وابي سابي

23_wabisabi3rei

امتزج بخار كوب الشاي الساخن بدخان لفافة تبغه محلية الصنع في تآلف مُنَغّم. مشهدٌ آخر سيلتصق بذاكرتي عن هذا الصباح العجيب. أزاح كوب الشاي رائع اللون مُتبَرِّماً و عاد يحدق في الأفق بلا ملامح تقريباً.

“أتعرف ما الأمر المحبب حقاً في موسيقى الجاز؟”

أعرفه جيداً. هو لا ينتظر جواباً لتلك الأسئلة التي يلقيها بلا سياق. أرمقه بطرف عيني و هو مستغرق حتى أذنيه في آخر أنفاس لفافة التبغ. لم يتغير كثيراً رغم الحادثات. ما زال نحيفاً و عصبياً كالبُرص المُحاصر. نحل شعر رأسه كثيراً و جحظت عيناه بعض الشيء إلا أنه في هذا الصباح بدا … مألوفاً و قديما.

تابعت رشف الشاي من قدحٍ قديم مشروخ في صمت. مد يده برشاقة فانتزع الكوب من يدي و أخذ يتأمله ثم عاد ينظر إلي ببراءة.

“أحب هذا القدح أكثر”

ثم تبسم في رضاً و عاد يسترخي في مقعده الخشبي القديم مرتشفاً الشاي ببطء. تبادلنا الأقداح.

“تبدو منتشياً اليوم!” سألته متصنعاً اللامبالاة.

“و لم لا؟ أنا راضٍ عمّا أحب”

اعتدل في جلسته و بدا و كأنه على وشك الانهماك بالضحك

“موسيقى الجاز طبعها النقص. بها خشونة ناعمة… الكثير من عدم الاتساق. تُشعرك دائماً أنها انتهت قبل موعدها … بلا نهاية. أمرٌ زائل، و غير مكتمل. لماذا لا يستمع الناس لموسيقى الجاز؟ لما تقوله حقاً؟”

“و ماذا تقول حقا؟”

“ارضَ عمَّا تحب! الناس تحب الأشياء ثم تعمل على ’إصلاحها‘. لماذا يجب أن يكون كل شيء سليماً؟ متساوِ الأطراف؟ مكتملاً؟ جديداً؟ ليس هذا حباً. هناك الكثير من الصلف و الغرور هنا. نحن الآلهة الجديدة… أنا أحبك و سأخلقك على صورتي. أي هراء هذا؟”

أشعل لفافة تبغ جديدة و عبَّ نفسين عميقين ثم ناولني ما بقي منها. مددت يدي بعفوية و التقطت اللفافة متناسياً أني لا أدخن أصلاً.

“يتشارك الفتية على شبكات التواصل الاجتماعي صور مشجعات كأس العالم. هل رأيتهن؟ هذا التماثل المؤذي للعين؟ ثم يعيّر بعضهم بعضاً.. يقول الفتية هكذا تكون النساء، و تقول الفتيات لو كنتم لَكُنَّا. و يتداعى علينا العباقرة شارحين ذكورية المجتمع و انحطاطه. هؤلاء قوم يشتهون. لو أحبوا ما كانوا بهذه الدفاعية… لو أحبوا النقص فيهم لاكتملوا. هناك الكثير من السعادة في تكبير الأدمغة… ربما كل السعادة”

أخذت أحدق باللفافة في يدي و اتساءل عمّا يمنعني من التقاط سُخامها الأبيض. مثالية ما؟ باغتُّه سائلاً عن حفل الأمس. التمعت عيناه حقاً و بدا كطفل و هو يمد يديه أمامه بانفعال مقهقها.

“كدت أقضي من فرط الجمال. ربما كان هذا أكبر تجمع لصديقات البطلة في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا منذ عقود. أطنان من المشاكل تسعى. تجترئ على الحياة لمرة. لقد كان بديعاً حقاً. أن تراهن… يغنين في الظلام. يتركن أنفسهن لنشوة تنتصر من دنيا لا تحب”

“الأمرعن فتاة إذن يا نبي الجاز” تبسمت بسخرية لا محل لها من الإعراب.

“الأمر دائما عن فتاة… الثورة كانت عن فتاة” غمز لي و هو يسترخي بمقعده مرة أخرى و يتابع الأفق بشرود.

  “سأحب ما أحب بكل الكيان، لإنه لا وقت لدي أضيعه. لأن كل هذا الجمال لا يمكن التسامح معه مطلقاً. ألا توافقني؟”

“أنا لا أبالي حقاً”

“أنت كاذب بالمناسبة” قهقه منتشياً.

أمقته عندما يكون على حق.

—-

http://bit.ly/1uCocVv


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s