في الغيث

petrichor

بداية اليوم … أصعب الأمور.

   لا ليس الانتباه بعد الدَّعة ولا مُجاهَدَة رغبةٍ طاغيةٍ في الإسراف في النوم لما بقي من سِنِيّ العمر. اليوم يبدأ بي باحثاً بعصبيةٍ غير مبررة عن شتات نفس الليلة السابقة في الأزقَّة. أتحرك بتؤدة و رجفة لا تُخطِئها الأعيُن ولا أحاول إخفاءها. و يرتسم اليوم ببطءٍ و كسل رتيب كلوحات الزيت ذوات الطبقات الثقيلة. اتكلَّف فيه الكفاح الأخرق تكلفاً… لم يعد بي رغبة فيه.

إلا أنها أتتني اليوم.

      استيقظ قلبي أولاً… و لستُ أدري بأي حِسٍ أدركَ إقبَالها المُباغت. أخذت أُصِيخ السَّمع في ظُلُمات ما قبل خيوط النور الأولى. لا شك عندي الآن… يتعالى الدَّبيب و يستيقظ مِنِّي كُلِّي دَفعةً واحدة مفرطة الألم و النشوة. تقف روحي ملهوفة خلف شُرفة مَدامعي المُحمَّلة ببخار الماء بينما أهم متخبطاً في ظلام الغرفة نحو الشرفة. لقد أتت حقاً … لست أحلم إذن.

   أخذَت تنساب برقة و دَعة فوق زجاج الشُّرفة غيرعابئة ببرودته. تتابع زَخَّاتها بحماس طفولي و إصرار عفوي مُحبَّب و هي تطرق باب شرفتي و قلبي سوياً.  أُمعِن النظر و أراها… تملأ ظلام الكون أُلفة. سماوية السَّمت و المَنشأ… بعيدةٌ هي… محيطةٌ بالآفاق. و قريبة جداً… يتشرَّبني عبيرها الأرضي حتى النخاع، و ترتجف روحي مراراً تحت وَقع لمساتها المُتلاحقات لوجنتي و الشفاة. تتخللني بلا استئذان كأمرٍ بدائي مقدور، بلا كيف ولا من أين. أقف صامتاً كالمتعبدين و أتركها تفعل بي ما ترى.

   أنثاي الكاملة تهطل على الجانب الآخر للزجاج السميك. تروي الأرض و السماء و ما بينهما … و تغمرني، و لا ترويني. أرقبُ سقوطَها الحر المباشر بافتتان … أتصوره و أتمثله و أرجوه. التقينا في السقوط و رحابته… في عشوائيته و راحة البال التي يورثها بلا عنتٍ أو تكلف. اتحسس بعضها ببعضي، تارة تهدهدني و تارة تلطمني، تارة تتلمسني و تارة تقتلعني من الجذور … بتلقائية… بلا حيلة أو خبث. تتساقط بعبث طفولي لا يغيِّره الزمن، و تخلق بِرَكاً من الوحل متفاوتة الأحجام و الأشكال. أكاد أسمع بين الدبيب صوت ضحكاتها الصافية يمتزج بسنا برقٍ خاطفٍ يخطئه كل قلب لاهٍ.

   أتحلل من تروسي و دروعي قطعة قطعة، و اتقدم مرتجفاً.. تصحبني كل قصص الإغريق الذين يمشون نحو حتفهم ببسالة. أقفز في بركةً بعفوية لم أعهدها، و أطلق ضحكة سعيدة حقاً إذ يغمرني رذاذها الطازج. أقف متوسطاً الكون تماماً، متنائياً عن البراياً، مادّاً ذراعي على اتساعهما و أدعها تشملني بالسكينة و تغسلني من التعب. تنفلت مني آهة … آهة راحة .. آهة شوق… آهة حزن… لا أدري. اقبض كفيّ عليها بقوة لأطمئن بها… لا أجدها في راحتيّ… أفتح فمي ليداخلني بعضها، تمتنع عنه. ترتسم على شفتي ابتسامةٌ لا أدري كُنهها و أتحدب في سكينة بجوار البركة باسطاً راحتيّ في استسلام. يُختزن بعضها بين أصابعي و أراني في صفحته… مُهتزاً.. قديماً… و جميلاً حقاً.

   تتسع ابتسامتي… أُنثاي لا تُمتَلَك. الأصل فيها السَّرَيان… أنثاي تشمل الوجود. أنثاي لا تسعها الافتراضات أو نشرات الأحوال الدورية.

   تلمع عيني إذ يحدوني أملٌ مُبهم. و تخفت حدة الصوت بتسارع مؤلم….

و لكني أعلم أن الصيف قادم…


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s