شيء من العفوية

water_tcm6-13904521.jpg

أن تتكلم كثيراً و تكتب قليلاً—يؤلم الحلق، و يصدع الرأس. هذا ما تلاحظ لدينا منذ شغلنا الامتياز المقدس عن النقر على هذه اللوحة.

**

روحنا كاس الأمم الأفريقية، و جينا من كاس الأمم الأفريقية…

       من اللطيف أن تلاحظ الحشد الجماعي و روح القتال المرتفعة في تحقيق الهدف هذه المرة. من المثير أن تلاحظ كيف يتألق المواطن المصري تحت الطرق و السحب و النفخ. يجعلك الأمر تتساءل؛ هل نحتاج حرباً جديدة لبعث الدم في العروق المصرية الميتة و تحقيق نهضة حقيقية؟ همم

        …..

     لا—لا نحتاج حرباً. نحتاج إعلان كوكاكولا. طول عمرنا بنتفرج على كورة و بنشجع المنتخب الوطني و بنتحمس و نشخط و نشد في شعرنا قدام التليفيزيون. لكن عمرنا ما نزلنا قفلنا الشوارع في مصر و سائر دول العالم قال إييييييييييييه؟؟؟؟؟ بنحتفل… اسم الله ع الاحتفالات. المسألة كلها انه اتعمل إعلان، طلع فيه واحد عامل نفسه إفريقي.. بيتكلم بلهجة سوداني، و قال عمال يتكلم عن الجمهور المصري الرهيب، و ازاي انهم بينزلوا ياكلوا النجيلة، و ممكن يعملوا أي حاجة مجنونة و بنت ستين في سبعين علشان بيحبوا الفريق بتاعهم، قوووووم إيه بقى، الناس صدقت. آه و الله، الناس صدقت روحها، و نزلت تعمل فيها دور الجمهور العريق الذي لم يسمع التاريخ بمثله، و سدوا الشوارع و داسوا فوق بعض، و قتلوا بعض بمنتهى الحماس الكروي العجيب. الحماس الذي لا أجد له مصدراً مقنعا، سوى قوة الإيحاء الرهيبة في إعلان كوكاكولا—الراعي الرسمي للمسخرة… قصدي الكورة في مصر.

         …..

       قبل ما نتكلم عن رجوع الأبطال، أحب أقول كلمة في نفسي. لما يبقى عندك راس حربة في منتخب، لعب كل ماتشات البطولة من الأول للآخر، ما جابش جون واحد، ما عملش كورة حلوة، ما اتنيلش على عين أهله و لعب كورة، و لسة بتنزله و تلعبه، يبقى فيه حاجة غلط طحن. لما فريقنا يلعب كل الماتشات بتسع لعيبة بدل احداشر لعيب… علشان راس الحربة الأهلاوي العظيم اللي واقفلنا قدام واقف يلعبلي مع الخصم، و كل ما الكورة تجيله يردها بصدره علينا، ولا عارف يستلم و لا يسلم ولا يتنيل، و سايبينه علشان الأهلي، يبقى يلعن أبو الكورة اللي بالشكل ده. عماد بيه متعب لا له في الكورة ولا في البطيخ، و يستحسن يروح يعمل إعلانات ولا يبقى موديل أغاني عربي. يا عماد بيه—يلعن أبو اللي علمهالك، لأبو اللي لعبهالك، لأبو اللي طلعك تقرفنا بطلعتك البهية ماتش ماتش.

      ……

     خلينا ما نزايدش قدام أبو تريكة، و نقعد نمسكله في الهايفة و اللي مش هايفة، و نسأل أسئلة مستفزة من طراز ماتقولش ادينا إيه لغزة، قول ادتنا إيه غزة؟ و كده.. علشان أبو تريكة بيه قافلها صح، و راسم الشخصية جميل جدا من كل الزوايا. و ده شئ أنا باحترمه بعمق و باقدره بتبجيل.

       ….

      عودة الأبطال المضحكة، و حفلات التكريم الساهرة، و الأموال التي أغدقت يمينا و يساراً يا عمو حسن يا شحاته… شيء يخوف. يخوف علشان الأبطال هيصدقوا… و هيعيشوا في الدور… مع إن الأهم (رياضيا يعني) لسة جاي. و هناخد المنتخب العريق بتاعنا و ننزل تصفيات كاس العالم، و هانطلع من بنين تاني… اصحوا يا… يا أبطال.

**

زمان… مش زمان قوي قوي يعني… من فترة أنا أوعي عليها، كان الولد لما يقول لأبوه “يابا أنا عاوز اطلع لعيب كورة” كان رد الفعل الطبيعي للأب المصري العتيد إنه يقوم عاين إيده في سابع سما، و نازل يرف بيها بقلم سخن على حنطور عين الولد يعدله صماويل مخه اللي فكت. و بعد العلقة السخنة و الشتائم المحبشة، يجلس الأب برجولة بارزة مستفحلة و هو ينفخ بغضب الثيران مبرطماً ” لعيب كورة؟؟ هيه حصلت؟؟”

**

يتضمن عمل الطبيب حديث التخرج تقديم الخدمات الطبية الأولية، و الإسعافات، و التحاليل، و التشخيص و العلاج لمئات المرضى يومياً. و عليه أن يتواجد في مكان العمل طوال فترة العمل الرسمية المقيدة بجدوله، شاملة النوبتجيات الليلية، و العمل خارج الوحدات الصحية في حملات التوعية و التطعيم و الفحص الدوري. يتعرض خلالها لكافة أشكال العدوى و مصادر الموت. عندما لا يذهب الطبيب حديث التخرج إلى عمله، فإن الناس ببساطة… تموت.

**

عندما يصبح السد العالي المصري الذي دفعنا ثمنه من دماء أجدادنا و آبائنا في قناة السويس و حرب 1956 اسم دلع لحارس مرمى المنتخب الوقور السيد عصام الحضري، فإنه عليك أن تتساءل حقاً عما إذا كنا ما زلنا نذكر شيئاً عن تاريخ عشر سنوات مضت.

المهم، يعود السيد المحترم جداً عصام الحضري، ثم يفر إلى سويسرا، ثم يعود مرة أخرى بعد فضيحة إعلامية مفتعلة بشكل يبعث على الغثيان. يعني… من الأشياء التي تجعلك تتساءل… لماذا كل هذه الضجة حول عيد الحب، عيد المرأة، يوم الشهيد…. أيضا حول ” أزمة عصام الحضري”… على إيه ده كله؟ حصل ايه يعني؟

انما بقى اللي يخلي ضبك يخبط في الأرض زي الأفلام الكارتون، لما السيد رئيس الجمهورية بنفسه يتصل بإدارة النادي الأهلي “علشان يخلصوا موضوع الحضري ده بقى، و يشوفوه هوه عاوز ايه و يتعمل”….

لعيب كورة

مع احترامي و تقديري للعب الجميل، في الأول و في الآخر، أنا هاشوف ماتش الكورة، و انبسط و افرح اننا كسبنا، و اقفل التليفيزيون… و خلاص. العالم لم ينتهي، مشاكلي لم تحل، بلدي لم تصبح أفضل أو أقوى، فلسطين لم تتحرر.

كورة… ماتش كورة.

انظر و لاحظ ثم صِل..

لعيب كورة … أزمة…. ضجة مفتعلة… رئيس الجمهورية يتدخل.

**

نقلت صحيفة الدستور في عددها الصادر 4 مارس عن صحيفة لوس أنجيليس تايمز رصدها لأحوال الأطباء في مصر. و ترجمت داليا الهمشري عن الصحيفة تردي الأوضاع المالية و الوظيفية للأطباء، و بخاصة حديثي التخرج، كما نقلت الصحيفة شوية القلق و اللبش و الواغش اللي الدكاترة المصريين كانوا عاملينه الكام شهر اللي فاتوا.

الحدوتة و ما فيها إنه أطباء مصر الأجلاء يطوفون شوارع القاهرة منذ فترة معتبرة من الاعتصامات و الاحتجاجات الرسمية للمطالبة بكادر يحفظ أقل ما يمكن من الحياة الغير كريمة حتى للطبيب. بالمصري كده—بيشحتوا م الحكومة علشان يعيشوا.

و المسألة تطورت لدرجة اننا بقينا على كل لسان، و الأمريكان بقوا بيكتبوا عننا… سمعتنا بقت ما شاء الله في الأوساط الطبية، حاجة تملأ السمع و البصر. تخيل نفسك نازل مؤتمر طبي كده و فرحان بشبابك، و بقيت زمايلك من الدول الأخرى بيبصولك و يتصعبوا و يمصمصوا شفايفهم و يقولوا أوه جاش… هوه ده الطبيب اللي بيشحت.. أوه نو… ادوله حاجة. لاحظ أن الطبيب حديث التخرج مطالب بمصاريف خرافية لإكمال مشواره الدراسي في التخصص و الخبرة الإكلينيكية. من غير ما يفكر في جواز ولا بيت ولا أسرة، ولا الكلام الفارغ ده.

انظر و لاحظ ثم صل…

طبيب… مظاهرات.. اعتصامات.. فضيحة بجلاجل… شحاتة في الشوارع… وزير الصحة المحترم يقول مالكوش عندنا حاجة، و الرئيس ما وعدكوش بحاجة (ملاحظ انتا لهجة الندل اللي غرر بواحدة و غلط معاها و بعدين بيقوللها انا ماليش دعوة؟ ) …. في الآخر “الدكتور” نظيف يقوللنا يللا ياض انتا و هوه.. بلاش لعب عيال، بدل ما نطلعكم خونة و عملاء و نعتقلكم… القانون لا يسمح للطبيب انه يطالب بأي حاجة، لأنه وظيفة حساسة….

و رئيس الجمهورية لم يتدخل.

**

انتوا زعلانين من العيش ليه؟ كلوا آيس كريم؟ بيتيفور؟ جاتو؟ عيش ايه اللي هاتموتوا عليه يا رعاع

**

العيال دول عاجبيني مووووت… ماشاء الله عليهم. الدماغ النضيفة نضيفة. يوما ما أكمل هذا الموضوع.

ملحوظة: قد يكون من العدل أن أذكر أنني لست مشجعاً كروياً مدمناً… همم… لست مشجعاً على الإطلاق. متفرج عادي جداً.

طظ

محجوب عبد الدايم

القاهرة 1930.


2 thoughts on “شيء من العفوية

  1. قريت التدوينة دي من أول يوم كتبتها فيه
    بس مش عارفة ليه لحد دلوقتي مش عارفة أعلق
    احياناً انتَ ما بتسيبش للقارئ أي حاجة يزيدها
    كفيت و وفيت يا محجوب🙂
    تدوينة مؤلمة لواقع مرير…
    معلش!! هييجي يوم!!

  2. طبيعي جدا في بلد يكره شعبها الفعل المضارع
    ويعيش في مراحيض الفراعنة
    انه يقوم ويقعد ويهيوج ويموج علشان +ابوتريكة جاب جوووووووووووووون_+++
    طبيعي جدا ان الهباش البكاش سخصيا يتدخل في احتراف ابناء كفر البطيخ
    مهو بطلن قوميون
    طبيعي جدا اني اطلب عربية اسعاف يوم ماتش افريقيا للكورة الشراب ومتجيش الابعدها بقرن والمريض يتكل علي الله لان الشعب المريض فرحان بخيبته التقيلة
    صحيح يا اخي ناس عيشتها كلها لخابيط والعنكبوت عشش علي الحيط وسرح علي الغيط والحل بسيط حبة تخطيط سوري قصدي حقنة فلاكسيديل لاهالي كفر المصيلحة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s