شقوق

crr

“أنت لا تحب الحياة بما يكفي”

   قالها لي بهدوء لا يخلو من استنكار عطوف دون أن يرفع ناظريه إليّ. كان منهمكًا يضفر أعواد القصيب الدقيق بدأب ليصنع سلة أخرى. تأملت أصابعه الغليظة القصيرة و تعجبت من رشاقتها حول الأعواد. عدت أهز رأسي لا مباليًا و اتوارى خلف رشفات بطيئة من كوب شاي رديء. يحبونني أكثر كلما ازددتُ صمتًا لسبب لا يعلمه إلا الله.

   ثنية أخرى، ها هو العود يلتف. هناك ما يكفي من النور ليعشي أبصار قبيلة من أمثالي من معتادي الغرف المظلمة و الأضواء المصتنعة. توقف عن العمل بغتة و رمقني بفراغ صبر يلومني لطول صمتي.

  • “ماذا تريدني أن أقول؟ لا أحد يحب الحياة حقًا. لا أنا ولا أنت. ربما تحب انطباعك المبدئي عما يجري. ذكرياتك عن أشخاص بعينهم. لو أردت حقًا فالحياة مغرية بالبصاق أكثر من أي شيء آخر”
  • “الله يقرفك!”

   ابتسمتُ بسذاجة و عدت اتوارى في شرودي بينما أنشأ هو يحكي أشياء عن البصاق و أطفال هذه الأيام الملاعين. أذكر تمامًا رائحة الهواء الرطب في هذا اليوم من أيام آب الذي لا ينتهي أبدًا..  شهر بعمر الآلهة نفسها و بازدواجيتهم أيضًا. لم يكن يعلم يومها أنه لا اتقانه لصنع السلال ولا بياض بشرته الناصع أو انفه المعتد دائما كوحوش بلاد فارس سيشفعون له فيم تخبئه الأقدار. سيسافر صديقي إلى بلد عربي مترهل، و هناك سيترهل كل شيء. سيترهل إحساسه، و رشاقة أصابعه، و حبه لامرأته. ستترهل امرأته نفسها.. ابنة الرجل الطيب ستصبح فارغة إلا من الشحم و النميمة و عتامة قرنية ستجعل نظراتها إليه كل ليلة قابضة للأرواح. سيعود بعد عقدين أو أكثر، سينهمك في بناء دار جديدة، و سينخرط في علاقات سياسية مترهلة. ربما تزوج عرفيًا.. هذا الجزء بالذات حزرته و لم يخبرني به. سيموت في حادث عجيب بشرفة شقته ببورسعيد بينما تستمر أم كلثوم في الخوف من الغد و اللقاء.

   استوقفني باهتمام متسائلًا عن رواية الخيميائي و إذا ما كنت قد قرأتها.

   أطلقت ضحكة عابثة و أخبرته أنني قد فعلت و أنني ربما أخبره يومًا ما عن ذلك. لم أخبره أبدًا أني أتممتها في حجرة متشققة الملاط في صحراء سيناء و أنا بعد في مغرب العشرينات. كنا ثلاثة رهط استوقفتنا نبوءة الأسطورة الذاتية. ربما كنت أقلهم إيمانًا، إلا أن أساطير كل منا صارت مرويَّات بعدئذ. لقد كان هذا هيستيريًا؛ نصف ثورة، و الكثير من الحقن الشرجية و أنابيب التغذية المَعِدية، و أعضاء مبتورة و أخرى عاجزة و ما زالت ذكرى تواترنا على تلك الأعجوبة الأدبية تلهب الضحك حتى الدموع. أخبرته أنني ما زلت اعتقد أن كويليو وغدٌ متحذلقٌ و أن أسطورته الذاتية لا تختلف كثيرًا عن إل. رون هابارد. اختار أن يكون مبشرًا بديانة فلسفة بطاقات المعايدة الرديئة… يا له من مصير.

   عاد يطوي الأعواد بدأب و هو يغمغم. اتأمل الشقوق الدقيقة في سلته الصغيرة و الضوء المنبعث من بين ثنياتها. أذكر الضوء جيدًا. لهذا خلق الله الشقوق. لهذا أرسل الله من يشقون الشقوق بعاصفيتهم الغير محسوبة… لعل الضوء ينفذ. من أجل وحش الحياة المغلوب على أمره شَقُّوا شقوقهم في دروعنا الواهنة ليحرقنا ضوء الوحش المسكين.

فلنحترق بوهج لائقِ إذن.

يُصر أن ندخن الحشيشة سويًا يومًا ما. يقول أنني بالتأكيد سأكون رائعًا و أنا منتشٍ بالمخدر. أوافقه الرأي. نقرع أكواب الشاي بسذاجة و نضحك.


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s