آخر أيام أيلول | ورقة من المنتصف

alex

في ليلةِ المطر الأول عندما خدشَت قطراته الحيِيَّة المليئةُ بالحب صَلف الأرصفة بأرض النفاق أغلق باب شقته المتهالك بإحكام خلف نسمات الصيف الذابلة و تنفس الصُّعَداء. أسند ظهره إلى الباب في دَعة و جالتْ عيناه في أركان الشقة الفارغة  بحنان و كأنهما تطمئنان إلى وجود الجدران. توجه بتُؤَدة إلى باب الشرفة الزجاجي و أزاح ستارًا سميكًا. هذه هي الشوارع التي بات لا يألفها ولا تألفه، شوارع أرض التيه التي لا ينتمي إليها تتقاطع بعشوائية معتادة. و صورته في زجاج الشرفة ما زالت تزعجه بنظرات جارحة للروح. بادلها النظرة بأوقح منها علَّها ترتدع و تمتم و هو يرفع حاجبًا.

“لا حَرَج عليَّ إذن”.

جذب كرسيًّا عتيقًا و جلس إلى مكتبه تمامًا تحت ظل نافذة غرفة الضيوف. تلك النافذة الضخمة التي كان يَحارُ كيف يسد ضوءها المزعج في أيام الاكتئاب الطويلة. تهتز بأثر رياحٍ لطيفة محدثةً أصواتًا طفولية. جلس في كنفها و مد يده إلى دفتره المثقل. فتح الصفحات الأخيرة و أخذ يعود أدراجَه ورقة ورقة إلى المنتصف. توقفت أصابعه و أطلق تنهيدة مرتبكة و هو يتحاشى النظر إلى بقايا عمره على الورق، ثم عاد يقلب ورقة أخرى. اقتطع ورقتين كعادته و أخذ يقرأهما على مهل قبل أن يطويهما و يغلق دفتره. دفتره الذي أصبح ساحة معركة مليئة بالأشلاء و الأطراف المبتورة. أمسك بالقلم و ورقة بيضاء و أنطلقت أصابعه بثبات أعجبه و هو يبدأ ورقة جديدة.

” …

حريٌ بهذا الطقس أن نكون سويًّا. أن أترك نفسي لنهر عينيك ليشقني ترانيم قصيرة…  كتنهدات درويش مزق الحب قلبه، ثم يجمعني سكرانًا من قهوة لونهما ليتركني شاردًا في صمتهما الكثيف. أن يذوب كلي في بعضك و تنتهي وحدتي الأزلية في ليلة مطيرة نهاية تليق بأسطورتها.

لماذا يصر العالم على طحن الذين يظنون أن بذل أرواحهم أمر مفيد؟ لماذا يدخلهم في التجربة و يحولهم جميعًا إلى طغمة من أولاد الكلب. إن هذا ليس في مصلحة العالم على الإطلاق. سينتهون يومًا، و سينتهي العالم بعدها مباشرةً. يساورني هاجس أن من خلق العالم جعل له ميكانيكة تدمير ذاتي… و أنني وجدتُّها. ولا أعلم ماذا أفعل بعد.

في كلية الطب لا يُعدُّونكِ لمثل ذلك. هناك الكثير من الهراء حول العقاقير و تصنيفات الأمراض و درجاتها. و لكنهم لا يخبرونكِ أبدًا ماذا تفعلين بكل ذلك. أنت تقفين فوق رأس المريض و بنظرة واحدة تعلمين ما سوف يصير و تدركين تمامًا ما سوف يؤول إليه كل ما ستفعلينه من اللاجدوى. و يجب عليك أن تتعلمي وحدك كيف تدعين الثقة و القدرة على التنبؤ و التصرف. لو يعلم أهل المرضى الذين ينظرون إليكِ بهلع و رجاء ماذا تخفين خلف قناع وجهك البشوش لماتوا رعبًا من رعبك و قلة حيلتك.

آه من قلة الحيلة تلك يا سكن فؤادي، يا خليلة الروح. كيف أصِف لك؟ العالم أصبح أسمنتيًا بشكل غير مسبوق. و كأن أحدهم اقتلع أعصابي البصرية فأوصلها بكابل شاشة عملاقة لتلفاز يذيع إشارة انقطاع البث بلا نهاية. أينما يممت وجهي و مهما أتيت من معجزات، لا تنقطع الإشارة. لا أُحسن الوصف. يشبه الأمر تمامًا صوت أم كلثوم و هي تهمس “هجرتك”. منتهى العبثية.

أتذكرين يوم أخبرتك أن من يحبك لا يُحسِن أن يحبك بنصف قلب؟

كان هذا آخر عهدي بقلب مكتمل. العالم يضِنُّ على أبنائه ممن ظنوا يومًا أنهم ببذل أرواحهم سيجعلون لونه أي شيء غير هذا الرمادي المصمت. كلنا في السجن الكبير نقضي أوطارًا من بعضنا و يتسلل إلى أرواحنا الأسمنت عامًا بعد عام. و العام عام جوع. و الأرواح باتت نهمةً للأسمنت حقًا.

فرج رزق الله فرج جاد الله… تأملي معي الاسم. هناك شيء فاضح… شيء عاهر في هذه الحياة. هذا الفرج يتدلى من عنقه من فوق لوحة إعلانات على الطريق السريع. و رفاق الثورة يتبدلون، يموتون جسدًا و روحًا. و الصَّحب يقفزون من السفينة الغارقة سراعًا. الكل أدرك اللاجدوى أخيرًا، و أخذ يهنئني على استبصاري و بصيرتي و ذكاء تبدلي. و أنا أنظر إليهم من خلف أقنعتي السميكة ذاهلًا. ماذا فعلتُ بحق السماء؟

لماذا يظنون أني نبي الكافرين بك؟

سأضع هذه الأسفار جانبًا و أكتب إليك غَزَلًا.

 أجدني أحبك أقل الليلة.  الحب كالإيمان يزيد و ينقص. أجدني أحبك أقل و لعل هذا يطلق لساني فيك بما يحبسه فرط الوَلَه.  أقع بغرامك كل صباح تمامًا كالمرة الأولى. تعرفين تلك الغصة المحببة؟ أفتح عيني كل صباح مذهولًا. أنا من هؤلاء الذين يستيقظون مندهشين… أن هناك عالمًا آخر، و أن هناك ذكريات، و أن هناك بشرًا آخرين كثيرين حمقى…. ثم أن هناك أنتِ. تعتصرني الخاطرة الأخيرة كقبض جبريل لمحمد. لثوانٍ متتابعاتٍ يتوقف قلبي تمامًا و أشعر بتلك الغصة، أتصبب عرقًا، و أتصلب تمامًا كمن يموت ليبعث، كالموتة الصغرى… اطرد الهواء من صدري بعنف و أبتسم بَيْن بَيْن… و أقع بالغرام. و أحب أنفك كثيرًا. أنفك الذي يحمل الكثير من ضحكتك و شفتك العليا الدقيقة بارتعاشتها القاتلة. و هذا الوجه الوديع الذي يقاتل باستماتة تثير العَجب و الإعجاب هربًا من شغف عينيه.

[…]

و أحبك كما لم أعلم أن لقلبي أن يحب. كما لا أحب أن أتبين كي لا أخشى على نفسي. يا حقيقة لا تغيبها صَعلكتي و طول لساني و فرط الهراء. أحبك رغم مجون العالم و عهره. أنا المسافر الذي لا يصل. أحبك بطول الطريق و وحشته.

أهذا كل ما هنالك أيتها النبية المقدسة؟ أهذا كل ما بالشجاعة؟ الاستمرار مع الخوف؟ أهذا كل ما بالإيمان؟ الاستمرار مع الشك؟ رَبِّتي على ساعدي و قولي لي أن قوتي في الصبر على ضعفي و قلة حيلتي و أن علي ألا أخبرك. امنحيني سببًا واحدًا للادعاء. تكلمي أيتها النبية المقدسة. سأتدرع بالفصحى قوقعة للحم بطني حتى تتكلمي. و أتجلد الصمت الغليظ و أنا أصرخ بملء صمتي في كل نفس… أحب.

أهلَكَني بَيْنُك…

متى ترتكبين الحماقات من أجلي و تتوقفين عن مضاجعة الموت؟ “

طوى الورقة بهدوء لا يتناسب مع ما يعتمل في صدره من نداء مبتتر. و ارتفعت يده تمسح حبات .. ظنّها من عرق. و اتجه على عجل إلى باب الشقة دون أن يلتفت. في الطريق العَدُوّ لَطَمَتْه الرياح كثيرًا. و تلوَّث بنطاله من أثر الشتاء. كان يمشي قابضًا على أوراقه بحزم، تصافح قدماه ظلّيْن ألقاهما القمر و ضوء غير متبين يملأ الطريق إلى المقابر.


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s