حبة رغي |جمع البشر و أشياء أخرى

Scream_1893

“البشر أكثر الحيوانات هَلَعًا. لنستكشف هذه الفرضية..”

كان يتحرك جيئة و ذهابا كالبعوضة، عيناه جاحظتان، تحيط بهما هالات متعددة ذات ألوان، و شعره المنحول مبعثر حول أذنيه كيفما اتفق من فرط حكه إياه. توقف بهدوء غير مألوف و رفع رأسه و معها عويناته الدقيقة عن وجهه و ردد ما قال مرة أخرى محدقا في فراغ القاعة.

ولا أقولكم؟

لأ

 حابب ارغي النهاردة.

    يهيأ إلي أن البشر أكثر الكائنات عمومًا هلعًا، لأسباب منطقية طبعًا. مخاوفنا البشرية ترتقي بسنوات ضوئية فوق مخاوف الطحالب الأولى مثلًا. ربما يكون بعض الخوف حافزًا تطوريًا معتبرًا، لا أعلم.. أظن ظنًا (لاحظ مقدار الهلع في فرضياتي الخجلى) و لكني أظن أننا جميعًا أبناء هذا الأب الرعديد الذي قرر أن يختبئ بكهف منذ آلاف السنين محتميًا من المفترسات. بعد عدة آلاف من السنين من التطور ما زلت أعتقد أن الهلع الذي يبدو منطقيًا مُكبَّلًا لإمكانيات الجنس كافة هو الملاط الذي ما زال يجعلنا قبيلة واحدة تتحرك للأمام (أي أمام، و أي حركة). ليس الطموح، ليس النظام، و ليس الحب بالتأكيد. إنه الهلع الطازج في كل مرة.

   ربما كان أكثر أعراض هلعنا المزمن طرافة و فاعلية هو هواية جمع البشر. أنت تعرف هذه الخصال الحميدة المرغوبة. من منكم لا يستطيع أن يخبر نفسه في المساء أنه –ربما يكون- أكثر أهل الأرض هشاشة و بشاشة و طيبة معشر و حسن مؤانسة؟ ربما تخيلت وجهك ينظر ببلاهة في أحد صفحات القاموس بجوار تعريف easy-going  أليس كذلك؟ إننا نقابل الناس كل يوم و نحرص بشكل مخيف على هذا الرضا المتبادل. هناك بالطبع الخوف المفهوم من مسألة أنك لو كنت حقيرًا تجاه شخص ما فأنت لا تدري أي حقارة سيقذفها باتجاهك فيما بعد. لكن ليس هذا ما أتحدث عنه.

    إننا نقف عاجزين تمامًا و ربما نهائيًا عن التخلي بوجه عام. صرنا –أو ربما هكذا كنا دومًا- نحيط أنفسنا بمجموعات رائعة من الناس المنتقاة ، و نملأ خزائننا بعدد لا نهائي من الهياكل العظمية و الأشباح العتيقة، في علاقات بلا ديناميكية حقيقية، فاترة، بين بين، على مسافة واحدة. ربما كان هلعنا من المجهول هو سبب هذا العجز المزمن.. أنتِ لا تتخيلين نفسك مثلا مطلقة مغتربة و أما لطفلين مدللين أحدهما مريض مرضًا مزمنا و عليكِ أن تقودين هذه القبيلة الصغيرة وحدك تمامًا. و أنت لا تتخيل نفسك في الستين و قد فقدت معظم أسنانك لداء البول السكري و قد أوشكت على أن تفقد إحدى ساقيك بينما أبناؤك منشغلين بأحفادك و ربما كان أحدهم متورطًا بقضية جنائية ما. أنت لا تريد أن تتخيل سيناريوهات كتلك و تظن أن احتفاظك بالناس حولك بانتظام سيفعل شيئَا لدفع قصص الرعب الحقيقية تلك.

    و ربما هو الهلع من الفقد. أن نفتقد شيئًا مميزًا و عميقًا و رائعًا ربما يأتي به هذا أو ذاك. ربما كان هذا هو شخصي المفضل و لكني لا أعلم بعد. ربما كان هذا توأم روحي و لكن ستضح الأمور رويدًا رويدًا. و هكذا نستمر في الجمع و الالتقاط إلى حد الـhoarding ببساطة لأننا لا نعلم، و نخشى أننا لا نعلم و لن نعلم ما قد نفقد إذا ما التفتنا. هلع!

    و السخرية من هذا كله هو عين الهلع. الساخرون عمومًا أكثر الناس رعبًا. السخرية عين العجز عن التغيير. أظن أن الساخر يسخر ليقوم غيره بالفعل، تمامًا كما يستمر الأطفال بالبكاء حتى تستجيب لمطالبهم.

    أظن- و إن بعض الظن لإثمٌ عظيم- أننا خائفون كلنا و جميعنا و ما شئت من أدوات التوكيد. و أنه لا زوال لذلك. و أننا سنتخذ قرارت (حماقات) الحياة على الرغم من ذلك… ببساطة لأن كل السيناريوهات التي قد تنتج عنها ستؤدي حتمًا إلى الموت.

———————————————————————–

Published at the risk of alienating –almost- everyone.


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s