حدوتة في يوم إضراب

بسم الله الرحمن الرحيم، نويت إضراب اليوم السادس من إبريل إيماناً و احتساباً لوجه الله الكريم…

بما إني بقى راجل مضرب و ملتزم … و فاضي بشكل وحش، أحب احكيلكم حكاية باحكيها لأم محجوب لما بتبقى سهرانة و مش عارفة تنام. حدوتة قبل النوم…

للتأمين حسابات أخرى

كان ياما كان، في إحدى الممالك القديمة، أتى الخبر عن قومٍ لهم أحوالٌ عجاب…

كان الطبيب إذا تطبب و تخرج، استلم البكاليريوس بيمناه، و البكوية بيسراه. ثم عاش مستكفياً بحالته الاجتماعية الممتازة و هو يبذل سني عمره في الطب و العلاج، في بيماريستانه المقدس.

ثم حدث أن “بقينا من الأحرار”…

و استمر الطبيب الذي لم يعد بَيْكاً عاكفاً على بيماريستانه المقدس… لفترة من الزمان. حتى لاحظ بعقليته المتفوقة أن القوم أصبحوا يقدرون كل ذي مالٍ. و كذلك كُتب على بني الطب و الجراحة أنه من لم يفتتح عيادة فكأنما عاش الدنيا ذليلا، و من فتحها…. انتوا فاهمين بقى.

و العيادات في عرف أهل الطب و الجراحة الغير مكتوب، هي أكشاك ذات طبيعة هلامية تجرى فيها المسألة الطبية على نحو مشابه تماما لبارات الاستربتيز، حيث يقف الطبيب خالعاً الكثير من كرامته و أمانته العلمية و الطبية ليكسب الزبون، ثم ينتظر أن يدس الزبون القطع النقدية في طرف حمالة البالطو بضحكة راضية لزجة. الزبون لم يحصل على شئ، و الطبيب الاستربتيز حصل على المال.

ثم تراكمت الأموال، و تضخمت العيادات فأصبحت مستوصفات. ثم تلفتت المستوصفات، فلم تجد رادعاً… فتضخمت هي الأخرى و أصبحت مستشفيات استثمارية “خاصة”. أخبرني الرجل الحكيم مرة عن أحوال الأموال و ما تفعل. قال أن للثروة كتلة حرجة، إذا ما تخطتها فاعلم أن صاحبها ارتكب فُحشاً ما، و لهذا قال العرب فلانٌ ثري، و فلانٌ فاحش الثراء. و هكذا، حولت الثروة الفاحشة أصحابها إلى أناس فاحشين. أنجبوا أطفالاً فاسدين. و لما لم يستطع الأطفال الفاسدون أن يتعايشوا مع أبناء الرعاع غير الاستثمارين، أنشئت المدارس الخاصة. ثم تساووا مرة أخرى مع أبناء الرعاع، فأنشئت الجامعات الخاصة. و هكذا تخرج الأطباء الخاصة من الجامعات الخاصة، ليديروا المنشآت الخاصة، لعلاج أهل الخاصة.

ثم نظر أحد أتباع الدين الجديد في الكتاب المقدس للرأسمالية و اقتصاديات السوق الحرة، و يالهول ما رأى، و ياللعار… لقد انحرفوا عن جادة الطريق. في الكتاب تنزلت الآيات أن الأغنياء بعضهم أولياء بعض، فلا يبهتون بعضهم البعض، ولا يمتصون دماء مرضاهم. و أن من يتول الفقراء فهو منهم. و أن امتصوا دماء الفقراء هو أزكى لكم. اسقط في يد القوم… إذ كانوا في عصيانٍ شديد. فها هم الفقراء لا يزدادون فقراً، و الأغنياء لا يزدادون غنى… على نحو كاف.

و في أرض الاستثماريين العريقة، اجتمع مجلس حكمائهم. و نظروا نظرة في الأمور، فوجدوا أن السقيم من طائفة العراة إذا ما سقم، اتجه إلى مستشفيات أصبحت كعلب الصفيح التي يعيشون فيها من أثر الإهمال المتعمد. و رأوا أنهم إن أرادوا أن يمتصوا دم هذا السقيم، فعليهم أن يتسللوا إلى هذه المنظومة المغلقة.

و هكذا، دفعوا بكبيرهم و سيدهم ليصبح وزير صحة القوم العراة. ثم خرج الكبير ليعلن على القوم العراة مشروعاً للتأمين الصحي “يحسن الآداء، و يكون في مصلحة المواطن”. في مشروعه المعظم، عادت ضريبة الرأس الرومانية مرة أخرى لتطل برأسها المغبر من أثر الزمان. على كل رأس، ذكر أو أنثى، كبير أو صغير، عامل أو عاطل، فقيرٌ أو أفقر.. تدفع الضريبة إجبارياً، ضريبة تتوقف على “دخل المواطن و ليس مرتبه” كما صرح الكبير. و بالمقابل، يصبح المواطن قادراً على أن يعالج في المستشفيات الاستثمارية و العيادات الخاصة، و بناء عليه، تحصل تلك الهيئات على نصيب الأسد من تلك الضرائب التاريخية. و يزداد الغني غنى، و يزداد الفقير فقرا، و تتدهور حالة المؤسسة الصحية أكثر.. و..

بما أن المستشفى الاستثماري يمكن أن يكون مستشفى تأمين، فالعكس صحيح. يمكن أن يتحول مستشفى التأمين إلى مستشفى استثماري، و يأتي المستثمر “الوطني”، و يشتري المؤسسات التي دفع العراة ثمنها على مدى أكثر من ستين عاماً، مليارات تباع بملايين… انها الخصخصة يا أماه..

أماه؟

في العادة تفقد أم محجوب الوعي عند ذكر البيماريستان…

تصبحوا على خير.

طظ

محجوب عبد الدايم

القاهرة 1930.


8 thoughts on “حدوتة في يوم إضراب

  1. و من العجيب يا بديع الزمان
    أن الحواديت تتشابه باختلاف البلدان
    فكما يحدث عندكم في أرض الكنانة
    فان الأمور في أرض الانباط ليست بفلتانة
    فالمستشفيات الفاخرة ما زالت بأيدي الخاصّة
    و ما فتئت لدماء الفقراء شاربةَ و ماصّة
    و ما لنا و للكلام؟
    فقد طلع يا مولاي الصباح
    و سأسكت عن الكلام المباح

  2. ياه يا محجوب … وجعت قلبى يا اخى كل ده ومش عايز ست الكل تفقد الوعى الله يكون فى عونها ابنها هيبقى داكتور !0

    سعيدة انك رجعت تكتب تانى وآسفة على عدم المتابعة زى ما اكون اخدت على اختفائك ! يا رب نسمع عنك كل خير

    لكن قولى يا اخ محجوب هو إضراب ازاى يعنى !!0

  3. شعب واحد صحيح يا ناريات… هيهي

    هدهد الجميل!! حمد الله ع السلامة… شوفي يا ستي.. أنا ليا تصور خاص شوية عن كلمة إضراب دي

    أنا في رأيي إنه إضراب يعني رسالة موجهه لصاحب سلطة حرامي و ظالم بتقوله بالحرف الواحد “انتا مش سرقتها؟ شغلها بقى ان كنت راجل.. أهي عندك أهيه.” و كان المفروض يحصل إضراب عام و عصيان مدني بنفس المفهوم ده بعد التعديلات الدستورية، لكن الناس كانت متبنجة باين. المهم يعني… فالإضراب بالمعنى اللي انا باقول عليه ده يعني شوارع فاضية… فاضية كحت. مافيش أكتر من كده رسالة تعبر عن مشاعرنا. آدي مصر من غير شعب يا ريس… دورها بقى.

    نجح ولا فشل؟ طيب أنا هاقوللك حاجة… هوه بمفهومي عنه ده يعتبر ما حصلش من أصله. حصلت حاجات سيئة جداً، أنا شخصيا كنت في مستشفى و دخل عليا حالات في الطوارئ مضروبة رصاص مطاطي في الصدر و الدراع و في العين حتى، غير المضروبين ضرب أفضى إلى موت.. كلهم محلاوية. ده كلام؟ ده اضراب؟ ده اسمه استهبال. كمان الإخوان الأمامير ماشاء الله بعد ما كانوا نازلين بتقلهم رجعوا في كلامهم في آخر لحظة لأسباب غير مقنعة، و خلينا بقى ما نقعدش نفسر فيها أكتر من كده. ليهم معايا يوم تاني الإخوان دول.

    فيه ناس هتقول نجح .. و عملنا اللي في دماغنا.. و كلام من ده. جميل.. جميل انه فئة ما تتحد على حاجة و تعملها سوا علشان البلد. جميل بس مش نجاح. النجاح إنه الحاجة دي تتحقق في الآخر.

    فانا مش هاقوللك نجح ولا فشل… هوه ما حصلش أصلاً. الناس ما سمعتش الكلام، و خافت من غير لازمة، و عملوا حاجات غلط، و نزلوا الشوارع بعبط. و ده مش إضراب في نظري.

    هيهي فيه ناس دمها شربات قوي.. الظاهر عجبتهم حكاية القعدة في البيت، فعاوزين يعملوا إضراب تاني يوم عيد ميلاد الرئيس… كادو يعني… يوم 4 مايو… مش بذمتك الشعب بتاعنا ده روحه حلوة و الله؟؟؟

  4. محجوبى العزيز المتألق كالعادة .
    دى أول مرة اعلق على تدوينة ليك بس والله نفسى أعلق على طول بس انت عارف ان الكسل سيد الأعمال ..
    بالنسبة للتأمين الصحى من ناحية المبدأ (بغض النضر عن المسخ التأمينى اللى عندنا) فكرة مش بطالة اطلاقا ..
    يعنى فى أمريكا مش عاجبهم ان معندهمش تأمين , و فى كندا مش عاجبهم ان فى التأمين و الخاص مع بعض .. و فى الصين مش عاجبهم انه فى تأمين بس ..
    ياترى إيه الحل ..؟؟ نأمن و لا مانأمنش ؟

  5. خالد!! هههه الكسل سيد الأخلاق ولا إيه؟؟

    أقوللك يا سيدي… مع احترامنا لأنظمة الدول التانية و كونها مناسبة أو غير مناسبة لمجتمعاتهم و مستوياتهم المعيشية… احنا لينا ايه؟؟ نمشي بالدَّستور… صح؟

    على رأي السادات الله يرحمه بقى… كله بالقانون و الدستور.

    دستور البلد دي بيقول انه الدولة متكفلة بعلاج المواطن مجاناً على نفقتها، و ده حق من حقوق المواطنة. و بما إننا دولة مواطنة بقى… يبقى إيه؟

    يبقى نمشي بالدستور.

    رأيي الشخصي طبعا إنه التأمين شيء منطقي جداً لو انتا عاوز تقول انك دولة محترمة. و رأيي في الممارسة الطبية الخاصة أظن واضح قوي يعني. و كون الدولة غير قادرة على تطبيق معايير جودة معينة، ده لا يعني انها تبيع القارب و تمشي، و تقول المستثمر يشيل البيعة و يعمل فيها على قد ما يقدر. ده كلام فارغ. كلام الناس اللي عاوزة تبيع و تكت. مش كلام الغلابة اللي قاعدين فيها حتى الموت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s