جربت؟

inception

” لماذا تجلس صامتاً هكذا كالقبر؟! ماذا يدور بخلدك؟ استشرني بشيء!”

ترتطم كلماتها بعيني الخاويتين و هما تتابعان مشاهدا باهتة يعرضها التلفاز بتكرار ممل. أحدق إليها بكل الفراغ الذي يحوي روحي و تنفرج شفتاي تحاولان باستماتة انتاج أي شيء يصلح لإسكاتها… لإشعارها أنها ما زالت تعني شيئاً.. ثم تنطبقان بيأس. أحك أذني بعصبية و أشيح بوجهي بعيداً و أنا ألوك لقيمات من الخبز الجاف و الجبن القديم.

تذهب و تجيء كثيراُ حاملة الكثير من الأواعي التي لا أكترث لما بها حقا. ثم تجلس مستنزفة.. مرهقة.. تغني أجزاء مبتترة من أغنية قديمة محاولةً جذب انتباهي. أتأمل مشهداً جانبياً لوجهها الجميل الذي رسم عليه الزمن و المرض لوحات من الطيبة الثقيلة تبعث على الإعجاب. عيناها المتورمتين تلمعان و هي تعيد علي للمرة الثالثة أو الرابعة تفاصيل مسلسل ما تتابعه لتتأكد أني أعي ما يحدث. لم تتغير كثيراً… منذ ثلاثين عاماً كانت تفعل الشيء نفسه  و هي تجلسني أمام أفلام الكارتون و تقص علي ما يحدث. تقص الأحداث خيراً من كاتبيها… يجب عليك أن تسمعها تعيد و تزيد بحماس لا يفتر لتدرك أي طفلة في السادسة من عمرها ما زالت تعيش حبيسة هذا الجسد المُسن. أمط شفتي بحسرة.

ينفتح الباب بهدوء و ينسل هو داخلاً بحماسه المعهود. هذا هو الرجل الوحيد الذي يحمل روح مدرب كرة القدم في كل لحظة في حياته. لو أنك أردت تحريك جيش من الكُسالى لما احتجت غير هذا الرجل، و سيفعلها بيدٍ واحدة بينما يحرك كوب الشاي بيده الأخرى. لا أذكر أني جالسته مرة أو تحدثت معه ثلاث جمل متتالية دون “حديث تشجيع” بشكل أو بآخر. يقف بجوار التلفاز و يضع أكياسه الثقيلة و يكاد يصفق بيديه و هو يحدثها عما أحضر من السوق. ينظر إلي بفرحة حقيقية و هو يخبرني أنه أحضر لي سمكاً مشوياً. لست أدري ما الذي قد يبعث على الفرح هنا… و لكن الرجل يبدو حقاً سعيداً لنجاح مسعاه. أبتسم برضاً.

“ألن تعد السلاطة” – يسألني بشغف طفولي.

أنهض متثاقلاً، إلا أنها تسبقني كالعادة إلى السكين و الأطباق. أقف مرتبكاً قبل أن أدرك أني لن أفعل شيئا، فأذهب لأغسل يدي و أجلس صامتاً بينما يعدان المائدة. أصابعهما ما زالت تحمل تلك الصبغة الوردية المألوفة من أثر التصويت الأخير. تؤنبه مراراً لأنه أنفق كل ما أعطته، ثم تصمت بعد أن تتبين أنه لم يهدر المال هباء، بينما تبهت فرحته تدريجياً بما اشترى.

أتبين أني أحبهما رغم كل شيء. بل أحب تلك العلاقة المهترئة التي يحاولان باستماتة الإبقاء عليها كالآثار الحميمة.

هذه الدببة الطيبة التي تقلبت علينا فاعتصرت منا الروح حباً في ليلة اغتصاب ميدان التحرير. ما زالت مخالبها الحانية تحمل آثار دمائنا. في أي لوحة لسلفادور دالي نعيش؟

“جربت في عز ما تحزن تمشي في شوارعها و تشكي لها؟”

الحقيقة أني جربت كثيراً. الشوارع أيضاً مليئة بالدببة الطيبة. ملامح غليظة سعيدة سعادة بهيمية صاخبة حقاً تملأ الطرقات. نساءٌ و رجالٌ يحتفلون بغلٍ شديد. أمةٌ كاملة يحركها العند و رغبة دفينة في قهر الآخرين و الانسحاق تحت حذاء ثقيل. أي حذاء ثقيل.. الانسحاق في حد ذاته أمرٌ مطلوب. المشي في شوارعها يشبه كثيراً السباحة عارياً في نهر ستيكس الكئيب. إنه أمر لا يساعد إطلاقاً على التخلص من الحزن أيتها السيدة البدينة الصارخة “جربت”. ياك داء ف شكل أمك ع المسا.

أشاهدني مندهشاً في مرآة الحلاق. لماذا يصر الجميع أني قد تغيرت كثيرا؟ الشيء الوحيد الذي ما زال يبدو مألوفا في هذا العالم السريالي هو هذا الوجه المرهق منذ وُلِد. هذا الرجل الذي يعبث برأسي بانهماك سيخبرني عن حانوته الجديد و عن زوجة صاحبه التي تصر على أن تجعله صالوناً للسيدات فينقطع عيشه. و سيدخل شابين مفتولي العضلات و يتمنون لي “نعيماً” ما. و سيتحدث الجميع عن الألعاب النارية التي ملأت الشوارع و عن النساء اللاتي تزيّنّ للخروج و سيقع مزاحهم كسيفاً على عيني الخاويتين.

ألمحه بطرف عيني في التلفاز الصغير… يرزح تحت أقدام الآلاف .. لا يكاد يتنفس. القدس تحت الاحتلال للمرة الألف. لقد سئمت …

افتقد طيف الحقيقة الذي كان يضع تلك الهمجية الفنية موضعها. أفتقد الطوطم و اشتهي الاستيقاظ… أشتهي الاستيقاظ…


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s