الفرار من رامة

escape

   ما الذي قد يشعر به المرء الأبدي الوحدة بصحراء خشنة الروح عندما تقع عينيه على صفحة ماء ناصعة لأول مرة فيرى فيها وجهه المتغصن الغريب؟ ما الذي قد يشعر به يتيمو الموائد إذا ما أتاهم ذلك الجد الغائب، الأصل الراسخ الذي لم يحلموا به من قبل يخبرهم أنهم ليسوا وحيدين كل تلك الوحدة بعد كل شيء؟ ما الذي يأتي بعد عدم التصديق المبدئي و غرابة العالم اللحظية؟ و هل نريد أن نعرف حقًا؟ هل نريد أن نعرف هذه الفرحة الهَلِعَة؟ هذا اليقين المرعب؟ إننا نتمنى ولا نريد. نرنو بخشية ولا تمتد أيدينا المرتعشة إلى حُجُبٍ رقيقة لا تقي من نور الحق إذ يسطع.

   أتذكر تمامًا تلك اللحظات الأولى التي تسرب فيها إلىّ إدوار الخراط. لا أظنني سأنسى- و أنا النّسِيّ- تلك الحروف الأنثوية المتكسرة تروي عَليّ بِبَحّة لدنة محببة ذات عمق صنوبري أقصوصة جَروٍ مُحبِّ يلقى مصير المحبين المعتاد، و هي لا تطيق أن تُكمل و أنا ينتصب شعر عنقي الواحدة تلو الأخرى في خشوع. نفس الإغراق في الوصف المُرَكَّب، و الاعتداد الذي يكاد يجاوز الصلف بمعرفة فلسفية أو قُل سفسطة ولدانية ما. رغبته في ألا يقر بشيء و ألا يتبنى رأيًا. تردده الحاسم للجدل الذي تخطؤه كل عين ولا يخفى علي. أعرفه. أعرفه تمامًا كما أعرف أبي. كما أعرف مضجعي و وسادتي. أعرف شقوق نفسه و أرق أنفاسه ليلًا. و أعرف إغراقه في الحياة و احتقاره لرثاء الذات و إن أدمنه. كان ذلك بشعًا و رائعًا تمامًا كالتماع شريط محترق من الماغنيسيوم.

   في مرثية ذاتٍ طويلة -ليس بما يكفي على كل حال- يحكي لي قصة لقائه بالآلهة. تعرفون تلك الأرواح التي لها أعراف نورانية حالكة كأعراف دِيَكةٍ متوحشة، تلك الأرواح التي لا تدري هل هي مقبلة أم مدبرة، هل تعني حقًا ما تقول، هل آخذها حين المواتاة أم أحجم خشية الهجر و التبدل. أرواح لا تشبع، ذات طبقات و سرايا، لها من الدهاليز ما أنشأته قديمًا و طويلًا تحتمي به من شراك العاديّة و شِرك البداهة و التكرار. أنبياء المَلل و أبناؤه الطيبون.

   رامة…

   رامة التي صارت صلبًا أصيلًا فيه و من ثم فيّ. رُوحًا و جسدًا. لا تأتي ولا تذهب أبدًا. يشكو إلىّ فشلًا في وحدانية معها. و أنَّى له أن يتوحد مع النور الذي لا يُملك و هو الكسيف المُتخلي أبدًا. الغني بالاستغناء. هو غير أصلي في ثباته، يحاربُ طواحينَ الهواءَ بنصف قلب، و يسخر من فعله هذا بنصف قلب. الذين يحبون أصول النور لا يَحسُنُ أن يمارسوا الأشياءَ بنصف قلب. فإما أن تكون دون كيخوتة أو هانيبال ليكتر.

   رامة تلك المؤقتة كالحياة عفوية و متقلبة، تحمل عجزنا اللانهائي عن مجابهتها، و فشلنا المحتوم إزائها. لحظات السعادة الكاملة، و الحزن الجاثوميّ الجاف. المكسورة بالفقد الذي لا يُعوّض. هي من هي على كل حال، بشبقها و ازدواجيتها و احتوائها. و لا مجال هنا لإصدار الأحكام المُسبّقة. لا مجال للاستسهال. هي لن تلقي لذلك بالًا على كل حال.

   يا أيها النُّسّاك في معابد رثاء الذات، و يا عَبَدَة الاستشهاد، ألقوا إلى أسماعكم. إذا ما قابلتم راماتكم يومًا فلتفرّوا فراركم من الموت –أو إليه فهو العشيق الأزلي. فِرّوا من حياة تجهلون كيف تديرونها حول أصابعكم القصيرة غير الخبيرة، حياةً لن تأبه لكم إذا ما انقضيتم، تحرق الأرواح ببطء لذيذ و رائحة نفاذة خشنة. فرّوا من نوبات حزن يحبس الأنفاس، فرّوا من السؤال و انتظاره، من لذة اللقاءات العابرة، و فرحة القبول المؤقت، من ملل الحيرة، و سدّة الإفصاح. فرّوا إلى موتٍ بسيط الحشايا ذي نوافذ ضئيلة مفتوحة دائمًا على شمس منطفئة. و استمروا طويلًا في مضاجعات بلا ذروة، بلا صرخة خلاص واحدة.

   بلا رامة.

   أما أنا، فلن تؤذيني أكروباتي اللغوية بعد اليوم.


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s