العلم و الإيمان(2) | الَّذِين لَا يُوقِنُون

17

تكلمت في المرة الماضية عن مسألة شعار العلم و الإيمان في تاريخنا الحديث. كان هناك تنظير لابد منه في تعريفات المصطلحات المختلفة المستخدمة في النقاش، و انتقلت من التنظير إلى نتيجة مهمة، و أربع فرضيات منطقية لا تقل عنها أهمية. و بينما كنت أكتب منتظراً ردة فعلٍ تتراوح بين الاستنكار التام و الترحيب الدافئ، كان جُلّ همي أن يحقق ما طرحته حراكاً نقاشياً محموداً كما هو الحال عليه الآن.

بدايةً دعونا نخاطب بعض الادعاءات المبدأية الجاهزة لكي نضعها جانباً قبل أن نخوض في لُب موضوعنا. أنا ما زلت مؤمناً مُسلماً بفضل الله، ولا أعلم كيف تسرب العكس إلى عقول البعض. و إن كان لي أن أتخيل طريقاً فقد يكون محاولتي استخدام لغة تلتزم الحيادية بشكل متزمت و تنطبق ألفاظها على كل المواقف التي يمكن تصنيفها تحت المصطلح المستخدم. فبعض الناس يؤمن بالله بفضله، و البعض الآخر مثلاً يؤمن بماركس، بينما يفضل البعض الثالث أن يؤمن بإعادة تدوير المخلفات لإنقاذ الأرض. و سواء كان أولائك أو هؤلاء، كان على التعريفات أن تشمل الجميع. و لكن يبدو أن الحيادية العلمية تجعلك شخصاً سيئاً نوعاً ما. يعني بما إنه اللي مش معانا يبقى مع الناس التانيين على رأي عمو بوش الكبير.

و كنتيجة مباشرة لذلك، فأنا أيضاً لا أنكر الإعجاز الكائن ( و خد بالك من نص الكلام كويس) في الحقائق الإيمانية، كالقرآن الكريم، تماماً كما أقر بقدسية النصوص المقدسة للديانات الأخرى لدى أصحابها. شيء منطقي أن يقر بذلك كلُّ مؤمنٍ متَّبِع، أليس كذلك؟

أما بالنسبة لتواجد العلم و الإيمان سوياً فأنا أيضاً لا أنكره. كما انني لا أقول بأن أحدهما ينفي الآخر أو يثبته. بمعنى أن العالم الجيد ليس بالضرورة مؤمناً كما أنه ليس بالضرورة ملحداً أيضاً. ينطبق هذا أيضاً على المؤمن الصالح، فهو قد يكون عالماً أو لا يكون. يدفعك هذا دفعاً إلى أن تتبين تمايز الكائنين و وضوح حدودهما بالنسبة لأحدهما الآخر.

ما كنت أطرحه هو أن المرء الحريص سيجد الكثير من الغضاضة في تجرع خليط كيميائي من هذين الكائنين ( الإيمان و الدين عن جانب، و العلم التطبيقي على الجانب الآخر). خليط كيميائي تتماهى فيه الحدود الفاصلة بين المادتين و ينتج عنه الكثير من الهلام الذي لا طعم له. هذا النوع من الرابطة بين الاثنين يذكرني بتعاطي مزيج من التتراسيكيلين مع مضادات الحموضة المحتوية على الكالسيوم أو الألومونيوم — خليط غير مفيد على الإطلاق. على الجانب الآخر كنت أطرح نوع آخر من الروابط. شيء من الميكانيكة المعمارية فيها يرقد كل مكون للحضارة (سواء كان العلم أم الإيمان) في مكانه تماماً محتفظاً بحدوده و قوامه المتميز، مشكلاً رافعة متماسكة قادرة على رفع الصرح المنشود، صرح النهضة.

شيء جميل *بصوت استيفان روستي*

و بما إننا وصلنا بقى للنقطة دي، تعالوا نخوض في مسألة الإعجاز العلمي في النصوص المقدسة بالمرة.

دعونا نتساءل في فضول مشوبٍ بالشك، لماذا نقوم بالبحث العلمي؟ ما هي الدوافع الحقيقة خلف تكريس المرء الباحث عمره و موارد مموليه لساعات من الافتراضات و التجريب المستمر، ثم التعديل و إعادة التقييم، ثم التجريب مرةً أخرى، و هكذا دواليك؟

الأمر كما أراه كالتالي:

إما أن يكون الباحث بصدد كشف لغزٍ عن ميكانيكية عمل الأشياء، أو أنه يعمل على تطوير تطبيقات مبنية على ألغاز كشفت بالفعل. و لكي يحقق الباحث أيَّا من الهدفين عليه أن يبدأ عند نقطة ثابتةٍ دائماً—مشكلة دنيوية.

أنا أتحدث هنا عن البحث العلمي في العلوم التطبيقية و الإنسانية طبعا.

مستنداً إلى تلك المقدمة المنطقية و بالنظر إلى مسألة “البحث العلمي” في تحقيق الإعجاز في النصوص المقدسة بشكلٍ عام نصل إلى فرضيتين مثيرتين للجدل.

فالباحث هنا إما أن يكون مندمجاً تماماً في مسألة البحث العلمي لحل مشكلة دنيوية تماماً، و بينما هو/هي كذلك يتفتق ذهنه عن نص مقدس كان قد قرأه أو حفظه سابقاً، و بما أنه مؤمن تماماً بتمام الحكمة في ذلك النص، فإنه يوحي إليه بالتفكير في الأمر من جانب معين لم يكن قد طرقه من قبل. تماماً كالكاتب يستوحي شخصية جديدة من أحد شخصيات الواقع شديدة التأثير. و هكذا يندس النص المقدس داخل عملية البحث العلمي، كعامل حفاز مثير للتفسير.

هذا، أو أن الباحث قد شدَّ على رأسه عصابة إثبات الأفضلية الدينية في حقل العلم التطبيقي. بمعنى أنه يبدأ بالنص المقدس و يقتله بحثاً و ليَّاً حتى يعطيه شيئاً. أي شيء يغلف و يباع على أنه معجزة ما. النص المقدس هنا هو محور الأمر و لبه و منتهاه. و مسألة حل المشكلة الدنيوية لا تتأتى غالباً. فنحن هنا في مهمة مقدسة للبحث عن معجزة.

بمخاطبة الفرضيتين، وجدت أن أولاهما تبدو رومانسية إلى حدٍ كبير. يعني تتطلب أن يكون الباحث عبقرياً و ذا حسٍ إبداعي مرهف. و شخصيات كتلك هي من الندرة بمكان بحيث لا يتأتى لنا أن نحصل على عينة ممثلة لها للتحليل و التجريب الحقلي. و وجدتني أكثر ميلاً للفرضية الثانية و سأقول لكم لماذا.

السبب الأول سأحتفظ به لنفسي، فهو مستفز حقاً، كما أنه مسألة جدلية غير مهمة بالمقارنة بما يلي. لندلف سوياً إلى الأسباب الأخرى.

السبب الثاني هو أن مجتمعنا الموقر يتمتع بوفرة هائلة من هؤلاء الذين لا يوقنون. هؤلاء الذين يشعرون دائماً نحو معتقداتهم بمشاعر أبوية عنيفة، تدفعهم دفعاً إلى التمسك بصورة طريفة لتلك المعتقدات. صورة يصبح فيها إيمانهم طفلاً هشّاً يحتاج الرعاية و العناية طوال الوقت، لأن الأشرار له بالمرصاد. و لأن هؤلاء الآباء المدّعين يدَّعون أُبُوَّة فوق الاحتمال البشري، فعليهم أن يصبحوا خارقين في ولايتهم و رعايتهم لهذا الطفل. و لهذا تجدهم في بحث متجدد و دائم عن “معجزات” يثبتون بها أقدام أطفالهم. و في أحيان كثيرة يتحول البحث إلى هوس، ثم إلى اختلاق بحت.

و من ثم يتضح أن المسألة هنا أقرب لعلم العقيدة الدفاعي أو الـ(Apologetics) منها إلى البحث العلمي التطبيقي السليم. لأن المنهاج فيها مقلوب.

السبب الثالث أنك تجد أكثر المستهلكين لنواتج عملية البحث العلمي في إعجاز النصوص المقدسة تلك هم أهل الدين موضع البحث. يعني باختصار هي مواد استهلاكية لتكريس مشاعر التفوق (أو الفوقية) الغير حقيقي على طراز “نَحْنُ أَكْثَرُ مِنْكُمْ مَالاً وَ أَعَزُّ نَفَرَاً”. و هذا النوع من الدعوة المُسَاء توجيهها على طرافته (وَعْظ المؤمنين ابتداءً) يحمل نتائج غاية في الخطورة. ليس أقلها على الإطلاق انتشار التواكل و غياب احترام الآخر.

أما السبب الرابع و الأكثر خطورة في نظري؛ هو أن هذا النوع من ” البحث العلمي ” من المفترض أن يكون فرعاً صغيراً عن نهرٍ عملاق و هو البحث العلمي ككل. بطريقة أخرى؛ أين البحث العلمي الذي نقوم به بوجهٍ عام كأمة عربية؟ أين إسهاماتنا الحديثة في الحضارة الإنسانية؟ هل كل ما نسهم به هو محاولات إثبات الإعجاز العلمي في نصوصنا المقدسة و كفى؟ سؤالٌ آخر؛ في العصور التى كانت إسهاماتنا في الحضارة الإنسانية و البحث العلمي تسد الآفاق، أين كان موضع البحث العلمي في إعجاز النصوص المقدسة من الإعراب؟ هل هو بدعةٌ إذاً؟ هل هو أفيونٌ نتعاطاه كيلا نفيق على واقعنا المزري على خريطة البشرية؟ هل هذا هو ردنا على تفوق الآخرين و ازدهارهم؟ الواقع أن الأمم الأخرى لا تعير تلك النتائج أدنى إهتمام. و لكنهم سيولونك كل مسامعهم عند أي بادرة تميز علمي حقيقي، ازدهار اقتصادي، أو نزاهة سياسية.

في المرة السابقة رأينا كيف أقنع دوجلاس إيه ميلتون خلايا البنكرياس اللاصماء الناضجة أن تفرز الإنسولين و كأنها خلايا بيتا. هذه المرة أتاني نبأ باحث في جامعة قرطبة الكاثوليكية يدعى هيوجو دي لوخان Hugo D. Luján في علاقة عجيبة مع الجيارديا Giardia Lamblia. قام الباحث بفك لغز محير عن تعدد الصفة الأنتيجينية للكائن الأولي، مما قد يتيح لنا في المستقبل انتاج أمصال ناجحة لتلك الكائنات الخبيثة سريعة التفلّت من الجهاز المناعي. هل تتساءل عن سر تفلت تلك الكائنات و أشباهها من الجهاز المناعي العتيد؟ هل ستصدم حقاً عندما تعرف أن الحل لم يكن له أي علاقة بالكاثوليكية؟

ابدأ البحث

“فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَ لَا يَسْتَخِفَّنّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُون” سورة الروم الآية 60.

محجوب عبد الدايم


6 thoughts on “العلم و الإيمان(2) | الَّذِين لَا يُوقِنُون

  1. What I like in your analysis Mahjoub is that you do not leave a single bit without discussing it🙂
    God bless you… I like the point of “parental” feeling towards faith, as in my humble point of view, it is very true… And it also applies to the “made up” religious e-mails that KILL ME!!
    Well said as usual friend🙂
    3afya…

  2. لا أعلم ما الذي دعاك لكي تأخذ ذلك الموقف الدفاعي وتقوم بإعلان إيمانك بالله في أول المقال. تعجبت لاهتمامك أصلاً بالذين اتهموك. عمومًا قلما تجد من يحاورك بناءً على معطيات ما تطرحها للنقاش، والأغلبية يحاورنك بناءًا على خلفياتك.

    أما موضوع الاعجاز العلمي في الكتب المقدسة، فهو نوع من توطيد الشعور بعدم فائدة البحث العلمي الحقيقي النافع للبشرية. من منطلق أن فوق كل ذي علم عليم وأن البشرية لن تستطيع الوصول الى أية حقيقة في هذا العالم. وبما أن الله قد جمع العلم كله في كتب أنزلها من السماء على خلقه، فلا يوجد سبب يجعل البشر يبذلون الجهد في سبيل هدف هم غير بالغيه. يعني باختصار، الاعجاز الديني\العلمي هو لبث روح الطمأنينة والدعة والسرور في قلب المؤمن السعيد ولا يوجد داعي إطلاقًا لأن تخرج البشرية من عصر الظلمات لأنه وبكل بساطة، لا يوجد أية نور في آخر نفق الحياة المظلم. النور الوحيد الذي سوف نراه هو في حياتنا الأخرى.

  3. إمبراطوري العزيز يور ماجيستي– و ليه؟ ما نتناقش عادي. أنا بصراحة اتعقدت من مسألة إني أدي وعود بأجزاء جديدة، موضوع الطائفية لسة قاعد يتيم أهوه من ساعة ما قولت هاعمل جزء تاني. ان شاء الله هانشر كده حسبما اتفق. و لو إن فيه مواد ابتدت تتجمع بصدد الموضوع ده جديدة و عاوزة تطلع.

    ناريات– أنا عارف مشاعرك ناحية الموضوع ده بالذات، و باتشاركها معاكي بعمق. ربنا يعيننا و نقدر نعمل أي حاجة على الصعيد ده. لأن الواحد مابقاش عارف يلاقيها منين ولا منين… تسلط الحكومات، ولا جهل المحكومين.

    عزيزي الكاتب الذاتي– لقد طُرِح علي هذا الطرح من قبل، من زملاء و أصدقاء يتشاركون نفس قناعاتي عن الموضوع. عادةً لا ألقي بالاً بالفعل لمعظم تلك الادعاءات الجاهزة، إلا أن الوضع يختلف هذه المرة.

    فأنا أراه تبسطاً مع القراء أكثر منه دفاعاً. و ذلك لسببين:

    أن قراء هذه المادة لم يكونوا فقط قلَّة محظوظة من الخاصة رواد الشبكة العنكبوتية الراغبين في تصديع دماغهم بأسلوبي “شديد الإمتاع و اللطف”. و إنما كانوا طلاباً بكليَّات الطب يعلم الله ما يلاقون كل يوم من… قرف منيل بنيلة.

    أما السبب الآخر فهو أني لم أهدف من طرح هذا الموضوع أن ألقي على القراء نقدي الذاتي لطبائعهم ساخراً من واقعهم، مخبراً إياهم أنهم كائنات دنيا متخلفة، و أنني وحدي استفردت بالحقيقة المطلقة، و النور اللامتناهي. تلك سقطةٌ نسقط فيها بعض الوقت عندنا يفرغ صبرنا مع الآخرين.

    و لكني أردت محاورة عقولهم و دفعهم إلى التفكير و ربما تغيير ذلك الواقع المزري يوماً ما. و لهذا وجب التبسط و مخاطبة النقد، حتى الغير منطقي منه. عليهم أن يعرفوا اني أسمعهم.

    أما بالنسبة لرأيك في مسألة الإعجاز العلمي، فلا أرانا نخلتف كثيراً. لقد كنت أعبر عن نفس الرؤية تقريباً في الجزء الأول من المقال في التدوينة السابقة، لأن المسألة في نظري نوع من المزج السخيف بين كائنات يضر بعضها بعضاً– تماما كالتتراسايكلين و مضادات الحموضة المحتوية على الألومينيوم أو الكالسيوم.
    😛

    دمتم بخير

  4. هيهيي ربنا يحفظك يا بنتي.. إحم إحم

    لا بجد انا غلطان. و الغلط راكبني من ساسي لراسي و ماليش حجج كتير الصراحة… هيه حجة واحدة… انا بس استلمت عمل على بعد حوالي 500 كيلو من البيت… فطبعا ده له بعض التأثير على استقراري العقلي اللي كان محرك للكتابة هنا.. هيهيهي

    ادعي كده اليومين دول اعرف اطلع بحاجة كويسة… أنا في أجازة أسبوع أهوه.. و الله الكتابة وحشتني جداً بس بجد انا بقيت مش عارف اقول إيه لمين على إيه.. ربنا يستر

    وحشتوني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s