أعرف هذه الرؤيا

 

 

burial-shortage

 

      أتذكرين حَمَلات المقاطعة لـ”منتوجات العدو الصهويني”؟

  أطلقُ ضحكة عابثة  و أنا أنهي ورقةً أخرى أعلم أنها لن تصل. أحمل القدح الفارغ و بقايا كِسرات لم أقربها حقاً و أذهب إلى المطبخ بآلية غير مُبالية. اتناسى كفّاي تحت الماء و أنا أحدق في سريانه المستمر و أتفكر في كل الأشياء و اللحظات التي بَدَت أقوى من الزمن يوماً؛ سَيْرنا في الشوارع خلسة أيام الانتفاضة بعد الفجر لنكتب “تسقط إسرائيل” على الرصيف أمام المدرسة الثانوية، انبهار مدرس اللغة العربية و هو يرشقني بأبيات شعر لم أسمعها سابقاً و أنا أعربها له بميكانيكة أحسد عليها، احمرار كفي من لعبة “صلّح” في الفناء، و هلعي بعد أن تمزق قميصي الجديد و نحن نلعب ال”بلتك” في فناء آخر. أول شريط كاسيت لعمرو دياب نجده ملقى في الشارع و نصلحه و نشغله بأعلى صوت ممكن لأيام متتالية في شقتنا الجديدة الفارغة تقريباً. عمرو دياب أمرً قَدَريّ إذا كنت تعيشين في بلدي هذه.

  لقد أصبح الشّغَف أمراً مُبتذلاً حقاً من فرط سؤاله. و كأن جيلاً كاملاً اكتشف الكلمة دَفعَةً واحدة، أترينهم؟ الكل يطلب الشَّغَف بعنف و كأنه أصل السعادة. أليس كل شيء هنا بعابرٍ كخيط غروب؟ بم يفيد الشَّغف؟ لقد سئمت الراحلين.

  ثقل المعطف الأبيض على كتفي يوم ارتديته أول يوم في استقبال مستشفى، خوف ليلة الامتحان، لين قلبي و أنا أقرأ حروفك الأنثوية المترددة، نشوة انتزاع أحدهم من براثن موتٍ محقق و تلقي الكثير من المديح الغير مستَحق على الإطلاق، سهاد ليلة طويلة أحرث الشبكة العنكبوتية بحثاً عن إجابة سؤالٍ مُتَخيّل قد يرِد إذ ألقاك… لقد رحلن كلهن عن هذا القلب المرهق و تركن له أشباحاً تؤزُّ ولا تُغيث.

  على الراحلين ألّا يأتوا بدءاً. عليهم ألا يقربوا هذا القلب الذي أصبح مزبلة للماضي و مرتعاً لأشباح من سبقوهم. و إلا فليلاقوا مصيرهم من اللعن المقتر. لتنصهر أرواحهم قبل أن يعيثوا في حديقة المقبرة فساداً و يغرسوا فيها بنفسجهم الذي يزهر بغير موسم و على حين غرة ثم يموت على حين غرة أيضاً.

  انقطع الماء فجأة تماماً كالشَّغَف الذي يقتله التخطيط و العمل. سأخبر مريضي الذي تمتلئ رئتيه بالليمف كل يوم و قد مات عدة مرات قبل أن يموت حقا… سأخبره أيضاً عن الشَّغَف و ما يفعل و كيف يمكنه أن يحقق السعادة. سأخبره أن الطب و الفيزياء الكونية و الموسيقى و الأدب و آلالاف من الصفحات التي أمزقها كل شهر لم تحمل فكرةً أصليةً واحدةً لتسرّي عنه. يمكنك أن ترقد بسلام الآن. لن تفتقد الكثير في هذا العالم المعتوه حيث الكلمات مراكب مَعيبة تحمل العقوق خلف أسوار من الهري اللامتناهي و النسيان. ستذهب حيث ذهبت حملات المقاطعة، و الانتفاضة، و الثانوية العامة، و الثورة، و الحب. و لن تترك خلفك إلا الكثير من الخدر.

لعلك تجد السعادة في سكينة بلا اسئلة

أنا ذاهب لأخبره الآن. أتأتين معي؟

“ربما ما زلتُ حياً في مكان ما

و أعرف ما أريد”


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s