هواءٌ باردٌ لطيف

5454154_G

أخذ الهواء يداعب برقةٍ طرف ياقة قميصه الأسود المنقوش و خصلات شعره المجدول فوق ظهره العريض. كان يجلس القرفصاء على سفح تل حجري في راحة ربة منزل فوق أريكتها. يُجيل وجهه المثلث الداكن ذي القاعدة العريضة حول عينيه الضيقتين و الأنف الأفطس الكبير المحاط بندب متعددة و يتنشق الهواء كجرو حديث العهد بفنون التتبع. يطيل النظر إلى السماء كأنه بانتظار أمرٍ ما.

كنت اجلس خلفه قليلًا أقلب النار بصمت لا يقطعه سوى قرقعة الأعواد الجافة و هي تحترق. قرقعة أخرى و أنا أصب شايًا ثقيلا في أكوابٍ صغيرة. اقتربت منه و مددت يدي بالكوب، فالتقطه بلا تكلف دون أن ينظر إلي.

صاحبي لا يتحدث إطلاقًا. يُخيل إلي أنني قد أموت رعبًا لو أنه أجابني يومًا. سيكون هذا من قبيل:

  • “يا رب
  • يا نعم
  • …!”

صاحبي يشير و يُومِئ، و له حس دعابة لا يُنكر.

أنا لا أتبين الأصوات برأسه، و لكني لا أمَلّ من وَخزِه و تحزير ما يجول به طوال الوقت. قلت له أنني لا آمنه، ولا أمل رفقته. عيناه الضيقتان دائمتا الابتسام، كأنما تسخران من عيب في وجهي. من دوافعي للحياة. من فضولي الذي لا يكف عني ولا عنه.

قلت له  البارحة أنه لدي حُجة عظيمة ضد نظرية التطور و النشوء.

التفت إلي ببطء. له حاجبين لا تكاد تميزهما.من فرط الدقة، رفعهما و انتظر.

قلت له “توفيق عكاشة” و ضحكت. فصمت و لم يومئ. قلت له أنت فعلت هذا أليس كذلك؟ هذا لا يمكن أن يكون تطورًا طبيعيًا للأحداث. ليس من المفروض أن نستمر كجنس كامل على هذا الكوكب بهذه العاهات. هذا ينافي التطور بالكلية. هذا الوضع مصنوع بالكلية.

أشاح بوجه و عاد ينظر إلى السماء.

هب هواءٌ باردٌ لطيف…

رفعت رأسي أحاكيه في حيوانية بريئة.

عبر منضدة في مطعم في شارع الكورنيش عينان داكنتان تطالعني في ترقب. تضيف رشات من الملح لصحن نصف ممتلئ و تنتظر بفراغ صبر حماقتي التالية. ينحدر نور الشتاء البارد عن وجهها في سيولة، و كأنه الشيء الوحيد المستحق للإضاءة في هذا المكان الضيق. أنظر إليه خلف كتفها الصغير، يجلس موليًا لي ظهره بلا اكتراث على منضدة مجاورة. أرفع صوتي بالحديث. أحدثها عن الأدب، و ينحدر مني الحديث إلى قلته –قلة الحديث أو الأدب أيهما أقرب.

ترش الملح في صمت.

 و يهب هواءٌ باردٌ لطيف.

و أمد رأسي، و أجد ريحها، خشبيًا ثقيلًا، و نظيفًا.

في أول الشارع أخطو منشغلًا بغيابه عني. أنظر إلى موضع قدمي بغضب مكتوم. أرفع رأسي، يطالعني وجه متوردٌ لشاب بالغ الطول لا يلبث أن يشيح بوجهه إلى هاتفه. يخطو خطوتين، يتخشب جذعه كليّا، ثم يهوي عاضًّا الرصيف بقواطعه.. بين قدمي تمامًا. تستمر التشنجات لدقائق عدة. أكتم دمه بكفي و أنا أحتضن رأسه الكبير إلى حد مضحك. يمتقع وجهي بشكل ملحوظ و يبدو الأمر بلا نهاية.

ثم ينتهي كل شيء

و يهب هواءٌ باردٌ لطيف.

يجفف عرقي البارد، و دمعة واحدة على خدي الأيسر.

ألتقط حجرًا خفيفًا من بين قدمي و أنظر إلى صاحبي المستغرق في سطح الجدول المار أسفلنا. أطيح بالحجر بخرقٍ شهير فأنا أفشل أهل الأرض في إلقاء الأشياء. ينظر إلي ثم إلى الحجر المستقر بقاع الجدول. أسأله متى ألقي كما يلقي الناس؟ و لِمَ يتوجب علي أن أحمل كل هؤلاء في طيَّات اللاوعي؟ صرت مُكررًا يا أبت.

بلا كلمة واحدة و كأنه ملّ التكرار نهض و انصرف منحدرًا إلى أسفل التل. دون أن ينظر خلفه.

و هب هواء .. باردٌ.. لطيف.

حملني معه.


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s