وداعاً أيها الشندويتش

العملة المصرية في عهد الظلام

وداعاً للشندويتش…

انطلق آذان المغرب يدوي في الآفاق، بذات الصوت الغير واثق الصادر عن الزاوية الصغيرة في طرف ذلك الحي الشعبي المطحون. و بينما انشغل الناس برش الشوارع بالمياه، و ترتيب واجهات المحال الصغيرة استقبالاً لتلك الليلة الباعثة على الانبعاج في ذلك الصيف القائظ، انطلق (على) يحث الخطى باتجاه الفرن الأفرنجي القريب من منزله.

حمل (على) ورقة نقدية من فئة الجنيه في كفه النامية، مبرومة متكرمشة، تحمل الكثير من عرق الذين أضنتهم ليحصلوا عليها، الكثير من طبقات جلدتهم القرنية المصبوغة، و الكثير من التراب الذي علا جباههم، بينما يمسحون بها الأرض تحت أرجل الأسياد ليلقوا إليهم بتلك العملة البالية. لم تحمل ملابسه الرثة جيوباً ليخفي فيها تلك العملة، ولا ذلك الكيس البلاستيكي الأسود، الذي طواه بعناية على عكس العملة الرخيصة. ما بال هؤلاء القوم يحتفظون بالأكياس البلاستيكية باعتزاز يفوق اعتزازهم بالتحف الفنية النادرة!

وقف تحتي تماماً على بعد خطوات من الفرن، يفرد الورقة بعناية ليجعلها تبدو أكثر أهمية. و تقاطرت على رأسه مياه الغسيل المنشور بالشرفة المجاورة و هو يعبرني بتجاهل قبل أن يخطو فوق درجتين من السلم المهترئ و يقف مواجهاً للفرن تماماً و هو يتطلع بتوجس رافعاً عقيرته…

” عم (محمد)!!!! يا عم (محمد)!!!!”

لم يجبه أحد لفترة ليست بالقصيرة، وقف خلالها يتلفت يمنة و يسرة، و انضم إليه طفلين آخرين، يحملان نفس الملامح، و نفس العملات، و الأكياس. ثم سمع صوت خطوات زاحفة في قبقاب خشبي، قبل أن يبرز العم (محمد) من داخل الفرن و قطرات الماء ما زالت تقطر من وجهه المتوضئ.

ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه (علي) و هو يلوح بعملته كالعلم، و يقول:

” يللا يا عم (محمد) بجنيه عيش للشندويتش… عاوزين نروح بقى”

” مستعجل على إيه؟ هيه الدنيا طارت؟” قالها عم (محمد) في حنق و هو يخطف الجنيه من يده و يلقيه في الدرج بلا مبالاة.

” لا ماطارتش… بس احنا واقفين بقالنا سنة يا عم (محمد) إيه؟ بتصلي التراويح؟” ثم أطلق ضحكة طفولية ساذجة قبل أن يردف ” العيش شكله سخن… ارميهولي على طول جوه الكيس بدل ما نتلسوع” و تبع قوله بأن فتح الكيس البلاستيكي على مصراعيه في انتظار احتضان تلك الأرغفة الشهية الساخنة.

التقط عم (محمد) أربعة أرغفة ساخنة و ألقاهم داخل الكيس و هو يحمل ابتسامة لزجة و ينظر لـ(علي) بطرف عينه قبل أن يتوجه لطفل آخر ليأخذ نقوده.

هز (علي) رأسه و هو يحاول أن يفهم، لماذا لم يعطه عم (محمد) باقي الأرغفة حتى ينطلق إلى المنزل.

” عم (محمممممدددددد)!!! مشيني بقى…. لسة ست ارغفة يا عم إنتا “

” ليه؟ انتا مش دافع جنيه؟ “

” آه، و عاوز عشر ترغفة … خلص بقى مشيني “

” الجنيه بيجيب أربع ترغفة يا شاطر… عاوز عشرة؟ هات كمان جنيه و نص “

” و النبي يا عم (محمد) بلاش هزار ماسخ…. خلص بقى، امي هاتستعوقني “

” و انا هاهزر معاك انتا بتاع ايه؟ بقوللك الجنيه بيجيب أربع ترغفة… الدعم اتشال من على الرغيف الفينو يا روح أمك”

” دعم؟ يعني إيه دعم؟ “

” و أنا مال أهلي… روح اسأل أمك و ما تخرمليش دماغي. قوللها الرغيف بقى بربع جنيه، علشان الحكومة لغت الدعم، اللي عاوز عيش أفرنجي يبقى يدفع بالافرنجي يا روح أمك… بطلوا ده و اسمعوا ده… دي أشكال تاكل عيش افرنجي بالذمة؟ يللا ياض غور من وشي… جتكوا نيلة مليتوا البلد”

فغر (علي) فاه ببلاهة و هو يحملق في الأرغفة التي استقرت في قاع كيسه الأسود. ثم رفع عينيه المغرورقتين إلى عم (محمد) الذي لم يكن يعيره الكثير من الاهتمام، قبل أن ينعقد حاجبيه في غضب و هو يحاول أن يسيطر على صوته المتهدج بانفعال

” مش عايز عيش… هاتلي الجنيه بتاعي…”

” خد يا روح أمك ” ألقى عم (محمد) بالجنيه في وجهه و هو يخرج الأرغفة من الكيس على عجل و يلقيهم بجوار أمثالهم على القفص.

رمق (علي) الأرغفة بحسرة، قبل أن يتراجع خطوتين و يعقد حاجبيه في قسوة..

” بس ما تجيبش سيرة أمي”


8 thoughts on “وداعاً أيها الشندويتش

  1. وذنبة ايه العيش البلدى يا معلم ؟؟؟؟

    عموما الحصار الاقتصادى وتجويع الشعب سمة العصر الاسود المهبب ده

    دلوقتى الفلاحين اللى المفروض كانوا بيأكلوا البلد بقوا أحقر الطبقات فى المجتمع ومسلسل ضربهم واحتقارهم مستمر مع تدمير اناجهم ومخزونهم

    وطبعا البهايم اللى اسمهم الطبقات المتوسطة متكلمتش عليهم وتتكلم ليه اساسا ماهى بتاكل وبتاكل وبتخرص

    دلوقتى الدور عليها …..يبدو ان دى عقوبة جماعية اساسا للشعب ده ……عشان فتح بقة واتكلم فى اللى مالوش فية السياسة

    انا رايى العبط او السلفيين اللى بيقولوا الحاكم واولى الامر ماشيين فى سكة الحكومة على الالف …ودول عينة مثالية للتصنيع الحكومى للبلاهة المحلية …..

    احنا اتولدنا باختيار نقول لأ

    خلينا نقول طظ … باللى بيعملوا واللى عملوه هينتجوا اقوى شعب متلاعب ومتحايل فى كل العصور وده اللى هيدفنهم هم وولادهم
    لان اى كان الجيل الجديد مبينساش …..

    خليهم زى ماهم يخنقونا ويحاصرونا ….هنلاقى سكك ونتصرف وناكل ونعيش ربنا مش هينسانا ….. بس برضة هيجى يوم هندوس فيه على رقابهم ورقاب ولادهم ورقاب اللى اشتغلوا معاهم ….

    الزمن الوقت الحياه الضغط الرد
    كله بوقته ….ساعة ماييجى الوقت لن يتورع احد عن هرس احد رجال الحزب الواطى تحت رجله …بغض النظر كان ضحية ولا كان خنزير زيهم

    دكاترة الجامعة الموظفين البيروقراطيين ….

    مش عارف العهد الملكى الواحد كان بياخد فيه حريته عن كده

    خليهم يضغطوا يضغطوا يضغطوا وأحنا قاعدين قاعدين ان شاء الله

  2. حلو… و مؤثر جداً… بس في سؤال مجنني…
    عمّ محمّد بيشخط ف الواد ليه؟ يعني هوّ أحسن بكتير؟ عمّ محمّد ده لو ارتفع الدعم عن البنزين مش العامل بتاع المحطّة برضه هيشخط فيه كده و يشوف نفسو عليه؟ مش هيقولّو برضو: “دي أشكال تركب عربيّات أصلاً؟” و عامل المحطّة لو اتشال الدعم عن الصوف، مش ف الشتويّة برضو بتاع محل الهدوم ها يشخط فيه برضو؟
    ليه احنا مجتمعاتنا كده؟
    الضعيف المتنيّل بنيلة لمّا يلاقي أضعف منّو يروح نافخ ريشه كده و شايف نفسه!
    هيّ سلسلة من القسوة المتأصّلة فينا!

  3. سوء استخدام السلطة لفترات طويلة على شعب ما، أو مجموعة من الناس بتنتج نفسيات مشوهة، نفسيات بيتظهر أعتى مظاهر السادية و الانحراف و استمراء السلطة مع أول لحظات الشعور بالتحكم في رقبة أي شخص مساوٍ ليها…

    فيه حتى تجارب نفسية اتعملت على الحكاية دي… و انا بجد مبهور من النتايج

    الحكاية دي هيه اللي بتخلي عم محمد، و سواق الميكروباص، و ظابط المرور، و الموظف على مكتبه، و عامل الأمن اللي واقف على البوابة،و الدكتور في الجامعة، و بياع الفول و الطعمية يتصرف بالشكل ده مع أي عميل واقف قدامه… شيء قهري للغاية… من الصعب انه يتحكم فيه

  4. موضوع رائع
    وتعليقات متعلقة بالموضوع وده غريب عن المدونات العربية
    المهم طمنى انا دلوقتى بقرى عربى ؟؟؟لا وسياسة كمان؟

    محجوب عبد الدايم أحد القلائل اللى بيسحبونى اقرالهم فى الوسط العربى المايع الماسخ لكل من ضغط زر بلوحة المفاتيح وعمل مدونة

    ههنا الوضع يختلف

  5. لا يا سيدي، عربي و مصري كمان.. و بالحياني يعني لو حبيت

    اخجلتم تواضعنا… و الله يعني فيه ناس مدوناتها أحلى من دي بمراحل

    هيهي عارف و الله يا حمزة، المدونات العربي الكويسة كتير، بس انتا عارف ان الزبد دايما بيربو على السطح كده، و الخير بيبقى مستخبي للي يدور عليه

  6. Rabena ye7meek we yedeek el se7a ya ostaz Mahgoub

    I am one of those “cursed demagoges” who use the internet and computer technology for a living,and i average approximately 20-30 GBs of traffic monthly,so your point of whether the clients will get to choose between the unlimited and limited systems is of life and death importance to me..so thanks for voicing our thoughts through your popular blog.

    PS..e3zorny ya Ostaz Mahgoub we e3zoroony ya shabab 3ashan el english,Wallahy ana nefsy akteb bel 3araby bass seneen fe nezam el ta3leem el fashel beta3na karahetnee fel 3araby we beltaly fekret eny at3alem a type bel 3araby deh lewa7daha mo7’eefa belnesbalee

  7. obba..sorry ya Ostaz ma7goub,ana 3amalt comment fel makan el 3’alat..wade7 eny dost 3ala “back” men 3’air ma2sod 2abl mabtedy akteb..please feel free to delete both posts,

    Thanks for everything ya za3eem gabhet Toz😀

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s