سِنَة

-3-

كانت السماء تنسكب على الأفق المالح في دَعةٍ و سيولة ذات خرير خافت غليظ في نهار هذا اليوم من أيام نيسان الوديع. سرنا نتطوح من أثر ريحٍ ثرثارة لعوب تدفعنا دفعًا للالتصاق ببعضنا البعض بخبث دؤوب. كنت مأخوذًا بآثار انغراس قدميها الصغيرتين بالرمال الساخنة لم تزل، ترسم أحاجي طفليّة في كل خطوة عثراء و هي تتشبث بذراعي ضاحكة أحيانًا و شاردةً أحيانًا أخرى، كنت منشغلًا تماما بالرسم عن انصهار قرص الشمس و الظلال الرمادية التي أحاطتنا بلا اكتراث، و هدر الموج المتتابع عن يميني، و عصف نفسي، و زخّات النظرات التي حدّست أنها تهطل علينا من أركان غير موجودة في هذا الفضاء الفسيح.

تداعينا على الكراسي البلاستيكية البيضاء في كنف ثنية الشاطئ المحتشد بكل شيء عدا البشر. مددت عنقي بألفة و طرحت رأسي الثقيل المثقل الذي يفسد كل شيء على كتفها الضيق فاتسع له. و حركت عيني متسلقًا عنقها الفسيح النابض حتى أعلى ذقنها لتربت عليهما ابتسامة مكتظة، فأزحتهما إلى الأفق و صرت أحكي بشغف.

تابعت مثابرة الموج الحثيث و خيبته السيزيفية الأزلية الانكسار، و حكيت انطباعي عنه دون أن أنظر حقًا. حكيت عن حب الطفولة. عن طفلة نحيلة باهتة كالثلج منحرفة العينين، معقوصة الشعر الجاف بلا هم، تجلس في مقدمة الصف الأوسط دائما بجوار توأمها الغير متماثل لتجيب عن كل اسئلة العالم بعينين متسعتين و غمازتين لا تكلًان عن إرهاق أنفاسي المبهورة دائمًا، عن رعشة كفي إذ يحتضن كفها الطفلة في طابور الصباح، و طرفتها التي ما زلت أذكر عن محادثات رابين.

كنت اقص عن مدرس الرياضيات فارع الطول ذي الشارب القصير و المدير الذي يبدو لأول وهلة كحرف الآر الكبيرة بالانجليزية لعظم كرشه و هي تحتضن ذراعي كاملًا إلى صدرها و تعتصر كفي بقوة أقرب إلى العنف الشهواني، كشفتين يافعتين تعتصران قطرات الحياة من نهد كليل. صارت أصابعي تغوص بعمق بين ثناياها، تدور و تركن و لا تفر. و رأسي الثقيل الذي يفسد كل شيء لم يزل يفسد هندامها و يداعب قاعدة عنقها باهتمام. و الهواء الخفيف يملأ صدري و يغادره مكدسًا بكل ما لا أقول. تستمع بحفاوة أمومية و تعبث بمقدمة شعري، و تروي أشياء ولا تحكي ما تريد كل الوقت.

عيناها البنيتان اللتان تتسعان لكل شيء تعلمان. تعلمان أكثر من اللازم. ولا تتوقفان عن الطلب، عن البذل، و لا عن الهدر الموَبِّخ لخواء روحي. أطبق عيني بضعف غير مقصود و تأخذني سِنَة من الخِدر.

و أراني، بركن فراش قديم متكوّرًا، و النور البارد ينفذ من طيّات أغطية النافذة الكالحة، و يتبدد قبل أن يطأ أي شيء بالغرفة الضيقة، تمامًا كأحلامي الضالة. اتحرك برتابة منحنيًا على نفسي مع إيقاع المُكيّف المهترئ، و أدعو، و أنشج، و اتوَفّز بلا نهاية. أتحسس ضلوعي بشكل قهري و أبحث عن نبضي و تختنق في حلقي صرخة لا تنبجس. أحادي الأبعاد، بلا ظل، ولا صوت. نقطة في الأبدية الرمادية. نقطة لا تجد حدودها.

و ينهار تحتي الفراش و أهوي طبقات من الصمت المكدس. ثم تأتي الطرقات، تدور و تضيق و تتسع و تنحني على نفسها ولا تنتهي أبدًا، بلا خيار واحد، تلقيني لبعضها بسلاسة و عجرفة. و أجدني أحمل طفلة سمينة ضاحكة تحذرني من الشيطان حول المنعطف القادم. و أطالعه و ينظر في روحي و يطأها بعينيه وطء المجتهد لسِنّه و سمعته. و أشهق متلمظًا و أدفع بلا دفاع.

تنفتح عيني على شلال ساخن من الأنفاس الملتهبة تضرب وجنتي و أعلى أنفي. تُجيل شفتيها بلا احتراز فوقي كأنها تتنزه، و تنتظر بلا انتظار. و الشمس قد غاصت محترقة في الأبد، و هواء الليل أقل حدة و أكثر عطفًا، يحمل من الشتاء الماضي علامة لا تنكر، مثلي تمامًا.


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s