في الفَقْد

chinese-stye-bamboo-painting-evelyn-sichrovsky

[…]

لأدعون عليك بالجَوَى و جَمْرِ الهوى و طول السُّهاد و فرط الشَّغَف.

[…]

أتَكوُّرُ بينهم. أعوادُ الغاب النحيفة تنظر إلي بأسى غير مقصود. يُدنِي بعضها رأسه المكسور ليلامس رأسي … يشبِهُه كثيراً. تُربِّت علي أوراقهُ الحادة بخشونةِ أبٍ قلقٍ. “كَفْكِفْ بُنيّ…” تهمسُ سكاكينُ الأوراقِ الحادة لقلبي الكسير. ” أو ابْكِ طويلاً لحالك و حالي سوياً… ابْكِ لجذعٍ جففه الزمان و أذهَبَ ما به من دمعِ الحياة”. تنحدر الجمرات بخشوعٍ و وَرَعٍ، و يرتوي الجذع.

تنقبض أناملي حولَ الأوراق الميتة المبتلة حديثاً من ماء الجذع المنكسر و أذكر. أذكرُ قُدْساً أخضرَ الجنان وقفتُ ببابِه مرةً. ينحسر سِترُه في بهاءٍ منذراً “أيها التعس.. لو تقدّمت لاحترقت”.  لا افتقد الأيام العادية قبل احتراقي.. لا أذكرها بخيرٍ أو شرٍ. لا أذكرها. تتكسرُ الأوراق المسكينة في راحتي، و يختلط رمادها الجاف بذرِّ نفسي المحترق و تذروه رياح الشمال بغيرِ عدلٍ في أفقٍ غيرِ مَعلوم.

تتعثرُ خطواتي مراراً في تِيهٍ ذي أهوالٍ غَدَت مُعتَادة.  بلا طُرُقات، يدور بي التيه بلا رحمة أطارد فيه الطَّيف وَ أُصَارع فيه الفَقد و عدم البلوغ إلى الأبد. ما بال تيهيَ الأبديّ لم يعد صديقي؟ ظننت به خيراً لطول المَعشَر و تتابع الحادثات علينا. التِّيهُ تِيهٌ قبل كل شيء… طبائع الأشياء أمر مُمِضّ.

يرتفع صوت صافرة قطار الثانية ظهراً مفلتاً قبضة الأيام عن قلبيَ المُعتَصَر لثوانٍ متتابعات. و يساورني الشَّغَف. شغف الأرواح الغير عابئةٍ بالزمان و حوادثه، و التِّيه و دوارنه، و القُدْس و فراقه. أعابثه بنظرةٍ مهترئةٍ لا تخدع طفلاً … لا طاقة لي بك اليوم يا هذا. ولا أظننا من طينةٍ واحدةٍ. هذه أرض الأرواح المُجدِبة… ارتحل عني!

يبتعدُ صوتُ القطار ببطءٍ سَاحباً معه الهواء و مُبقياً الصمت و العَدَم. أُمسِك بالقلم لأكتبَ إليكِ أحداثاً عادية و أُمسِك عمَّا لا يَنكتب من غُربة حالي و تَصَدُّع نفسي. يأبى القلم إلا أن يبكي إليك حِبره و سِره. ياله من قلم خبيث! ألقي بأقلامي أيُّهم يكفل سري؟ سُحقاً لهم… ألا يرون أنهم يفتنون في كل سطرٍ مرة أو مرتين؟ بُعداً لك من أقلام.

أخطو بتؤَدَةٍ فوق الأوراق المتكسِّرة و أحدَّق في زرقة السماء… يشوبها سواد غير متوقع. أُمعِن النظر بحثاً عنه. أعلم أنه لا يُدبِرُ حتى عن الجبابرة، ولا يرحل عن الرُّحَّل أمثالنا. فمالي أجدني وحيداً اليوم؟

[…]

“وَ عَجِبتُ بَعدَك

كيف أَحيا بعض أحيان

و كيف أموت من آن إلى آن”


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s