مَرثيّة الأب الأخير

dude

لا بأس عليكم من التحرر من الأشياء القديمة.

السيد أحمد خالد توفيق عراب جيل كامل من ذوي العوينات المقعرة و ما يصاحبها و يستلزمها من أزياء و قناعات. اعتاد السيد توفيق أن يسوق منهجًا فلسفيًا متصلًا في جُلَّ اعماله ظاهره الواقعية القحة. السيد توفيق أحد اكاديميي جامعته اللطيفة بأحد أكثر أقساما لطفًا سيحدثنا كثيرًا و على مدار ربع قرن عن البؤس، و التصنع، و هزلية الأشياء. السخرية في مجمل كتابات السيد توفيق ليست أصلًا ولا روحًا. سخرية السيد توفيق غشاء سميك.

كأي سخرية على كل حال. الساخرون يعلمون ما أقول الآن. السخرية أغشية سميكة نتقي بها فحص الفاحصين.

في قلب تشبيهات السيد توفيق و أحداث أقاصيصه يرقد كائن صغير جَزِعٌ تمامًا، مريض جدًا، محتضرٌ دائمًا، و لا يمكن طمأنته أبدًا. كائن يرى الحياة و أحداثها محض انطباع. و أن الطريق لاجتيازها و خوض غمارها هو أن نرتدي أكياسًا بلاستيكية سميكة تغطي كل حاسة. لإن كل ما يرد و ما سوف يرد ليس إلا ادعاء. الفرح و الحزن و الحب و الصحبة ادعاءات تخفي إما شهوة أو هلعًا و على الإنسان الحكيم ألا يغتر بتجربتها و الامتزاج بها. الغوغاء فقط هم من ينخرطون في مثل تلك الأمور غير القابلة للتصديق.

الأمر الآخر و الذي قد يبدو مزعجًا للسيد توفيق نفسه أكثر منا نحن الأتباع و المريدين أن السيد توفيق يستمر بلا انقطاع في إعادة بث نفس الرسالة المسجلة بقوالب حتى لم تعد مبتكرة. المسألة أصبحت كالعديد بالمآتم… نفس الرسالة الرثائية تتكرر بلا انقطاع عن نهاية العالم و فشل الإنسان و عدم الجدوى. و بينما نحن نقص شراييننا باجتهاد سيغير السيد توفيق سيارته ربما بعد أن تنتهي اقساطها و يدخن علبة سجائر أخرى ليسد المزيد من شرايينه التاجية المتخمة و يحدث من تبقى منا عن عزوفه عن مواقع التواصل الاجتماعي و عدم استساغته للغة السائدة في أيامنا.

إن المتفائلين الذين يقيئون نور الشمس الساطع على جميع الأحداث و الأحوال، و المتصوفة الذين يتقمصون أعتى حالات “الزِّن” و الرضا عن الأشياء و ما آلت إليه و ما سوف تؤول أيضًا لا يعيشون عبر الدنيا ببشرية كاملة. ولا يمثلون بديلًا عن منهج السيد توفيق المثالي التعددي. لماذا تقضي البشرية نحبها في محاولات مضنية لنحت الطبائع و المشاعر الإنسانية و صبها في قوالب معيبة؟

ربما لا يكون هناك ما يدعى قوالب معيبة على أية حال.

لإن كل شيء هنا عابر كخيوط الغروب المتكررة بلا تناسخ، لنتفق ضمنيًا أن نحيا بالكامل بلا احتراز. لنتفق –أنا و أنت- أن نمارس الأحداث و الأحوال حال مرورها الذي نعلم أنه لا يطول بكل الجدية اللازمة، و بكل القلب الواعي. لنحب و نفرح و نحزن و نغضب و نثور و ننقطع بلا احتياطات. ثم إذا ما انتهى منا الحب أو الفرح أو الحزن و الغضب و الثورة و الانقطاع، إذا ما انتهى منا أحدها أو كلها، لنلقي ذلك كله جانبًا و لنستمر. لنتفق أن نفرغ أكياسنا البلاستيكية بانتظام و ود، و ألا نصبح مجاذيب نطيل الشعر و الفترات بين الاستحمام و نحن نجر اكياسًا ضخمة مهترئة تطفح بالماضي. لنضع عنا إصرنا و الأغلال التي في أعناقنا.

و لهذا اليتم الفكري الأخير.. لنحزن قليلًا ثم لنسترح.

السيد توفيق… لقد كانت رحلة طيبة.

البقاء لله.


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s