crr

“أنت لا تحب الحياة بما يكفي”

   قالها لي بهدوء لا يخلو من استنكار عطوف دون أن يرفع ناظريه إليّ. كان منهمكًا يضفر أعواد القصيب الدقيق بدأب ليصنع سلة أخرى. تأملت أصابعه الغليظة القصيرة و تعجبت من رشاقتها حول الأعواد. عدت أهز رأسي لا مباليًا و اتوارى خلف رشفات بطيئة من كوب شاي رديء. يحبونني أكثر كلما ازددتُ صمتًا لسبب لا يعلمه إلا الله.

   ثنية أخرى، ها هو العود يلتف. هناك ما يكفي من النور ليعشي أبصار قبيلة من أمثالي من معتادي الغرف المظلمة و الأضواء المصتنعة. توقف عن العمل بغتة و رمقني بفراغ صبر يلومني لطول صمتي.

  • “ماذا تريدني أن أقول؟ لا أحد يحب الحياة حقًا. لا أنا ولا أنت. ربما تحب انطباعك المبدأي عما يجري. ذكرياتك عن أشخاص بعينهم. لو أردت حقًا فالحياة مغرية بالبصاق أكثر من أي شيء آخر”
  • “الله يقرفك!”

   ابتسمتُ بسذاجة و عدت اتوارى في شرودي بينما أنشأ هو يحكي أشياء عن البصاق و أطفال هذه الأيام الملاعين. أذكر تمامًا رائحة الهواء الرطب في هذا اليوم من أيام آب الذي لا ينتهي أبدًا..  شهر بعمر الآلهة نفسها و بازدواجيتهم أيضًا. لم يكن يعلم يومها أنه لا اتقانه لصنع السلال ولا بياض بشرته الناصع أو انفه المعتد دائما كوحوش بلاد فارس سيشفعون له فيم تخبئه الأقدار. سيسافر صديقي إلى بلد عربي مترهل، و هناك سيترهل كل شيء. سيترهل إحساسه، و رشاقة أصابعه، و حبه لامرأته. ستترهل امرأته نفسها.. ابنة الرجل الطيب ستصبح فارغة إلا من الشحم و النميمة و عتامة قرنية ستجعل نظراتها إليه كل ليلة قابضة للأرواح. سيعود بعد عقدين أو أكثر، سينهمك في بناء دار جديدة، و سينخرط في علاقات سياسية مترهلة. ربما تزوج عرفيًا.. هذا الجزء بالذات حزرته و لم يخبرني به. سيموت في حادث عجيب بشرفة شقته ببورسعيد بينما تستمر أم كلثوم في الخوف من الغد و اللقاء.

   استوقفني باهتمام متسائلًا عن رواية الخيميائي و إذا ما كنت قد قرأتها.

   أطلقت ضحكة عابثة و أخبرته أنني قد فعلت و أنني ربما أخبره يومًا ما عن ذلك. لم أخبره أبدًا أني أتممتها في حجرة متشققة الملاط في صحراء سيناء و أنا بعد في مغرب العشرينات. كنا ثلاثة رهط استوقفتنا نبوءة الأسطورة الذاتية. ربما كنت أقلهم إيمانًا، إلا أن أساطير كل منا صارت مرويَّات بعدئذ. لقد كان هذا هيستيريًا؛ نصف ثورة، و الكثير من الحقن الشرجية و أنابيب التغذية المَعِدية، و أعضاء مبتورة و أخرى عاجزة و ما زالت ذكرى تواترنا على تلك الأعجوبة الأدبية تلهب الضحك حتى الدموع. أخبرته أنني ما زلت اعتقد أن كويليو وغدٌ متحذلقٌ و أن أسطورته الذاتية لا تختلف كثيرًا عن إل. رون هابارد. اختار أن يكون مبشرًا بديانة فلسفة بطاقات المعايدة الرديئة… يا له من مصير.

   عاد يطوي الأعواد بدأب و هو يغمغم. اتأمل الشقوق الدقيقة في سلته الصغيرة و الضوء المنبعث من بين ثنياتها. أذكر الضوء جيدًا. لهذا خلق الله الشقوق. لهذا أرسل الله من يشقون الشقوق بعاصفيتهم الغير محسوبة… لعل الضوء ينفذ. من أجل وحش الحياة المغلوب على أمره شَقُّوا شقوقهم في دروعنا الواهنة ليحرقنا ضوء الوحش المسكين.

فلنحترق بوهج لائقِ إذن.

يُصر أن ندخن الحشيشة سويًا يومًا ما. يقول أنني بالتأكيد سأكون رائعًا و أنا منتشٍ بالمخدر. أوافقه الرأي. نقرع أكواب الشاي بسذاجة و نضحك.

coffee

   المألوفات التي ترقد في قاع قدح القهوة ترمقنني في دَعَة. أنت لا تحتاجين أن تسبري أغوار الأرض لتجدي أصدقاء أكثر ولاءً. يكفي ان تخدشي وجه قدح مسطح و تتركي الأشياء تهطل لقاعه الضحل في تؤدة و يقين.

   الأمواج الضحلة في القاع تغمر المرار و السواد و الرائحة التي باتت لاعتيادها زكية، و تبتلعني كاملًا في طيَّاتها. استغراقي الذي لا يقطعه قاطع في قاع القدح يمنحني مظهرًا مرعبًا لأغلب الناس و مثيرًا لشفقتك. أشعر بنظرتك تتكور حانية على مؤخرة عنقي و تنتصب شعيراتي شيئًا فشيئًا.

   أرفع عيني إليك مقاطعًا ما تستتبعه نظرتك تلك من تحقيق و استقصاء. اتأملك بتروٍّ. و أظنني ما زلت أنظر في قاع قدح القهوة. سهلة مثله، قريبة، داكنة، و تحملين لي مَرارًا لا أجرؤ أن أدعه. حتى الثمالة ها أنا اهوي… سيؤلم هذا حتمًا.

   دعيني أخبرك أنني خبرتُ أشياءَ قبلًا، و أنه لا تجربة تستحق الخوض حقًا ما لم تأت إليك بسهولة قدح قهوة. انت لا تخوضين غمارًا عندئذ، بل تشملك الأحداث و المشاعر فتحملك أو تغرقك بلا أدنى محاولة. و أنه عندها فقط تصبح حيًّا كما ينبغي. الحياة لا تحدث و أنت تخمشن الجدران الحجرية بأظافر متآكلة آملا في شق نور. هناك الكثير من شباب الإغريق يرقدون في قعر كهف كهذا.

   تنتزعين القدح من يدي بحنان أم، و تربتين على كتفي

  • “هاعملك شاي و ساندويتش”
  • “لا اعمليلي قهوة.. “
  • “تاني؟” تقولينها بحزن عميق لا يتناسب مع الموقف إطلاقًا و يبعث على الابتسام المضطر من فرط مبالغته.

   أغمض عيني و تتسلل إلى خياشيمي رائحتك مرة أخرى، و ابتسم.

DSC_0468~4

العزيزة رضوى…

كيف ينظر الرّب إلى تراجيدياتنا  السخيفة؟ هل يُضجره انهماكُنا في حزن يعلم أنه مُبَدِّله؟ هل يستاء من خياناتنا الواضحة إذ نتبدل بلا حرج؟ هل يحنقه ارتباكنا و قلة حيلتنا إذ نعمى و يرى؟ إننا ولا شك كائنات بغيضة. لا تطيق شدّة الشعور، ولا تفي له، ولا تنظر فترى.

أصبحت مشغولًا بمشاعر الرب مؤخرًا يا رضوى. إنه لأمر مرهق. هل أنا متحرّج منه حقًا؟ أم أني غاضب من عدم اتساقي كخرقة بالية؟ لابد و أنه قد مَلً منا اليوم، و أن هذا الشعور اللانهائي بالضجر الذي صار يملأ الكون مؤخرًا ما هو إلا ظل شعوره. و ربما هكذا أراد إنهاء العالم… بالضجر الذي لا فَرَج منه.

أنا أحمد الله أن لم يجعلني إلها لهذا الكوكب. كنت لأُنزل سفرًا مقدسًا مكدسًا بالسباب لأهله و أجبرهم أن يتلونه آناء الليل و أطراف النهار.

المزيد من يوم الخميس… لاشك أن هذا يروقك كثيرًا، أليس كذلك؟

أتذكرين هذا الغرور الذي كنت أحسن ارتداءه درعًا لأحيا بين المسوخ بلا خدوش؟ صار ثقيلًا معطوبًا. و صار عبئًا قبيحًا لا أريده، ولا أجد بديلًا عنه. ربما حياة المتصوّفة. سيكون ترك كل شيء جانبًا فَرجًا مرحبًا به تمامًا. إنك لا تتخيلين ثقل الدنيا هنا اليوم.

رأيتني أحمل ركبتي طفل سمين على عاتقي و أنا و أنت على طريق سفر مصفَرًّ. كلما نظرت إلى ما أحمل فوق رأسي ضحكت مني و أطعمتني شيئًا للطريق. ما بال ذلك؟

سيأتي يوم لن أذكر قصاصتي هذه و لن أذكرك. أليس هذا سببًا كافيا لننتهي قبل أن نبدأ؟ أتحسس الندبات القديمة بأنامل خشنة و اتعجب من هول اللا حِس.

أكتبي لي شيئًا عن كائنات نورانية ترافقك، و عن خيول و حقول و شيء من شمس قليل. و اسألي ربي عني… و اشفعي لعله يرضى.  ولا تخبريه بأمر رسالتي هذه.

B46mflGCAAAzlSU

2:32:12 ص

أفتح عيني في وَهَن. ينشق ظلام الرؤية بخيطي نور يلتحمان سريعًا. أطالع الجملة مرة أخرى، و أنظر أمامي. تهتز بي العربة بإيقاع حياتيٍّ رتيب و يتذبذب صوت عجلات القطار متتابعًا. هناك طنين ممل ينبعث من مصباح العربة اليتيم الذي يقاتل بين الفينة و الأخرى فيرتعش نوره و يخبو ثم يضيء بحياء خائبي الأمل إذ يطلبونه.

تجلس قبالتي تمامًا و تتطلع عبر النافذة المظلمة لما لن أراه. ينسدل عنقها في دَعَة بين دفتي ياقة بيضاء عانت الكثير هذا النهار على ما يبدو. أطيل النظر كما لا ينبغي. أرى سربًا صغيرًا من النحل يسري بين رأسها و منبت النهدين. يعبر قطار بجوارنا ليفزّع النحل أشتاتًا.

تشعل سيجارة و تختفي خلف ستار من الدخان الأبيض.

تختفي…

أطبق جفني بقوة على أسود مريح.

2:32:22 ص

العزيزة رضوى…

ينتهي الجسر فيبدأ الطريق يا رضوى. ما بال هذه النهايات التي لا تُنهي شيئًا حقا؟ إننا لا ننتهي من أحد.. ولا من شيء.. ولا تنتهي منا الأشياء أيضًا. كنت أعلم أنك سترحلين بغتة كعادة من يهطلون علي بغتة. و كنت أتمثل اليوم قبل أن يأتي فلا أُبهًت. كنت أفكر لنفسي أنه يومها يجب أن ينتهي كل شيء.

و لكننا حلاليف يا رضوى. حلاليف نستمر في التنفس و التقلص و الانهماك في الحياة بغلظة. لا ينهكنا الفقد كما ينبغي، ولا يَبري منا غير غلالات روح لم تعد تليق بنا على أية حال، و لم تقِنا برد الأشياء قبلًا.

2:32:27 ص

” و لكنك ما زلت طفلاً تأبى الاعتراف بأنها النهاية”

2:32:33 ص

يتهادى القطار شيئًا فشيئًا فتتسارع دقات قلبي و كأن شيئا على وشك أن يحدث. تنظر إلى ثم إلى الباب، ثم تقبض على حقيبتها القماشية بتحفز و تهُم. و أهم أنا بقول شيء ما لا أفقهه. هناك يعسوب أخضر يداعب أصابعي الباردة. يتوقف القطار بغتة و تنهض مسرعة. أنتوي اللحاق بها و لكن الأرض ملأى بالثعابين و هناك هوّة.. و هناك أنت.

الله ينظر.

ساقاي ثقيلتان…

2:23:40ص

تقف بجوار الباب ولا تهبط. تتعلق بعامود معدني بيدها و تظل مولية ظهرها إلي. و يتحرك القطار بتؤدة.

الباب يغمره ضوء أزرق بارد…

2:23:42 ص

2:23:43 ص

2:23:44 ص

—-

picture by the talented @

23 ديسمبر 2014:

“الحياة في نهاية المطاف تغلب، وإن بدا غير ذلك،  والبشر راشدون مهما ارتبكوا أو اضطربوا أو تعثرت خطواتهم والنهايات ليست نهايات، لأنها تتشابك ببدايات جديدة ..”– أثقل من رضوى

alex

في ليلةِ المطر الأول عندما خدشَت قطراته الحيِيَّة المليئةُ بالحب صَلف الأرصفة بأرض النفاق أغلق باب شقته المتهالك بإحكام خلف نسمات الصيف الذابلة و تنفس الصُّعَداء. أسند ظهره إلى الباب في دَعة و جالتْ عيناه في أركان الشقة الفارغة  بحنان و كأنهما تطمئنان إلى وجود الجدران. توجه بتُؤَدة إلى باب الشرفة الزجاجي و أزاح ستارًا سميكًا. هذه هي الشوارع التي بات لا يألفها ولا تألفه، شوارع أرض التيه التي لا ينتمي إليها تتقاطع بعشوائية معتادة. و صورته في زجاج الشرفة ما زالت تزعجه بنظرات جارحة للروح. بادلها النظرة بأوقح منها علَّها ترتدع و تمتم و هو يرفع حاجبًا.

“لا حَرَج عليَّ إذن”.

جذب كرسيًّا عتيقًا و جلس إلى مكتبه تمامًا تحت ظل نافذة غرفة الضيوف. تلك النافذة الضخمة التي كان يَحارُ كيف يسد ضوءها المزعج في أيام الاكتئاب الطويلة. تهتز بأثر رياحٍ لطيفة محدثةً أصواتًا طفولية. جلس في كنفها و مد يده إلى دفتره المثقل. فتح الصفحات الأخيرة و أخذ يعود أدراجَه ورقة ورقة إلى المنتصف. توقفت أصابعه و أطلق تنهيدة مرتبكة و هو يتحاشى النظر إلى بقايا عمره على الورق، ثم عاد يقلب ورقة أخرى. اقتطع ورقتين كعادته و أخذ يقرأهما على مهل قبل أن يطويهما و يغلق دفتره. دفتره الذي أصبح ساحة معركة مليئة بالأشلاء و الأطراف المبتورة. أمسك بالقلم و ورقة بيضاء و أنطلقت أصابعه بثبات أعجبه و هو يبدأ ورقة جديدة.

” …

حريٌ بهذا الطقس أن نكون سويًّا. أن أترك نفسي لنهر عينيك ليشقني ترانيم قصيرة…  كتنهدات درويش مزق الحب قلبه، ثم يجمعني سكرانًا من قهوة لونهما ليتركني شاردًا في صمتهما الكثيف. أن يذوب كلي في بعضك و تنتهي وحدتي الأزلية في ليلة مطيرة نهاية تليق بأسطورتها.

لماذا يصر العالم على طحن الذين يظنون أن بذل أرواحهم أمر مفيد؟ لماذا يدخلهم في التجربة و يحولهم جميعًا إلى طغمة من أولاد الكلب. إن هذا ليس في مصلحة العالم على الإطلاق. سينتهون يومًا، و سينتهي العالم بعدها مباشرةً. يساورني هاجس أن من خلق العالم جعل له ميكانيكة تدمير ذاتي… و أنني وجدتُّها. ولا أعلم ماذا أفعل بعد.

في كلية الطب لا يُعدُّونكِ لمثل ذلك. هناك الكثير من الهراء حول العقاقير و تصنيفات الأمراض و درجاتها. و لكنهم لا يخبرونكِ أبدًا ماذا تفعلين بكل ذلك. أنت تقفين فوق رأس المريض و بنظرة واحدة تعلمين ما سوف يصير و تدركين تمامًا ما سوف يؤول إليه كل ما ستفعلينه من اللاجدوى. و يجب عليك أن تتعلمي وحدك كيف تدعين الثقة و القدرة على التنبؤ و التصرف. لو يعلم أهل المرضى الذين ينظرون إليكِ بهلع و رجاء ماذا تخفين خلف قناع وجهك البشوش لماتوا رعبًا من رعبك و قلة حيلتك.

آه من قلة الحيلة تلك يا سكن فؤادي، يا خليلة الروح. كيف أصِف لك؟ العالم أصبح أسمنتيًا بشكل غير مسبوق. و كأن أحدهم اقتلع أعصابي البصرية فأوصلها بكابل شاشة عملاقة لتلفاز يذيع إشارة انقطاع البث بلا نهاية. أينما يممت وجهي و مهما أتيت من معجزات، لا تنقطع الإشارة. لا أُحسن الوصف. يشبه الأمر تمامًا صوت أم كلثوم و هي تهمس “هجرتك”. منتهى العبثية.

أتذكرين يوم أخبرتك أن من يحبك لا يُحسِن أن يحبك بنصف قلب؟

كان هذا آخر عهدي بقلب مكتمل. العالم يضِنُّ على أبنائه ممن ظنوا يومًا أنهم ببذل أرواحهم سيجعلون لونه أي شيء غير هذا الرمادي المصمت. كلنا في السجن الكبير نقضي أوطارًا من بعضنا و يتسلل إلى أرواحنا الأسمنت عامًا بعد عام. و العام عام جوع. و الأرواح باتت نهمةً للأسمنت حقًا.

فرج رزق الله فرج جاد الله… تأملي معي الاسم. هناك شيء فاضح… شيء عاهر في هذه الحياة. هذا الفرج يتدلى من عنقه من فوق لوحة إعلانات على الطريق السريع. و رفاق الثورة يتبدلون، يموتون جسدًا و روحًا. و الصَّحب يقفزون من السفينة الغارقة سراعًا. الكل أدرك اللاجدوى أخيرًا، و أخذ يهنئني على استبصاري و بصيرتي و ذكاء تبدلي. و أنا أنظر إليهم من خلف أقنعتي السميكة ذاهلًا. ماذا فعلتُ بحق السماء؟

لماذا يظنون أني نبي الكافرين بك؟

سأضع هذه الأسفار جانبًا و أكتب إليك غَزَلًا.

 أجدني أحبك أقل الليلة.  الحب كالإيمان يزيد و ينقص. أجدني أحبك أقل و لعل هذا يطلق لساني فيك بما يحبسه فرط الوَلَه.  أقع بغرامك كل صباح تمامًا كالمرة الأولى. تعرفين تلك الغصة المحببة؟ أفتح عيني كل صباح مذهولًا. أنا من هؤلاء الذين يستيقظون مندهشين… أن هناك عالمًا آخر، و أن هناك ذكريات، و أن هناك بشرًا آخرين كثيرين حمقى…. ثم أن هناك أنتِ. تعتصرني الخاطرة الأخيرة كقبض جبريل لمحمد. لثوانٍ متتابعاتٍ يتوقف قلبي تمامًا و أشعر بتلك الغصة، أتصبب عرقًا، و أتصلب تمامًا كمن يموت ليبعث، كالموتة الصغرى… اطرد الهواء من صدري بعنف و أبتسم بَيْن بَيْن… و أقع بالغرام. و أحب أنفك كثيرًا. أنفك الذي يحمل الكثير من ضحكتك و شفتك العليا الدقيقة بارتعاشتها القاتلة. و هذا الوجه الوديع الذي يقاتل باستماتة تثير العَجب و الإعجاب هربًا من شغف عينيه.

[…]

و أحبك كما لم أعلم أن لقلبي أن يحب. كما لا أحب أن أتبين كي لا أخشى على نفسي. يا حقيقة لا تغيبها صَعلكتي و طول لساني و فرط الهراء. أحبك رغم مجون العالم و عهره. أنا المسافر الذي لا يصل. أحبك بطول الطريق و وحشته.

أهذا كل ما هنالك أيتها النبية المقدسة؟ أهذا كل ما بالشجاعة؟ الاستمرار مع الخوف؟ أهذا كل ما بالإيمان؟ الاستمرار مع الشك؟ رَبِّتي على ساعدي و قولي لي أن قوتي في الصبر على ضعفي و قلة حيلتي و أن علي ألا أخبرك. امنحيني سببًا واحدًا للادعاء. تكلمي أيتها النبية المقدسة. سأتدرع بالفصحى قوقعة للحم بطني حتى تتكلمي. و أتجلد الصمت الغليظ و أنا أصرخ بملء صمتي في كل نفس… أحب.

أهلَكَني بَيْنُك…

متى ترتكبين الحماقات من أجلي و تتوقفين عن مضاجعة الموت؟ “

طوى الورقة بهدوء لا يتناسب مع ما يعتمل في صدره من نداء مبتتر. و ارتفعت يده تمسح حبات .. ظنّها من عرق. و اتجه على عجل إلى باب الشقة دون أن يلتفت. في الطريق العَدُوّ لَطَمَتْه الرياح كثيرًا. و تلوَّث بنطاله من أثر الشتاء. كان يمشي قابضًا على أوراقه بحزم، تصافح قدماه ظلّيْن ألقاهما القمر و ضوء غير متبين يملأ الطريق إلى المقابر.

 

 

burial-shortage

 

      أتذكرين حَمَلات المقاطعة لـ”منتوجات العدو الصهويني”؟

  أطلقُ ضحكة عابثة  و أنا أنهي ورقةً أخرى أعلم أنها لن تصل. أحمل القدح الفارغ و بقايا كِسرات لم أقربها حقاً و أذهب إلى المطبخ بآلية غير مُبالية. اتناسى كفّاي تحت الماء و أنا أحدق في سريانه المستمر و أتفكر في كل الأشياء و اللحظات التي بَدَت أقوى من الزمن يوماً؛ سَيْرنا في الشوارع خلسة أيام الانتفاضة بعد الفجر لنكتب “تسقط إسرائيل” على الرصيف أمام المدرسة الثانوية، انبهار مدرس اللغة العربية و هو يرشقني بأبيات شعر لم أسمعها سابقاً و أنا أعربها له بميكانيكة أحسد عليها، احمرار كفي من لعبة “صلّح” في الفناء، و هلعي بعد أن تمزق قميصي الجديد و نحن نلعب ال”بلتك” في فناء آخر. أول شريط كاسيت لعمرو دياب نجده ملقى في الشارع و نصلحه و نشغله بأعلى صوت ممكن لأيام متتالية في شقتنا الجديدة الفارغة تقريباً. عمرو دياب أمرً قَدَريّ إذا كنت تعيشين في بلدي هذه.

  لقد أصبح الشّغَف أمراً مُبتذلاً حقاً من فرط سؤاله. و كأن جيلاً كاملاً اكتشف الكلمة دَفعَةً واحدة، أترينهم؟ الكل يطلب الشَّغَف بعنف و كأنه أصل السعادة. أليس كل شيء هنا بعابرٍ كخيط غروب؟ بم يفيد الشَّغف؟ لقد سئمت الراحلين.

  ثقل المعطف الأبيض على كتفي يوم ارتديته أول يوم في استقبال مستشفى، خوف ليلة الامتحان، لين قلبي و أنا أقرأ حروفك الأنثوية المترددة، نشوة انتزاع أحدهم من براثن موتٍ محقق و تلقي الكثير من المديح الغير مستَحق على الإطلاق، سهاد ليلة طويلة أحرث الشبكة العنكبوتية بحثاً عن إجابة سؤالٍ مُتَخيّل قد يرِد إذ ألقاك… لقد رحلن كلهن عن هذا القلب المرهق و تركن له أشباحاً تؤزُّ ولا تُغيث.

  على الراحلين ألّا يأتوا بدءاً. عليهم ألا يقربوا هذا القلب الذي أصبح مزبلة للماضي و مرتعاً لأشباح من سبقوهم. و إلا فليلاقوا مصيرهم من اللعن المقتر. لتنصهر أرواحهم قبل أن يعيثوا في حديقة المقبرة فساداً و يغرسوا فيها بنفسجهم الذي يزهر بغير موسم و على حين غرة ثم يموت على حين غرة أيضاً.

  انقطع الماء فجأة تماماً كالشَّغَف الذي يقتله التخطيط و العمل. سأخبر مريضي الذي تمتلئ رئتيه بالليمف كل يوم و قد مات عدة مرات قبل أن يموت حقا… سأخبره أيضاً عن الشَّغَف و ما يفعل و كيف يمكنه أن يحقق السعادة. سأخبره أن الطب و الفيزياء الكونية و الموسيقى و الأدب و آلالاف من الصفحات التي أمزقها كل شهر لم تحمل فكرةً أصليةً واحدةً لتسرّي عنه. يمكنك أن ترقد بسلام الآن. لن تفتقد الكثير في هذا العالم المعتوه حيث الكلمات مراكب مَعيبة تحمل العقوق خلف أسوار من الهري اللامتناهي و النسيان. ستذهب حيث ذهبت حملات المقاطعة، و الانتفاضة، و الثانوية العامة، و الثورة، و الحب. و لن تترك خلفك إلا الكثير من الخدر.

لعلك تجد السعادة في سكينة بلا اسئلة

أنا ذاهب لأخبره الآن. أتأتين معي؟

“ربما ما زلتُ حياً في مكان ما

و أعرف ما أريد”

23_wabisabi3rei

امتزج بخار كوب الشاي الساخن بدخان لفافة تبغه محلية الصنع في تآلف مُنَغّم. مشهدٌ آخر سيلتصق بذاكرتي عن هذا الصباح العجيب. أزاح كوب الشاي رائع اللون مُتبَرِّماً و عاد يحدق في الأفق بلا ملامح تقريباً.

“أتعرف ما الأمر المحبب حقاً في موسيقى الجاز؟”

أعرفه جيداً. هو لا ينتظر جواباً لتلك الأسئلة التي يلقيها بلا سياق. أرمقه بطرف عيني و هو مستغرق حتى أذنيه في آخر أنفاس لفافة التبغ. لم يتغير كثيراً رغم الحادثات. ما زال نحيفاً و عصبياً كالبُرص المُحاصر. نحل شعر رأسه كثيراً و جحظت عيناه بعض الشيء إلا أنه في هذا الصباح بدا … مألوفاً و قديما.

تابعت رشف الشاي من قدحٍ قديم مشروخ في صمت. مد يده برشاقة فانتزع الكوب من يدي و أخذ يتأمله ثم عاد ينظر إلي ببراءة.

“أحب هذا القدح أكثر”

ثم تبسم في رضاً و عاد يسترخي في مقعده الخشبي القديم مرتشفاً الشاي ببطء. تبادلنا الأقداح.

“تبدو منتشياً اليوم!” سألته متصنعاً اللامبالاة.

“و لم لا؟ أنا راضٍ عمّا أحب”

اعتدل في جلسته و بدا و كأنه على وشك الانهماك بالضحك

“موسيقى الجاز طبعها النقص. بها خشونة ناعمة… الكثير من عدم الاتساق. تُشعرك دائماً أنها انتهت قبل موعدها … بلا نهاية. أمرٌ زائل، و غير مكتمل. لماذا لا يستمع الناس لموسيقى الجاز؟ لما تقوله حقاً؟”

“و ماذا تقول حقا؟”

“ارضَ عمَّا تحب! الناس تحب الأشياء ثم تعمل على ’إصلاحها‘. لماذا يجب أن يكون كل شيء سليماً؟ متساوِ الأطراف؟ مكتملاً؟ جديداً؟ ليس هذا حباً. هناك الكثير من الصلف و الغرور هنا. نحن الآلهة الجديدة… أنا أحبك و سأخلقك على صورتي. أي هراء هذا؟”

أشعل لفافة تبغ جديدة و عبَّ نفسين عميقين ثم ناولني ما بقي منها. مددت يدي بعفوية و التقطت اللفافة متناسياً أني لا أدخن أصلاً.

“يتشارك الفتية على شبكات التواصل الاجتماعي صور مشجعات كأس العالم. هل رأيتهن؟ هذا التماثل المؤذي للعين؟ ثم يعيّر بعضهم بعضاً.. يقول الفتية هكذا تكون النساء، و تقول الفتيات لو كنتم لَكُنَّا. و يتداعى علينا العباقرة شارحين ذكورية المجتمع و انحطاطه. هؤلاء قوم يشتهون. لو أحبوا ما كانوا بهذه الدفاعية… لو أحبوا النقص فيهم لاكتملوا. هناك الكثير من السعادة في تكبير الأدمغة… ربما كل السعادة”

أخذت أحدق باللفافة في يدي و اتساءل عمّا يمنعني من التقاط سُخامها الأبيض. مثالية ما؟ باغتُّه سائلاً عن حفل الأمس. التمعت عيناه حقاً و بدا كطفل و هو يمد يديه أمامه بانفعال مقهقها.

“كدت أقضي من فرط الجمال. ربما كان هذا أكبر تجمع لصديقات البطلة في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا منذ عقود. أطنان من المشاكل تسعى. تجترئ على الحياة لمرة. لقد كان بديعاً حقاً. أن تراهن… يغنين في الظلام. يتركن أنفسهن لنشوة تنتصر من دنيا لا تحب”

“الأمرعن فتاة إذن يا نبي الجاز” تبسمت بسخرية لا محل لها من الإعراب.

“الأمر دائما عن فتاة… الثورة كانت عن فتاة” غمز لي و هو يسترخي بمقعده مرة أخرى و يتابع الأفق بشرود.

  “سأحب ما أحب بكل الكيان، لإنه لا وقت لدي أضيعه. لأن كل هذا الجمال لا يمكن التسامح معه مطلقاً. ألا توافقني؟”

“أنا لا أبالي حقاً”

“أنت كاذب بالمناسبة” قهقه منتشياً.

أمقته عندما يكون على حق.

—-

http://bit.ly/1uCocVv

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.