و … هدف

9-tips-taruhan-bola

هناك شيء مريح للنفس في رحلات القطار بتلك التؤدة و القدرية المحسومة المطمئنة التي تمضي بها. في نهايتها أجد رأسي فارغًا تمامًا و قد طرح كل ما فيه، و أصبح مكتظًا بهواء خفيف مالح الطعم، و استعداد لبدء جديد.

في المرحلة الابتدائية و ما قبلها كنت طفلًا تامَّ الاستدارة. و لما كنا نلعب كرة القدم في حصص الألعاب و في الشارع اعتدت ألا يختارني أحد. لأسباب واضحة طبعًا فأنا لا أجيد الجري ولا المراوغة و سأكون عبئًا بشكل ما على فريقي. كنت ابقى للنهاية لأكون آخر من ينضم أو حارس مرمى للجميع.. أحيانًا كانوا يجعلون مني حكمًا للتخلص مني. إلا أنني كنت ألعب. غير عابئٍ بدلالات الحدث كنت استشهد في أرض الملعب، أعدو حتى ينشطر قلبي نصفين، و أصرخ باستمرار حتى يُبَحَّ صوتي من أجل التمريرة التي لا تجيئ أبدًا، و أقع مرارًا و أقطع ركبتيّ و أُلوِّث ملابسي كل مرة.

لم يأتِ هدفي الأول إلا قبل نهاية المرحلة الإعدادية بعدة أشهر. جاء حاملًا كل الملحمية الممكنة. الكرة البينية تخطئ طريقها إليّ، اضعها بكعبي بين ساقيّ الحارس بمنتهى الهدوء في نهاية الحصة تمامًا لإنهي التعادل القائم. هكذا… بمنتهى البساطة.

بالطبع كنت فرحًا. صرخات القتال التي أطلقتها، و حملي لباقي أفراد الفريق على كتفي –كنت ما زلت بدينًا و لن يحملني أحد- يشهدان أني كنت فرحًا. في الأيام التالية سمعت بأذنيّ مرارًا قصة الهدف تتكرر بعدم تصديق و انبهار لا يفتران. صرت أكثر ثقةً و اعتدادًا. و لكني بقيت كما أنا… لا يختارني أحد، و استمر باللعب.

في النهاية عندما يخبو مني النور، أو يُداخلني النور –لا أعلم بعد- سأكون على أغلب الأحوال راضيًا عن كل شيء. قضيت فترة لا بأس بها على هذه الأرض و عشت كما لم يعش أغلب الناس. كنت قديسًا و إبليسًا، مليحًا و قبيحًا، لاعب نرد و حامل كتاب، ضاحكًا مُبكيًا. أحببت كل حب ممكن بكل ما أوتيت من قلب. كنت محظوظًا جدًا على كل حال. فقد وجدت من وهبني الحياة بكامل سمكها، بكل ثنية و حافة، بغلظة و رقة، ساخنة رطبة و ضاغطة. عبرت فوق الخيبات على أطراف أصابعي تارّة، و مسحوبًا على وجهي تارّة أخرى. كنت بشريًّا كاملَ التحقق بكل ادعاء و نقيصة، لم أقض الأيام باحثًا عن فراغ لا يمكن سده أو حزينًا من أجل ضربة فرشاة خرقاء “أفسدت” اللوحة. كنت أطارد فراشات الأحلام بعبث و اجتهاد معًا، و أحب الانطراح أرضًا منقطع الأنفاس من فرط العدو و الضحك بعد أن تهرب. كانت دائمًا تهرب، و كنت دائمًا استمر باللعب.

لإنك لا تعلم أبدًا متى تأتي تلك البينية الخاطئة.


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s