في الحُزن

أمر شخص

تَفَصَّد جَبينه الواسع عن حبيبات من عرقٍ باردٍ شقت طريقها بين كهوف جبهته المتغصِّنة بصعوبة و هي تستجيب لنداء الجاذبية الأزلي قبل أن تستقر على حافة لحيته الرمادية النامية في تردد طفولي مستفز. تلفت يمنة و يسرة و هو يستعد ليتحامل على ساقيه النحيلتين ليغادر كرسيه الخشبي في آخر الصوان متجهاً إلى صدره ليفتعل الإخلاص في الحزن و هو يُعزي أحدهم. لم يعد هناك ما يكفي من الجنازات لتزجية الوقت. القهوة هنا لها طعم مختلف، و صوت قارئي القرآن أيضاً مختلف: الكل هنا من أجل الواجب. واجب استعراض الرثاء.

امتدت يده تلتف حول الأيدي بوهن غير مقصود و انكسر حاجباه بتأثرِ احترافي و هو يعبر الممر الطويل و كأنه أحد الفنانين على البساط الأحمر. عجباً .. البساط هنا أيضاً أحمر! يالها من مفارقة!

شكر الله سعيك!”

اخترقت أذنيه تلك العبارة مشفوعة بصوت آلي يترجم مشاعر قائلها: “هذه رسالة مسجلة“. قاوم رغبة ملحة في الضحك و هو يتجاوز آخر الكراسي قبل أن يلسع وجهه هواء الليل البارد مؤدباً.

شغله أمرُ الحزن كثيراً في تلك الليلة. تذكر حُزناً عجيباً تبديه الفتيات في كل لفتةِ و كأنه علامة نضج أو إشارة تضحية. و تذكر صراخاً محموماً أطلقه الرجال على بقايا الأمم، و دموعا مذروفة على حب ذابل أو فقيد منسي عاجلاً أو آجلاً. ماذا يفعل الحزن حقاً؟ أي وظيفة تطوريّة يخدم؟ كيف يأتي الحزن؟ و كيف يذهب؟ و ما الذي أحزن؟ و لماذا لم يعد يحزن لشيء؟

احرقت لفافة التبغ أطراف أصابعه بينما هو لاهِ. أطلق سبة مشهورة و قام ينفض عنه رمادها و هو يشعل أخرى جديدة. يحزن الناس لأمر أنفسهم.لا يحزن الناس لأمر الآخرينليس حقاً على كل حال. الحزن أنانية إذا لا شك. اتسعت شفتاه و هو يطلق دخانا متقطعاً و كأنه أحد بدائيي العالم الجديد مبتسماً. لقد وصل القطار أخيراًالبشر كائنات لا أخلاقية، و ليس عليه أن يشغل باله كثيراً بما يشعرون و لم يشعرون به. الحزن كغيرهالمحزن حقاً ألا يبقى لك شيء تحزن من أجله.

[كليف هانجر مُفتعل للنهاية]

***


2 thoughts on “في الحُزن

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s