كل عيد نزعة استهلاكية و أنتم طيبون… تذكروني في رمضان.

طظ

محجوب عبد الدايم

القاهرة 1930.

Next Page »