حرف الحاء

حيل

بماذا يشعر الأعاجم عندما يسمعون حرف الحاء في لغتنا؟

تحيرني تلك اللحظات التي أتمثل فيها ما يشعر به الآخرون. محاولات حمقاء لفتى مراهق يرتدي قفازات ضخمة تخفي نعومة يدين يافعتين.

لا شك أنهم يخالونه طٌرفَة ما. صوت غير ذي مغزى كمناغاة الأطفال. أي إنسان عاقل يفتح حلقه على هذا النحو ليتحدث؟ إن لم يكن خرَق و نزَق مراهقين فهو بلا شك محض ادعاء… “لعلهم يتمثلون قبائل قديمة أو يحاكون حيوانات سفلى.  هذا لا يعني شيئًا ولا يمكن أن يعني شيئًا لأحدٍ على الإطلاق، و لهذا قمنا نحن بحذفه من قواميس لغتنا.. لإنه غير حقيقي ولا يعني شيئًا لأحد” هكذا يشعرون.

هذا النوع من الذكاء البراجماتي المفرط الذي إن مددته على استقامته انتهينا لعوالم مجردة تشبه كاكوتوبيا أورويل و هاكسلي. أنا ماهرٌ في تتبع هذا الخيط من الأفكار المجردة إلى أصولها و نهايتها الاحتفالية. يبدو هذا كمنطق الذين يجردون الحب و الثورة إلى عناصر أولية من الرغبة و النرجسية.

هذه العقول التي لم تُنَشَّأ في مياه الاحتمالية و الفرص قادرة على بتر كل حِلية. يمكنهم أن يسردوا لك عشرين تعريفًا معجميًا للحب و درجاته و آثاره. لكنهم لن يعرفوا أبدًا ماذا يعني أن تحب. أن تنظر إلى خصال و تفاصيل أحدهم فلا يغمرك إلا شعور كامل بالرحمة و الاستمتاع. و أن يصبح الثُّكل حرفيًا و معجميًا حين الفراق. أن تتبين أخيرًا بعد عمرٍ طويل من السخرية الشاملة على نحو لا يجعل لك من سبيل عليها لمَ قد يدعو أحدهم أحدًا “يا صغيرتي”. تلك الرحمة الحارّة التي تشق العروق. أن يتشرب أحدهم الآخر حتى آخر قطرة في كل ثنية نفس حتى يصبح قَبرَ كل شيء بلحدٍ سحيقٍ أهون من انتزاعه.

أي إنسان عاقل يفتح حلقه على هذا النحو ليتحدث؟

الثورة أيضًا فعلٌ يغيب عنه كلُ حفظٍ للنفس. و لربما كان غياب ذلك الذكاء البراجماتي المفرط عن الحب و الثورة سبب فشلهما الدائم و درامية/كوميدية نهايتهما الحتمية. هذا الإفراط في بذل النفس كأن ذلك يغير شيئًا لابد و أن يهوي محترقًا بلهبٍ يناسب أسطورته الذاتية.

إلا أنه يغير بعد كل شيء.

سيصبح كل شيء مختلفًا بعد الحب أو الثورة أو انتهائهما.

الحب و الثورة يغيران العالم قلبًا مكسورًا بعد قلبٍ مكسور. يخلقان حيزًا ضئيلًا للنور الدافئ في هذا العالم جدرانه من شظايا الأرواح المهلهلة. و يجعلان لنا كفصيلة حيوانية حافزًا تطوريًا ما للبقاء. بيولوجيًا الحب و الثورة خير و أبقى.

أي إنسان عاقل يفتح حلقه على هذا النحو ليتحدث؟

لا تَدَعوا الإنسان العاقل يحكم هذا العالم. مُدوا مفاصل القلوب المصابة كيفما اتفق. لعل الحيز يتسع لنا يومًا.


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s