في المناظرات | ثورة الكهول

يقف السادة المنمقون بظهورهم التي تقاتل حتى الرمق الأخير كي تظل منتصبة، و ربطات أعناقهم المتسقة مع ألوان جواربهم يعقدون حواجبهم، و يظهرون أعتى إمارات الأهمية و التحدي ليخفوا معاناتهم مع مثاناتهم الممتلئة و التي تقاتل هي الأخرى أمام بروستاتاهم* المتضخمة تضخماً يتضاءل أمام تضخم شعورهم بذواتهم. يلوحون بأذرعهم الواهنة و يتلعثمون ثم يحكون أنوفهم مراراً ثم يلوحون من جديد. يعدلون من وضع عويناتهم الثقيلة فوق أنوفهم الضخمة، و يحكون طرف أعناقهم حديثة الحلاقة المتهيجة من ياقات أقمصتهم المستوردة و يجذبون لحمات آذانهم المتفلطحة. و يبررون

ضحك كالبكاء

قامت الثورة ليستشهد فيها الشباب و يعتقل فيها القُصَّر و يلقى فيها الأطفال من شاهق على أعناقهم لتًدَق كي يخرج علينا السبعينيون و الستينيون ممن كسى رؤوسهم الشيب ليتناظروا حول أموال المعاشات.

أمة يقاتل أبناؤها كي يحكمهم من هم على شفير الجلطات الدماغية و الارتداء المزمن للحفاضات الكبيرة أو من يعانون فعلا من الاعتلال المخي لذات الكبد. فيموت الأولاد و يتقاتل الشيوخ حول ماضٍ لم يعرفه أصلاً من ماتوا و اعتقلوا… من تشوهوا و عذبوا.

يتبارز الكهول بالكلمات… و أغلق عيني و استمع إليهم و انا اتخيلهم يرتدون حفاضاتهم المبالغ فيها و يلوحون أمام بعضهم البعض بسيوف بلاستيكية مرتخية في ساحة لعب الأطفال و هم يتظاهرون بالأهمية و يبحثون عن الاستحقاق باستماتة مثيرة للشفقة لولا أنها تقتل شباباً كوقود لها.

يتحدث الكهول عن الضمان الاجتماعي و زيادة ميزانية كل شيء… هم لا يدرون بحل آخر لأي شيء في الوجود غير أن يغرقوه بالمال. يتحدث الكهول عن سيادة القانون و التترس به. يتحدثون عن “احترامهم” لبعضهم البعض و الفرص الثانية و الثالثة التي ينوون أن يغدقوا منها على بعضهم البعض. يتحدث الكهول.. ولا يشعرون.

أراهنكم جميعاً أن الكهول لا يشعرون إلا كما تشعر البدائيات من الخلق بالغرائز الدافعة للبقاء. أراهنكم جميعاً أنهم لا يعرفون الحب .. لا يعرفون الغضب.. لا يعرفون التجدد و لا يجيدون غير الانحناء، و القتل… و تبرير القتل.

يشكرون الشهداء لأنهم بموتهم سمحوا لهم بالبقاء. يشكرون الشهداء لأنهم بموتهم أعطوهم الفرصة ليتناظروا على شاشات الفضائيات حول فقاعات من القضايا. يشكرون الشهداء… ولا يمانعون في قتل المزيد. المزيد من الشهداء دائماً أمر مرحب به… أمر يجعل الصفقات ذات عوائد أغزر.. و المزايدات ذات صوت أعلى و بريق أعلامي ألمع.

 الكهول لا يُعتقلون ولا يفقدون مآقيهم ولا يُذبحون على الطرقات طلباً لعالم جديد.

الكهول قتلوا الأولاد… كما قتلوا آباءهم. و الثورة التي تنتصر لن تكون إلا ثورة الكهول بوجوههم التي رسم عليها الزمان بسيفه علامات الغدر و قلوبهم التي لا تخفق لشيء و معاصمهم الرخوة و جلوسهم خلف الموائد و انغماسهم في الثريد لأنهم بذلك لا يموتون أبداً. و لن يكون وراء كل ابن وسخة يموت غير ابن وسخة جديد … لأنهم مرتبين بالأقدمية.

طظ في المناظرات

محجوب عبد الدايم

القاهرة 1930

*البروستاتا: الموثة – غدة تحيط بعنق المثانة في ذكور الثدييات تضخمها من أمراض الشيخوخة و يسبب احتباساً بالبول.


2 thoughts on “في المناظرات | ثورة الكهول

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s