في تَصَحُّر الخيَال

يومٌ غير معتاد

أشرقت شمس هذا اليوم على عينيه المُحمرَّتين من طول السهر حارقةً مُمِلّة. تململَ في رقدَته الغير مجدية فوق سريره الضيِّق متمتماً بأشياءَ عن الأرق و سُبابٍ مشهور.

في العادة يزدحم صباحه بتفاصيل مملة تبعث على ضجر رضيع فضولي يمارسها هو بنشاط ذهن رجلٍ كذوب في ورطة. ليس اليوم على كل حال. أخذ يجرجر ساقيه الثقيلتين كما أجولة الملح المُبتلّ حتى توقف أمام مرآة الحوض القديمة بالحمام. تطلَّع بسَكينةٍ إلى وجهه الذي صار الإرهاق الراعي الرسمي لقسماته، ثم صار يغسله مراراً في محاولة يائسة لمَحْو تلك النظرة الخالية من المشاعر عن عينيه دون فائدة.

في الصالة جلس واجماً يتطلع إلى التلفاز القديم و هو يصدر أنينه المعهود قبل أن يبث أصوات متداخلة لا تصل إلى أذنيه. هناك الكثير مما لا يُشَاهَد على التلفاز. لابُد أن من اخترع الإعلانات كان بقسوة و فضول يوسف منجيل. ما هذا الهراء؟ ما زالت صورة وجهه النحيل في زجاج الشاشة تحدق إليه بإصرارٍ و عناد من خلف عويناته السميكة. أخذ يحُك رأسه الخالي من الشعر، و هو يلوك لقيمات من خبز جاف و جبنٍ قديم، و يرشف قليلا من كوب الشاي الثقيل بصوت عال. تلك النظرة المتحدية التي يخيل إليه أنه يراها في انعكاس صورته كلما التفت لا تقلقه. لقد اعتاد تجاهلها … فهي لا تأتي بخير.

ما زال اليوم طويلاً حقاً. لن يجد أحداً يجالسه على المقهى في مثل هذه الساعة. لديه الكثير مما يُقَص عن الأيام الخوالي و أمجاد العمل الحكومي المقدس، و الكثير من الحكمة حول مجريات الأمور. سيسخر من هزائم (عطيّة) المتكررة في الطاولة، و سيناقشان سوياً أمر جنازة (محمود) التي لم تَرُق لهما و استهتاره بالترتيبات اللازمة لمثل تلك الأمور. قد يمران بـ (سيد) الحلاق ليعتني بشاربه الـ(متربي على الغالي) كما يحلو له أن يدعوه. لم يبق الكثيرين من شلة المكتب. لن يجد أحداً في مثل هذه الساعة. يتنهد بعمق و هو يتجاهل ظله العنيد ثم ينهض متثاقلاً إلى حيث مجلسه الأثير بجوار المكتبة في ظل الشرفة الوحيدة بالشقة.

وقف يطالع الرفوف المكدَّسة بالأتربة أكثر منها بالكتب. القراءةتلك العادة السيئة للمُنطوين و أصحاب الأجساد الضئيلة. تناول مظروفاً أصفراً ضخماً متآكل الأطراف و أخذ ينفخ أطناناً من التراب من فوقه حتى خُيِّل إليه أن روحه سوف تُزهق من فَرْط السعال. جلس مُترَبِّعاً فوق كرسيه كما اعتاد و فتح الظرف و أخرج منه رُزمَة ثقيلة من الأوراق الصفراء التي تحمل خَطه و لمحاتٍ من ماضٍ سحيق. هناك أمرٌ ما في النظر إلى مخطوطات الماضي. الكثير من الخجل و الاستهزاء و ذهول ممزوج بإعجاب بين الفينة و الأخرىولا خيال. قلب الأوراق و هو يزجي الوقت باجترار الأيام ببلادة طَقسيِّة، و ارتفع حاجباه ثم انعقدا و هو يحدِّق في حروفٍ مُنَمَّقة بخط أُنثويٍّ مألوف برزت فوق ورقة مطوية بعناية بين الأوراق.

ماذا أتى بهذا إلى هنا؟

أحلام اليقظة رأس الخيال. أحلام اليقظة أمرٌ لا يمارسه الجُبناء و من يقرأون أنفسهم في وحدةِ القواقع. تَذَكَّر كيف كانت قُصاصات كتلك تأخذه لعوالم ورديِّة غير مُحتملة. قُصاصات تُحرق الرُّوح ببطءٍ مريح. تتداعى الأفكار صاخبة كالرَّعد جافّة برأسه. لم تعُد القُصاصات تُحرق، و لم تعُد الأحلام تنبَلِج. ماذا أتى بك إلى هنا أيها الشَّقي؟ أيها المُعتاد؟

اعتصرَ القُصاصة بغلظةٍ و هو يبحث في ذهنه المُجدِب عن طيفٍ واحدٍ من خيالٍ بلا جدوى. اليأس مسألةٌ مريحةٌ حقاً. اليأس خَمِيلَة المحاولين. لا يأس لك هنا أيها الشقي. يرتفع الصَّخَب برأسه و تتداخل أصوات الماضيبلا خيال. بلا يأس.

ما زال طَيفه في الزجاج يرمُقُه بنفس التحدي. هو يعرف تماماً ماذا يريد منه. لا خير أبداً فيم يريد. لا راحة ولا حكمة. يطرحُ الأوراق أرضاً و يخرج إلى الشُّرفة باحثاً عن ضجيج الشارع ليتترس به. يرتفع الصوت أكثرلا خيال لك هنا في أرض المُعتاد. ارتحل!

افعل شيئاً غير معتاد

يرتفع جرس الهاتف.

***


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s