مَرثيّة الأب الأخير

dude

لا بأس عليكم من التحرر من الأشياء القديمة.

السيد أحمد خالد توفيق عراب جيل كامل من ذوي العوينات المقعرة و ما يصاحبها و يستلزمها من أزياء و قناعات. اعتاد السيد توفيق أن يسوق منهجًا فلسفيًا متصلًا في جُلَّ اعماله ظاهره الواقعية القحة. السيد توفيق أحد اكاديميي جامعته اللطيفة بأحد أكثر أقساما لطفًا سيحدثنا كثيرًا و على مدار ربع قرن عن البؤس، و التصنع، و هزلية الأشياء. السخرية في مجمل كتابات السيد توفيق ليست أصلًا ولا روحًا. سخرية السيد توفيق غشاء سميك.

كأي سخرية على كل حال. الساخرون يعلمون ما أقول الآن. السخرية أغشية سميكة نتقي بها فحص الفاحصين.

في قلب تشبيهات السيد توفيق و أحداث أقاصيصه يرقد كائن صغير جَزِعٌ تمامًا، مريض جدًا، محتضرٌ دائمًا، و لا يمكن طمأنته أبدًا. كائن يرى الحياة و أحداثها محض انطباع. و أن الطريق لاجتيازها و خوض غمارها هو أن نرتدي أكياسًا بلاستيكية سميكة تغطي كل حاسة. لإن كل ما يرد و ما سوف يرد ليس إلا ادعاء. الفرح و الحزن و الحب و الصحبة ادعاءات تخفي إما شهوة أو هلعًا و على الإنسان الحكيم ألا يغتر بتجربتها و الامتزاج بها. الغوغاء فقط هم من ينخرطون في مثل تلك الأمور غير القابلة للتصديق.

الأمر الآخر و الذي قد يبدو مزعجًا للسيد توفيق نفسه أكثر منا نحن الأتباع و المريدين أن السيد توفيق يستمر بلا انقطاع في إعادة بث نفس الرسالة المسجلة بقوالب حتى لم تعد مبتكرة. المسألة أصبحت كالعديد بالمآتم… نفس الرسالة الرثائية تتكرر بلا انقطاع عن نهاية العالم و فشل الإنسان و عدم الجدوى. و بينما نحن نقص شراييننا باجتهاد سيغير السيد توفيق سيارته ربما بعد أن تنتهي اقساطها و يدخن علبة سجائر أخرى ليسد المزيد من شرايينه التاجية المتخمة و يحدث من تبقى منا عن عزوفه عن مواقع التواصل الاجتماعي و عدم استساغته للغة السائدة في أيامنا.

إن المتفائلين الذين يقيئون نور الشمس الساطع على جميع الأحداث و الأحوال، و المتصوفة الذين يتقمصون أعتى حالات “الزِّن” و الرضا عن الأشياء و ما آلت إليه و ما سوف تؤول أيضًا لا يعيشون عبر الدنيا ببشرية كاملة. ولا يمثلون بديلًا عن منهج السيد توفيق المثالي التعددي. لماذا تقضي البشرية نحبها في محاولات مضنية لنحت الطبائع و المشاعر الإنسانية و صبها في قوالب معيبة؟

ربما لا يكون هناك ما يدعى قوالب معيبة على أية حال.

لإن كل شيء هنا عابر كخيوط الغروب المتكررة بلا تناسخ، لنتفق ضمنيًا أن نحيا بالكامل بلا احتراز. لنتفق –أنا و أنت- أن نمارس الأحداث و الأحوال حال مرورها الذي نعلم أنه لا يطول بكل الجدية اللازمة، و بكل القلب الواعي. لنحب و نفرح و نحزن و نغضب و نثور و ننقطع بلا احتياطات. ثم إذا ما انتهى منا الحب أو الفرح أو الحزن و الغضب و الثورة و الانقطاع، إذا ما انتهى منا أحدها أو كلها، لنلقي ذلك كله جانبًا و لنستمر. لنتفق أن نفرغ أكياسنا البلاستيكية بانتظام و ود، و ألا نصبح مجاذيب نطيل الشعر و الفترات بين الاستحمام و نحن نجر اكياسًا ضخمة مهترئة تطفح بالماضي. لنضع عنا إصرنا و الأغلال التي في أعناقنا.

و لهذا اليتم الفكري الأخير.. لنحزن قليلًا ثم لنسترح.

السيد توفيق… لقد كانت رحلة طيبة.

البقاء لله.

Advertisements

الشعراء

قرض الشعر مهنة من لا عقل له.

هل تتخيلين كيف ستكون معيشتك في رحاب شاعر؟ أنا لا اتحدث عن قراءة قصيدة في ليلة طويلة تطوينها و تتقلبين في تنهيد عميق. أنا أتحدث عن معاشرة شخص مخبول تمامًا تهيء له ذاته أنه يمكنه نظم الحياة كاملة بوزنٍ و قافيةٍ ثابتتين. شخص يظن انه كل ما يمكن قصّه يمتع، و كل ما يخرج عنه يطرب. و يظن أن الطرب المستمر أمر جيد و كأن الحياة تكورت في بؤرة ذروة متعة لا حيدة عنها ولا التفات. أمرٌ مُمِض ثقيل.

الشعراء أثقل أهل الأرض ظلًا، و أعتاهم سماجةً و ادعاء. أنا أتفهم تمامًا موقف اللصوص و القتلة. و لكني لا أجد أي مبرر لممارسة هذا العته المنظم و المتعمد على أوراق بريئة بيضاء. الأمر كله يبدو عبثيًا جدًا من قريب. الرجل لا يكف عن القرض و الاستعراض كفأر مستفز. لا يحتفظ بفكرة واحدة أصلية في رأسه المسطح، بل ينسكب كل ما يرد عليه بارتخاء عنين.

الشعراء يهينون المشاعر بالسرد الملتوي المقصود. و بتزاحم مصطنع غير مقنع. قد ابتلع بيتًا أو بيتين، أو ربما شطرة تكفي.

الشعر قادر على أن يخرجك من حالتك الوجدانية بالكلية. حتى أن نقده و نقد من يقرضونه يبعث على الفصلان .. ها أنا قد فقدت الاهتمام بهذه الورقة على غير عادة.

ياللبضان.

طظ

محجوب عبد الدايم

حرف الحاء

حيل

بماذا يشعر الأعاجم عندما يسمعون حرف الحاء في لغتنا؟

تحيرني تلك اللحظات التي أتمثل فيها ما يشعر به الآخرون. محاولات حمقاء لفتى مراهق يرتدي قفازات ضخمة تخفي نعومة يدين يافعتين.

لا شك أنهم يخالونه طٌرفَة ما. صوت غير ذي مغزى كمناغاة الأطفال. أي إنسان عاقل يفتح حلقه على هذا النحو ليتحدث؟ إن لم يكن خرَق و نزَق مراهقين فهو بلا شك محض ادعاء… “لعلهم يتمثلون قبائل قديمة أو يحاكون حيوانات سفلى.  هذا لا يعني شيئًا ولا يمكن أن يعني شيئًا لأحدٍ على الإطلاق، و لهذا قمنا نحن بحذفه من قواميس لغتنا.. لإنه غير حقيقي ولا يعني شيئًا لأحد” هكذا يشعرون.

هذا النوع من الذكاء البراجماتي المفرط الذي إن مددته على استقامته انتهينا لعوالم مجردة تشبه كاكوتوبيا أورويل و هاكسلي. أنا ماهرٌ في تتبع هذا الخيط من الأفكار المجردة إلى أصولها و نهايتها الاحتفالية. يبدو هذا كمنطق الذين يجردون الحب و الثورة إلى عناصر أولية من الرغبة و النرجسية.

هذه العقول التي لم تُنَشَّأ في مياه الاحتمالية و الفرص قادرة على بتر كل حِلية. يمكنهم أن يسردوا لك عشرين تعريفًا معجميًا للحب و درجاته و آثاره. لكنهم لن يعرفوا أبدًا ماذا يعني أن تحب. أن تنظر إلى خصال و تفاصيل أحدهم فلا يغمرك إلا شعور كامل بالرحمة و الاستمتاع. و أن يصبح الثُّكل حرفيًا و معجميًا حين الفراق. أن تتبين أخيرًا بعد عمرٍ طويل من السخرية الشاملة على نحو لا يجعل لك من سبيل عليها لمَ قد يدعو أحدهم أحدًا “يا صغيرتي”. تلك الرحمة الحارّة التي تشق العروق. أن يتشرب أحدهم الآخر حتى آخر قطرة في كل ثنية نفس حتى يصبح قَبرَ كل شيء بلحدٍ سحيقٍ أهون من انتزاعه.

أي إنسان عاقل يفتح حلقه على هذا النحو ليتحدث؟

الثورة أيضًا فعلٌ يغيب عنه كلُ حفظٍ للنفس. و لربما كان غياب ذلك الذكاء البراجماتي المفرط عن الحب و الثورة سبب فشلهما الدائم و درامية/كوميدية نهايتهما الحتمية. هذا الإفراط في بذل النفس كأن ذلك يغير شيئًا لابد و أن يهوي محترقًا بلهبٍ يناسب أسطورته الذاتية.

إلا أنه يغير بعد كل شيء.

سيصبح كل شيء مختلفًا بعد الحب أو الثورة أو انتهائهما.

الحب و الثورة يغيران العالم قلبًا مكسورًا بعد قلبٍ مكسور. يخلقان حيزًا ضئيلًا للنور الدافئ في هذا العالم جدرانه من شظايا الأرواح المهلهلة. و يجعلان لنا كفصيلة حيوانية حافزًا تطوريًا ما للبقاء. بيولوجيًا الحب و الثورة خير و أبقى.

أي إنسان عاقل يفتح حلقه على هذا النحو ليتحدث؟

لا تَدَعوا الإنسان العاقل يحكم هذا العالم. مُدوا مفاصل القلوب المصابة كيفما اتفق. لعل الحيز يتسع لنا يومًا.

هواءٌ باردٌ لطيف

5454154_G

أخذ الهواء يداعب برقةٍ طرف ياقة قميصه الأسود المنقوش و خصلات شعره المجدول فوق ظهره العريض. كان يجلس القرفصاء على سفح تل حجري في راحة ربة منزل فوق أريكتها. يُجيل وجهه المثلث الداكن ذي القاعدة العريضة حول عينيه الضيقتين و الأنف الأفطس الكبير المحاط بندب متعددة و يتنشق الهواء كجرو حديث العهد بفنون التتبع. يطيل النظر إلى السماء كأنه بانتظار أمرٍ ما.

كنت اجلس خلفه قليلًا أقلب النار بصمت لا يقطعه سوى قرقعة الأعواد الجافة و هي تحترق. قرقعة أخرى و أنا أصب شايًا ثقيلا في أكوابٍ صغيرة. اقتربت منه و مددت يدي بالكوب، فالتقطه بلا تكلف دون أن ينظر إلي.

صاحبي لا يتحدث إطلاقًا. يُخيل إلي أنني قد أموت رعبًا لو أنه أجابني يومًا. سيكون هذا من قبيل:

  • “يا رب
  • يا نعم
  • …!”

صاحبي يشير و يُومِئ، و له حس دعابة لا يُنكر.

أنا لا أتبين الأصوات برأسه، و لكني لا أمَلّ من وَخزِه و تحزير ما يجول به طوال الوقت. قلت له أنني لا آمنه، ولا أمل رفقته. عيناه الضيقتان دائمتا الابتسام، كأنما تسخران من عيب في وجهي. من دوافعي للحياة. من فضولي الذي لا يكف عني ولا عنه.

قلت له  البارحة أنه لدي حُجة عظيمة ضد نظرية التطور و النشوء.

التفت إلي ببطء. له حاجبين لا تكاد تميزهما.من فرط الدقة، رفعهما و انتظر.

قلت له “توفيق عكاشة” و ضحكت. فصمت و لم يومئ. قلت له أنت فعلت هذا أليس كذلك؟ هذا لا يمكن أن يكون تطورًا طبيعيًا للأحداث. ليس من المفروض أن نستمر كجنس كامل على هذا الكوكب بهذه العاهات. هذا ينافي التطور بالكلية. هذا الوضع مصنوع بالكلية.

أشاح بوجه و عاد ينظر إلى السماء.

هب هواءٌ باردٌ لطيف…

رفعت رأسي أحاكيه في حيوانية بريئة.

عبر منضدة في مطعم في شارع الكورنيش عينان داكنتان تطالعني في ترقب. تضيف رشات من الملح لصحن نصف ممتلئ و تنتظر بفراغ صبر حماقتي التالية. ينحدر نور الشتاء البارد عن وجهها في سيولة، و كأنه الشيء الوحيد المستحق للإضاءة في هذا المكان الضيق. أنظر إليه خلف كتفها الصغير، يجلس موليًا لي ظهره بلا اكتراث على منضدة مجاورة. أرفع صوتي بالحديث. أحدثها عن الأدب، و ينحدر مني الحديث إلى قلته –قلة الحديث أو الأدب أيهما أقرب.

ترش الملح في صمت.

 و يهب هواءٌ باردٌ لطيف.

و أمد رأسي، و أجد ريحها، خشبيًا ثقيلًا، و نظيفًا.

في أول الشارع أخطو منشغلًا بغيابه عني. أنظر إلى موضع قدمي بغضب مكتوم. أرفع رأسي، يطالعني وجه متوردٌ لشاب بالغ الطول لا يلبث أن يشيح بوجهه إلى هاتفه. يخطو خطوتين، يتخشب جذعه كليّا، ثم يهوي عاضًّا الرصيف بقواطعه.. بين قدمي تمامًا. تستمر التشنجات لدقائق عدة. أكتم دمه بكفي و أنا أحتضن رأسه الكبير إلى حد مضحك. يمتقع وجهي بشكل ملحوظ و يبدو الأمر بلا نهاية.

ثم ينتهي كل شيء

و يهب هواءٌ باردٌ لطيف.

يجفف عرقي البارد، و دمعة واحدة على خدي الأيسر.

ألتقط حجرًا خفيفًا من بين قدمي و أنظر إلى صاحبي المستغرق في سطح الجدول المار أسفلنا. أطيح بالحجر بخرقٍ شهير فأنا أفشل أهل الأرض في إلقاء الأشياء. ينظر إلي ثم إلى الحجر المستقر بقاع الجدول. أسأله متى ألقي كما يلقي الناس؟ و لِمَ يتوجب علي أن أحمل كل هؤلاء في طيَّات اللاوعي؟ صرت مُكررًا يا أبت.

بلا كلمة واحدة و كأنه ملّ التكرار نهض و انصرف منحدرًا إلى أسفل التل. دون أن ينظر خلفه.

و هب هواء .. باردٌ.. لطيف.

حملني معه.

الفرار من رامة

escape

   ما الذي قد يشعر به المرء الأبدي الوحدة بصحراء خشنة الروح عندما تقع عينيه على صفحة ماء ناصعة لأول مرة فيرى فيها وجهه المتغصن الغريب؟ ما الذي قد يشعر به يتيمو الموائد إذا ما أتاهم ذلك الجد الغائب، الأصل الراسخ الذي لم يحلموا به من قبل يخبرهم أنهم ليسوا وحيدين كل تلك الوحدة بعد كل شيء؟ ما الذي يأتي بعد عدم التصديق المبدئي و غرابة العالم اللحظية؟ و هل نريد أن نعرف حقًا؟ هل نريد أن نعرف هذه الفرحة الهَلِعَة؟ هذا اليقين المرعب؟ إننا نتمنى ولا نريد. نرنو بخشية ولا تمتد أيدينا المرتعشة إلى حُجُبٍ رقيقة لا تقي من نور الحق إذ يسطع.

   أتذكر تمامًا تلك اللحظات الأولى التي تسرب فيها إلىّ إدوار الخراط. لا أظنني سأنسى- و أنا النّسِيّ- تلك الحروف الأنثوية المتكسرة تروي عَليّ بِبَحّة لدنة محببة ذات عمق صنوبري أقصوصة جَروٍ مُحبِّ يلقى مصير المحبين المعتاد، و هي لا تطيق أن تُكمل و أنا ينتصب شعر عنقي الواحدة تلو الأخرى في خشوع. نفس الإغراق في الوصف المُرَكَّب، و الاعتداد الذي يكاد يجاوز الصلف بمعرفة فلسفية أو قُل سفسطة ولدانية ما. رغبته في ألا يقر بشيء و ألا يتبنى رأيًا. تردده الحاسم للجدل الذي تخطؤه كل عين ولا يخفى علي. أعرفه. أعرفه تمامًا كما أعرف أبي. كما أعرف مضجعي و وسادتي. أعرف شقوق نفسه و أرق أنفاسه ليلًا. و أعرف إغراقه في الحياة و احتقاره لرثاء الذات و إن أدمنه. كان ذلك بشعًا و رائعًا تمامًا كالتماع شريط محترق من الماغنيسيوم.

   في مرثية ذاتٍ طويلة -ليس بما يكفي على كل حال- يحكي لي قصة لقائه بالآلهة. تعرفون تلك الأرواح التي لها أعراف نورانية حالكة كأعراف دِيَكةٍ متوحشة، تلك الأرواح التي لا تدري هل هي مقبلة أم مدبرة، هل تعني حقًا ما تقول، هل آخذها حين المواتاة أم أحجم خشية الهجر و التبدل. أرواح لا تشبع، ذات طبقات و سرايا، لها من الدهاليز ما أنشأته قديمًا و طويلًا تحتمي به من شراك العاديّة و شِرك البداهة و التكرار. أنبياء المَلل و أبناؤه الطيبون.

   رامة…

   رامة التي صارت صلبًا أصيلًا فيه و من ثم فيّ. رُوحًا و جسدًا. لا تأتي ولا تذهب أبدًا. يشكو إلىّ فشلًا في وحدانية معها. و أنَّى له أن يتوحد مع النور الذي لا يُملك و هو الكسيف المُتخلي أبدًا. الغني بالاستغناء. هو غير أصلي في ثباته، يحاربُ طواحينَ الهواءَ بنصف قلب، و يسخر من فعله هذا بنصف قلب. الذين يحبون أصول النور لا يَحسُنُ أن يمارسوا الأشياءَ بنصف قلب. فإما أن تكون دون كيخوتة أو هانيبال ليكتر.

   رامة تلك المؤقتة كالحياة عفوية و متقلبة، تحمل عجزنا اللانهائي عن مجابهتها، و فشلنا المحتوم إزائها. لحظات السعادة الكاملة، و الحزن الجاثوميّ الجاف. المكسورة بالفقد الذي لا يُعوّض. هي من هي على كل حال، بشبقها و ازدواجيتها و احتوائها. و لا مجال هنا لإصدار الأحكام المُسبّقة. لا مجال للاستسهال. هي لن تلقي لذلك بالًا على كل حال.

   يا أيها النُّسّاك في معابد رثاء الذات، و يا عَبَدَة الاستشهاد، ألقوا إلى أسماعكم. إذا ما قابلتم راماتكم يومًا فلتفرّوا فراركم من الموت –أو إليه فهو العشيق الأزلي. فِرّوا من حياة تجهلون كيف تديرونها حول أصابعكم القصيرة غير الخبيرة، حياةً لن تأبه لكم إذا ما انقضيتم، تحرق الأرواح ببطء لذيذ و رائحة نفاذة خشنة. فرّوا من نوبات حزن يحبس الأنفاس، فرّوا من السؤال و انتظاره، من لذة اللقاءات العابرة، و فرحة القبول المؤقت، من ملل الحيرة، و سدّة الإفصاح. فرّوا إلى موتٍ بسيط الحشايا ذي نوافذ ضئيلة مفتوحة دائمًا على شمس منطفئة. و استمروا طويلًا في مضاجعات بلا ذروة، بلا صرخة خلاص واحدة.

   بلا رامة.

   أما أنا، فلن تؤذيني أكروباتي اللغوية بعد اليوم.

حبة رغي |جمع البشر و أشياء أخرى

Scream_1893

“البشر أكثر الحيوانات هَلَعًا. لنستكشف هذه الفرضية..”

كان يتحرك جيئة و ذهابا كالبعوضة، عيناه جاحظتان، تحيط بهما هالات متعددة ذات ألوان، و شعره المنحول مبعثر حول أذنيه كيفما اتفق من فرط حكه إياه. توقف بهدوء غير مألوف و رفع رأسه و معها عويناته الدقيقة عن وجهه و ردد ما قال مرة أخرى محدقا في فراغ القاعة.

ولا أقولكم؟

لأ

 حابب ارغي النهاردة.

    يهيأ إلي أن البشر أكثر الكائنات عمومًا هلعًا، لأسباب منطقية طبعًا. مخاوفنا البشرية ترتقي بسنوات ضوئية فوق مخاوف الطحالب الأولى مثلًا. ربما يكون بعض الخوف حافزًا تطوريًا معتبرًا، لا أعلم.. أظن ظنًا (لاحظ مقدار الهلع في فرضياتي الخجلى) و لكني أظن أننا جميعًا أبناء هذا الأب الرعديد الذي قرر أن يختبئ بكهف منذ آلاف السنين محتميًا من المفترسات. بعد عدة آلاف من السنين من التطور ما زلت أعتقد أن الهلع الذي يبدو منطقيًا مُكبَّلًا لإمكانيات الجنس كافة هو الملاط الذي ما زال يجعلنا قبيلة واحدة تتحرك للأمام (أي أمام، و أي حركة). ليس الطموح، ليس النظام، و ليس الحب بالتأكيد. إنه الهلع الطازج في كل مرة.

   ربما كان أكثر أعراض هلعنا المزمن طرافة و فاعلية هو هواية جمع البشر. أنت تعرف هذه الخصال الحميدة المرغوبة. من منكم لا يستطيع أن يخبر نفسه في المساء أنه –ربما يكون- أكثر أهل الأرض هشاشة و بشاشة و طيبة معشر و حسن مؤانسة؟ ربما تخيلت وجهك ينظر ببلاهة في أحد صفحات القاموس بجوار تعريف easy-going  أليس كذلك؟ إننا نقابل الناس كل يوم و نحرص بشكل مخيف على هذا الرضا المتبادل. هناك بالطبع الخوف المفهوم من مسألة أنك لو كنت حقيرًا تجاه شخص ما فأنت لا تدري أي حقارة سيقذفها باتجاهك فيما بعد. لكن ليس هذا ما أتحدث عنه.

    إننا نقف عاجزين تمامًا و ربما نهائيًا عن التخلي بوجه عام. صرنا –أو ربما هكذا كنا دومًا- نحيط أنفسنا بمجموعات رائعة من الناس المنتقاة ، و نملأ خزائننا بعدد لا نهائي من الهياكل العظمية و الأشباح العتيقة، في علاقات بلا ديناميكية حقيقية، فاترة، بين بين، على مسافة واحدة. ربما كان هلعنا من المجهول هو سبب هذا العجز المزمن.. أنتِ لا تتخيلين نفسك مثلا مطلقة مغتربة و أما لطفلين مدللين أحدهما مريض مرضًا مزمنا و عليكِ أن تقودين هذه القبيلة الصغيرة وحدك تمامًا. و أنت لا تتخيل نفسك في الستين و قد فقدت معظم أسنانك لداء البول السكري و قد أوشكت على أن تفقد إحدى ساقيك بينما أبناؤك منشغلين بأحفادك و ربما كان أحدهم متورطًا بقضية جنائية ما. أنت لا تريد أن تتخيل سيناريوهات كتلك و تظن أن احتفاظك بالناس حولك بانتظام سيفعل شيئَا لدفع قصص الرعب الحقيقية تلك.

    و ربما هو الهلع من الفقد. أن نفتقد شيئًا مميزًا و عميقًا و رائعًا ربما يأتي به هذا أو ذاك. ربما كان هذا هو شخصي المفضل و لكني لا أعلم بعد. ربما كان هذا توأم روحي و لكن ستضح الأمور رويدًا رويدًا. و هكذا نستمر في الجمع و الالتقاط إلى حد الـhoarding ببساطة لأننا لا نعلم، و نخشى أننا لا نعلم و لن نعلم ما قد نفقد إذا ما التفتنا. هلع!

    و السخرية من هذا كله هو عين الهلع. الساخرون عمومًا أكثر الناس رعبًا. السخرية عين العجز عن التغيير. أظن أن الساخر يسخر ليقوم غيره بالفعل، تمامًا كما يستمر الأطفال بالبكاء حتى تستجيب لمطالبهم.

    أظن- و إن بعض الظن لإثمٌ عظيم- أننا خائفون كلنا و جميعنا و ما شئت من أدوات التوكيد. و أنه لا زوال لذلك. و أننا سنتخذ قرارت (حماقات) الحياة على الرغم من ذلك… ببساطة لأن كل السيناريوهات التي قد تنتج عنها ستؤدي حتمًا إلى الموت.

———————————————————————–

Published at the risk of alienating –almost- everyone.

شقوق

crr

“أنت لا تحب الحياة بما يكفي”

   قالها لي بهدوء لا يخلو من استنكار عطوف دون أن يرفع ناظريه إليّ. كان منهمكًا يضفر أعواد القصيب الدقيق بدأب ليصنع سلة أخرى. تأملت أصابعه الغليظة القصيرة و تعجبت من رشاقتها حول الأعواد. عدت أهز رأسي لا مباليًا و اتوارى خلف رشفات بطيئة من كوب شاي رديء. يحبونني أكثر كلما ازددتُ صمتًا لسبب لا يعلمه إلا الله.

   ثنية أخرى، ها هو العود يلتف. هناك ما يكفي من النور ليعشي أبصار قبيلة من أمثالي من معتادي الغرف المظلمة و الأضواء المصتنعة. توقف عن العمل بغتة و رمقني بفراغ صبر يلومني لطول صمتي.

  • “ماذا تريدني أن أقول؟ لا أحد يحب الحياة حقًا. لا أنا ولا أنت. ربما تحب انطباعك المبدئي عما يجري. ذكرياتك عن أشخاص بعينهم. لو أردت حقًا فالحياة مغرية بالبصاق أكثر من أي شيء آخر”
  • “الله يقرفك!”

   ابتسمتُ بسذاجة و عدت اتوارى في شرودي بينما أنشأ هو يحكي أشياء عن البصاق و أطفال هذه الأيام الملاعين. أذكر تمامًا رائحة الهواء الرطب في هذا اليوم من أيام آب الذي لا ينتهي أبدًا..  شهر بعمر الآلهة نفسها و بازدواجيتهم أيضًا. لم يكن يعلم يومها أنه لا اتقانه لصنع السلال ولا بياض بشرته الناصع أو انفه المعتد دائما كوحوش بلاد فارس سيشفعون له فيم تخبئه الأقدار. سيسافر صديقي إلى بلد عربي مترهل، و هناك سيترهل كل شيء. سيترهل إحساسه، و رشاقة أصابعه، و حبه لامرأته. ستترهل امرأته نفسها.. ابنة الرجل الطيب ستصبح فارغة إلا من الشحم و النميمة و عتامة قرنية ستجعل نظراتها إليه كل ليلة قابضة للأرواح. سيعود بعد عقدين أو أكثر، سينهمك في بناء دار جديدة، و سينخرط في علاقات سياسية مترهلة. ربما تزوج عرفيًا.. هذا الجزء بالذات حزرته و لم يخبرني به. سيموت في حادث عجيب بشرفة شقته ببورسعيد بينما تستمر أم كلثوم في الخوف من الغد و اللقاء.

   استوقفني باهتمام متسائلًا عن رواية الخيميائي و إذا ما كنت قد قرأتها.

   أطلقت ضحكة عابثة و أخبرته أنني قد فعلت و أنني ربما أخبره يومًا ما عن ذلك. لم أخبره أبدًا أني أتممتها في حجرة متشققة الملاط في صحراء سيناء و أنا بعد في مغرب العشرينات. كنا ثلاثة رهط استوقفتنا نبوءة الأسطورة الذاتية. ربما كنت أقلهم إيمانًا، إلا أن أساطير كل منا صارت مرويَّات بعدئذ. لقد كان هذا هيستيريًا؛ نصف ثورة، و الكثير من الحقن الشرجية و أنابيب التغذية المَعِدية، و أعضاء مبتورة و أخرى عاجزة و ما زالت ذكرى تواترنا على تلك الأعجوبة الأدبية تلهب الضحك حتى الدموع. أخبرته أنني ما زلت اعتقد أن كويليو وغدٌ متحذلقٌ و أن أسطورته الذاتية لا تختلف كثيرًا عن إل. رون هابارد. اختار أن يكون مبشرًا بديانة فلسفة بطاقات المعايدة الرديئة… يا له من مصير.

   عاد يطوي الأعواد بدأب و هو يغمغم. اتأمل الشقوق الدقيقة في سلته الصغيرة و الضوء المنبعث من بين ثنياتها. أذكر الضوء جيدًا. لهذا خلق الله الشقوق. لهذا أرسل الله من يشقون الشقوق بعاصفيتهم الغير محسوبة… لعل الضوء ينفذ. من أجل وحش الحياة المغلوب على أمره شَقُّوا شقوقهم في دروعنا الواهنة ليحرقنا ضوء الوحش المسكين.

فلنحترق بوهج لائقِ إذن.

يُصر أن ندخن الحشيشة سويًا يومًا ما. يقول أنني بالتأكيد سأكون رائعًا و أنا منتشٍ بالمخدر. أوافقه الرأي. نقرع أكواب الشاي بسذاجة و نضحك.

بعمق قدح قهوة

coffee

   المألوفات التي ترقد في قاع قدح القهوة ترمقنني في دَعَة. أنت لا تحتاجين أن تسبري أغوار الأرض لتجدي أصدقاء أكثر ولاءً. يكفي ان تخدشي وجه قدح مسطح و تتركي الأشياء تهطل لقاعه الضحل في تؤدة و يقين.

   الأمواج الضحلة في القاع تغمر المرار و السواد و الرائحة التي باتت لاعتيادها زكية، و تبتلعني كاملًا في طيَّاتها. استغراقي الذي لا يقطعه قاطع في قاع القدح يمنحني مظهرًا مرعبًا لأغلب الناس و مثيرًا لشفقتك. أشعر بنظرتك تتكور حانية على مؤخرة عنقي و تنتصب شعيراتي شيئًا فشيئًا.

   أرفع عيني إليك مقاطعًا ما تستتبعه نظرتك تلك من تحقيق و استقصاء. اتأملك بتروٍّ. و أظنني ما زلت أنظر في قاع قدح القهوة. سهلة مثله، قريبة، داكنة، و تحملين لي مَرارًا لا أجرؤ أن أدعه. حتى الثمالة ها أنا اهوي… سيؤلم هذا حتمًا.

   دعيني أخبرك أنني خبرتُ أشياءَ قبلًا، و أنه لا تجربة تستحق الخوض حقًا ما لم تأت إليك بسهولة قدح قهوة. انت لا تخوضين غمارًا عندئذ، بل تشملك الأحداث و المشاعر فتحملك أو تغرقك بلا أدنى محاولة. و أنه عندها فقط تصبح حيًّا كما ينبغي. الحياة لا تحدث و أنت تخمشن الجدران الحجرية بأظافر متآكلة آملا في شق نور. هناك الكثير من شباب الإغريق يرقدون في قعر كهف كهذا.

   تنتزعين القدح من يدي بحنان أم، و تربتين على كتفي

  • “هاعملك شاي و ساندويتش”
  • “لا اعمليلي قهوة.. “
  • “تاني؟” تقولينها بحزن عميق لا يتناسب مع الموقف إطلاقًا و يبعث على الابتسام المضطر من فرط مبالغته.

   أغمض عيني و تتسلل إلى خياشيمي رائحتك مرة أخرى، و ابتسم.

—–

8 تموز 2015

“والقهوة يجب أن يقدّمها لك شخصٌ ما. القهوةُ كالوَرْد، فالورد يقدّمه لك سِواك، ولا أحدَ يقدّم ورداً لنفسه. وإن أعددتها لنفسك فأنت لحظتها في عزلة حرة بلا عاشق أو عزيز، غريبٌ في مكانك. وإن كان هذا اختياراً فأنت تدفع ثمن حريتك، وإن كان اضطراراً فأنت في حاجةٍ إلى جرس الباب.” — مريد البرغوثي

مشاعر الرب

DSC_0468~4

العزيزة رضوى…

كيف ينظر الرّب إلى تراجيدياتنا  السخيفة؟ هل يُضجره انهماكُنا في حزن يعلم أنه مُبَدِّله؟ هل يستاء من خياناتنا الواضحة إذ نتبدل بلا حرج؟ هل يحنقه ارتباكنا و قلة حيلتنا إذ نعمى و يرى؟ إننا ولا شك كائنات بغيضة. لا تطيق شدّة الشعور، ولا تفي له، ولا تنظر فترى.

أصبحت مشغولًا بمشاعر الرب مؤخرًا يا رضوى. إنه لأمر مرهق. هل أنا متحرّج منه حقًا؟ أم أني غاضب من عدم اتساقي كخرقة بالية؟ لابد و أنه قد مَلً منا اليوم، و أن هذا الشعور اللانهائي بالضجر الذي صار يملأ الكون مؤخرًا ما هو إلا ظل شعوره. و ربما هكذا أراد إنهاء العالم… بالضجر الذي لا فَرَج منه.

أنا أحمد الله أن لم يجعلني إلها لهذا الكوكب. كنت لأُنزل سفرًا مقدسًا مكدسًا بالسباب لأهله و أجبرهم أن يتلونه آناء الليل و أطراف النهار.

المزيد من يوم الخميس… لاشك أن هذا يروقك كثيرًا، أليس كذلك؟

أتذكرين هذا الغرور الذي كنت أحسن ارتداءه درعًا لأحيا بين المسوخ بلا خدوش؟ صار ثقيلًا معطوبًا. و صار عبئًا قبيحًا لا أريده، ولا أجد بديلًا عنه. ربما حياة المتصوّفة. سيكون ترك كل شيء جانبًا فَرجًا مرحبًا به تمامًا. إنك لا تتخيلين ثقل الدنيا هنا اليوم.

رأيتني أحمل ركبتي طفل سمين على عاتقي و أنا و أنت على طريق سفر مصفَرًّ. كلما نظرت إلى ما أحمل فوق رأسي ضحكت مني و أطعمتني شيئًا للطريق. ما بال ذلك؟

سيأتي يوم لن أذكر قصاصتي هذه و لن أذكرك. أليس هذا سببًا كافيا لننتهي قبل أن نبدأ؟ أتحسس الندبات القديمة بأنامل خشنة و اتعجب من هول اللا حِس.

أكتبي لي شيئًا عن كائنات نورانية ترافقك، و عن خيول و حقول و شيء من شمس قليل. و اسألي ربي عني… و اشفعي لعله يرضى.  ولا تخبريه بأمر رسالتي هذه.

ثلاثون ثانية حتى الحلم

B46mflGCAAAzlSU

2:32:12 ص

أفتح عيني في وَهَن. ينشق ظلام الرؤية بخيطي نور يلتحمان سريعًا. أطالع الجملة مرة أخرى، و أنظر أمامي. تهتز بي العربة بإيقاع حياتيٍّ رتيب و يتذبذب صوت عجلات القطار متتابعًا. هناك طنين ممل ينبعث من مصباح العربة اليتيم الذي يقاتل بين الفينة و الأخرى فيرتعش نوره و يخبو ثم يضيء بحياء خائبي الأمل إذ يطلبونه.

تجلس قبالتي تمامًا و تتطلع عبر النافذة المظلمة لما لن أراه. ينسدل عنقها في دَعَة بين دفتي ياقة بيضاء عانت الكثير هذا النهار على ما يبدو. أطيل النظر كما لا ينبغي. أرى سربًا صغيرًا من النحل يسري بين رأسها و منبت النهدين. يعبر قطار بجوارنا ليفزّع النحل أشتاتًا.

تشعل سيجارة و تختفي خلف ستار من الدخان الأبيض.

تختفي…

أطبق جفني بقوة على أسود مريح.

2:32:22 ص

العزيزة رضوى…

ينتهي الجسر فيبدأ الطريق يا رضوى. ما بال هذه النهايات التي لا تُنهي شيئًا حقا؟ إننا لا ننتهي من أحد.. ولا من شيء.. ولا تنتهي منا الأشياء أيضًا. كنت أعلم أنك سترحلين بغتة كعادة من يهطلون علي بغتة. و كنت أتمثل اليوم قبل أن يأتي فلا أُبهًت. كنت أفكر لنفسي أنه يومها يجب أن ينتهي كل شيء.

و لكننا حلاليف يا رضوى. حلاليف نستمر في التنفس و التقلص و الانهماك في الحياة بغلظة. لا ينهكنا الفقد كما ينبغي، ولا يَبري منا غير غلالات روح لم تعد تليق بنا على أية حال، و لم تقِنا برد الأشياء قبلًا.

2:32:27 ص

” و لكنك ما زلت طفلاً تأبى الاعتراف بأنها النهاية”

2:32:33 ص

يتهادى القطار شيئًا فشيئًا فتتسارع دقات قلبي و كأن شيئا على وشك أن يحدث. تنظر إلى ثم إلى الباب، ثم تقبض على حقيبتها القماشية بتحفز و تهُم. و أهم أنا بقول شيء ما لا أفقهه. هناك يعسوب أخضر يداعب أصابعي الباردة. يتوقف القطار بغتة و تنهض مسرعة. أنتوي اللحاق بها و لكن الأرض ملأى بالثعابين و هناك هوّة.. و هناك أنت.

الله ينظر.

ساقاي ثقيلتان…

2:23:40ص

تقف بجوار الباب ولا تهبط. تتعلق بعامود معدني بيدها و تظل مولية ظهرها إلي. و يتحرك القطار بتؤدة.

الباب يغمره ضوء أزرق بارد…

2:23:42 ص

2:23:43 ص

2:23:44 ص

—-

picture by the talented @

23 ديسمبر 2014:

“الحياة في نهاية المطاف تغلب، وإن بدا غير ذلك،  والبشر راشدون مهما ارتبكوا أو اضطربوا أو تعثرت خطواتهم والنهايات ليست نهايات، لأنها تتشابك ببدايات جديدة ..”– أثقل من رضوى