الشك

من منكم يذكر تلك السيدة الأربعينية التي كانت تعمل بأحد مصانع المنصورة و الذي استحوذ عليه أحد البنوك و بدأ سياسة تطفيش عامليه بتأخير رواتبهم شهور طويلة؟ أتذكرون كيف خرجت محتجة مع زملائها ليتظاهروا جميعاً أمام البنك مغلقين شارع الكورنيش الضيق أمامه؟ و ماكان من أمناء الشرطة إلا أن أوحوا إلى قائد الشاحنة المحملة بالطوب الأحمر أن يدهس المتظاهرين ليمر ساحباً معه جثة المرأة مئات الأمتار.

بعد عدة شهور قام نفس أمناء الشرطة و الضباط بإغلاق نفس الشارع الضيق بالمتاريس ليتظاهروا هم أنفسهم أمام مديرية الأمن احتجاجاً على رواتبهم “القليلة” و محاكمتهم عسكرياً في وسط إضراب شامل لأفراد الأمن. و قامت قواتنا المسلحة الباسلة… بتنظيم المرور و محاولة إدارة المنصورة المشلولة آن ذاك بعيداً عن الاعتصام “الرسمي” الذي لا يعرف كيف يكون الموت.

على مدار العام الماضي شهدت البلاد حضوراً بدى انتقائياً جداً لتيارات ذوي اللحى لشارع الاحتجاجات الشعبية. إلا أنني لم أتمكن أبداً من تحديد العقيدة أو المبدأ التي على أساسها ينتقون تلك الأهداف النبيلة للتظاهر. فذات اللحى التي انتفشت غضباً مقتراً لمجرد سماع أنباء اختطاف بعض “الأخوات” من قبل الكنائس سكنت و تهذبت و هي تشاهد “أخوات” أخريات تحت نعال العسكر. و نفس التيارات التي نزلت تصرخ ضد “وثيقة”  السلمي و دعت المجلس العسكري ذئاب و ثعالب تدير ظهرها طواعية للمجلس ليمطتيه و هو يفرم شباب المعتصمين في الميادين من أجل حق الدم. و في كل يوم تتزايد حسرتي و يتعاظم بؤسي… فكل شيء حرام هو مباح للضرورة. أي عقيدة تلك؟ أي دين؟ عقيدة لا تعرف كيف يكون الموت.

رجال مبارك الذين كانوا يرسمون اسمه بأجسادهم يحكموننا و يطأون اليوم أعناقنا و يدعوننا مخربين. و من جالسوا عمر سليمان متفاوضين على دمائنا يغرقون شوارعنا بلافتات الدعاية الانتخابية ليشكلوا “برلمان الثورة”. و لكنهم لا يعرفون كيف يكون الموت. لا يأبهون لكيف يكون الموت.

أغلق عينيك تماماً و تخيل رصاصة تخترق صدرك. عامود من نار يهتك أحشائك. لا ليس كخيرزانة أستاذ الرياضيات بمدرستك الابتدائية في صباح يوم بارد.. أقسى كثيرا…   ها أنت الآن تختنق بدمك، تسعله بغزارة بلا فائدة، و يتزايد ألم عامود النار مع كل نفس، ثم تبرد أطرافك مسرعة تتغشاها غيمة سوداء… أنا أعرف فيم تفكر الآن. تفكر: ” … نعم… لقد فعلتها… و الآن جيراني سيمكنهم الذهاب للانتخابات بلا منغصات”. أليس كذلك؟ لا؟ لا تفكر بالانتخابات حقا؟ أمر عجيب… لماذا يفكر بها الجميع إذاً؟ ربما كنتَ شارداً… فكر ثانية. أنا أعرف فيم تفكر الآن. تفكر: ” الآن ستستقر أوضاع بلادي الاقتصادية، لا شك بأن موتي سيجلب المستثمرين و يدفع بعجلة الانتاج و يرفع إيرادات قناة السويس و البورصة”. لا؟ ليس ذلك أيضاً؟ آه.. يالي من ثرثار… لابد و أن أفكارك الأخيرة من وسط الألم و البرد و زفارة الدم كانت أقصر صياغة. لابد و أنها كانت كلمة واحدة على الأكثر.

“ليه؟”

أنا خارج الآن لأغمس أصابعي في دم من سقطوا. فأنا كغيري… لا أعرف كيف يكون الموت. أنا…

محجوب عبد الدايم

طظ


3 thoughts on “الشك

  1. مؤسف قوي…. ان الدم يكون رخيص…
    و ان حياة اي واحد فينا يبقى ملهاش ثمن، و ان موته ما يبقاش له معنى،
    الا لو حدّ قرر “مسبقاً” انه هيبقالو معنى!
    الزمن ده زمن “السيناريوهات”… كل حاجة بتحصل خارج السيناريو المعدّ مسبقاً ما بيبقلهاش اي وزن و لا اي معنى…
    حتى لو عاوز تفدي وطنك و عقيدتك و مبدأك بدمّك، لازم في الأول تشيّك مع حد من بتوع السيناريو علشان تعرف لو هتموت خسارة ولا لأ!
    لأن ما حدش النهارده بيعرف للموت اي معنى الا معنى واحد: ديكور علشان يكمّل المشهد اللي في حدّ عايزه يتعرض!
    و لو حصل اي موت “خارج السياق” بيبقو بيلتفتوله على استحياءززز ده لو حد التفتله أصلاً!!

  2. هو في حد فينا يقدر يكتب سيناريو وفاته لوحده!
    المفروض تروح لحدّ م الكبار اللي بكتبو السيناريوهات و تسألهم: عندكم مشهد لازمو “شهيد” او “ضحية” او لازمكم تموّتوا حد علشان توصلوا فكرة معينة بيه؟
    يعني المهم ما ننفعلش و نموت نفسنا في اللحظة الغلط… و يروح موتنا على الفاضي!
    سيبك م السخرية السوداوية…
    و بعيد الشر عليك… عندي امل ان انت واللي زيك يعملوا حاجة ايجابية في الحياة!
    يااااااااااااا ربّ!!!

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s