وقيــــقة

مساء الخير

يا أهلا بيكم

في سنة 1949 نشر (جورج أورويل) واحدة من أكثر مضادات اليوتوبيا أو الكاكوتوبيا خلوداً في تاريخ الأدب العالمي، روايته جاءت على رأس مجموعة من الأعمال الأدبية المماثلة، و التي شكلت تفكير شرائح عديدة من المثقفين في جميع أنحاء العالم، بعد أن ترجمت للعديد من اللغات.

أراد الكاتب أن يدعو رائعته ” الرجل/الإنسان الأخير في أوروبا “، لكن اقتراحاً من الناشر بعيد النظر جعله يغير رأيه في آخر لحظة، و يعيد التفكير. و بينما كان الناشر يفكر في رفع معدلات التوزيع، كان(أورويل) يضع أحد العناوين التي صارت الأشهر و الأكثر غموضاً و إثارة للجدل الأدبي و الثقافي في النصف الثاني من القرن العشرين.

1984

تحكي الرواية استشرافاً يعد الأكثر ألمعية لمستقبل النظم الاستبدادية، في عالم انقسم إلى ثلاثة إمبراطوريات؛ أوشيانيا، يوراسيا، و إيستاسيا. (ونستون سميث) بطل الرواية، رجل يعيش في حطام (لندن) و ينتمي للدائرة الخارجية للحزب الحاكم (و الأوحد)، يعمل محرراً (أو بالأحرى مشوهاً) في وزارة الحقيقة.

وزارة الحقيقة هي إحدى أربعة وزارات انقسم بينها العمل في أوشيانيا هي وزارات السلام، الوفرة، الحقيقة، و الحب. وزارة الحقيقة اختصت بشكل أساسي بإعادة تشكيل الواقع و الماضي بحيث يناسب ذلك قرارات الدائرة الداخلية للحزب. و كانت تعمل على ذلك عن طريق إعادة كتابة الصحف، و التي كانت المادة الوحيدة المقروءة بعد تجريم الكتب دستورياً. كذلك كانت تعمل على تحريف اللغة المستخدمة عن طريق الإحلال المستمر و الدائب للغة الإنجليزية بلغة مختصرة مبتسرة، و إصدار قاموس سنوي لجمع تلك الكلمات الجديدة و التي ستزيح عشرات أضعافها عند استخدامها من قبل الجمهور، طبعاً من إجل شل القدرة الشعبية على التواصل و التعبير، إلخ. و من طرائف اللغة الجديدة أن وزارة الحقيقة بدت كلمة ضخمة، و لذلك تمت إزالتها و استبدالها بـ Minitrue و التي ترجمها أحمد خالد توفيق إلى ” الوقيقة “.

لا أعلم لماذا كلما قرأت كلمة الوقيقة أشعر بإيحاءات داخلية في اللفظة. عامة، و بشكل مسطح، عمل الوزارة الأساسي كان استبدال استقبال و وعي الشعب للحقائق العارية البدائية كالمسائل الحسابية المباشرة مثلا (1+4=5) إلى إيمان تام بالواقع الذي يريد الحزب الحاكم أن يقرره (واحد زائد أربعة قد تساوي أي شيء يقوله الحزب، و ليس عليك أن تداهن الحزب و تكذب مظهراً قبول منطقه، بل عليك أن تؤمن بذلك المنطق إيماناً مطلقاً) ببساطة أكثر، تحويل الواقع المفروض، إلى حقيقة كونية.

وقيقة!

الرواية أكثر من رائعة، و لن أفسد عليكم متعة قرائتها أكثر من ذلك، الفيلم على صعيد آخر كان كئيباً بشكل مفرط، عليك أن تتخذ الحيطة أثناء مشاهدته و تبعد الآلات الحادة عن المكان أولاً.

قفزة إلى 2007

يعتبر يوم الخميس 19 يوليو المنصرم أول يوم نسمع فيه عن “إعادة هيكلة أسعار الإنترنت فائق السرعة”، تلقيت مكالمة هاتفية من أحد الأصدقاء يقرأ على الخبر من جريدة الجمهورية، و لما كنت مذهولاً من محتوى القرار العقيم، ذهبت إلى الموقع الإليكتروني للجريدة، حيث وجدت صيغة الخبر لنفس اليوم مختلفة تماماً، كانت أكثر سفوراً و استفزازاً، كما أنه لم يكن بنفس الصفحة التي كان بها في الجريدة، كعادة المواقع الفاشلة. هذا الخبر اختفى الآن تماماً من على موقع الجريدة، و لن تجد له أثراً لو أردت البحث في الأرشيف. نهج الوقيقة المتبع في المواقع الإليكترونية الرسمية أصبح مذهلاً. للأسف لا أملك تلك النسخة من الجمهورية، و لكن قد أحصل عليها يوماً ما.

في اليوم التالي مباشرة و في نفس الجريدة ظهر تصريح آخر أقل حدة و أكثر خبثاً. يرسل بعض التفاصيل و يلوح ببعض الأرقام.

التصريح القابع أمامكم، يذكر فيه السيد عمرو بدوي تفاصيل النظام كما يراها، و كما نراها أيضاً، هو ذات التصريح الذي سيعود و ينفيه بعد سبعة أيام بالتمام و الكمال في لقاء مع الجزيرة هذا نصه.

ونفى بدوي الشائعات التي ترددت حول تحديد عدد الساعات بـ60 ساعة في الشهر، قائلا كان ذلك مجرد مثال ضربته في المؤتمر الصحفي لمن لا يفهمون مقاييس الغيغا وسعة الإنترنت“.

بعد ذلك بليلة تقريباً، و بعد انبثاق موجات الغضب و الحيرة العامة، و بعد الكثير من الإيميلات و المهاتفات، خرج السيد طارق كامل علينا في برنامج القاهرة اليوم لعمرو أديب لشرح القرار العبقري، و بدا أنه لا يفهم القرار أو تداعياته على نحو كان مضحكاً كما كان مخيفاً. لم أر كيف لوزير أصدر قرار أخذ كل ذلك البحث و الدراسات، و استهلك منه كل ذلك الوقت و الجهد ألا يستطيع أن يرد على أسئلة مباشرة و بسيطة كالتي سألها عمرو أديب رداً مقنعاً أو شافياً.

بعدها بالصدفة البحتة، و قعت على خبرين في جريدتين مختلفتين –الدستور و الأهرام- بتاريخ قبل و بعد حلقة عمرو أديب، الخبران يزفان البشرى بإلغاء نظام الساعات، و يحملان إدانة المنظمات الحقوقية للقرار، و وصم الوزارة بالتخبط إلى آخره. الكلام الذي وصفه عمرو بدوي للجزيرة بأنه شائعات، رغم أنه وثق في أكثر من جريدة عن لسانه.

في تلك الأثناء تصاعدت حملة جمع التوقيعات، و وجدت الوزارة نفسها محاصرة بشكل ما، مما اضطرها لإصدار تنويه على موقع الوزارة ليلة الأربعاء 25 يوليو، و كنت قد أضفته في تحديث لاحق لإحدى التدوينات. التنويه الذي حمل المزيد من الغموض و الأسئلة للمستخدم الذي لا يجاب بشكل مباشر عن أسئلته البسيطة، تم نشره معدلاً بالمشرط و المقص يوم الخميس 26 يوليو على جريدة الجمهورية.

التعديلات شملت بعض النقاط، كتوجيه الدعم الجديد إلى المشتركين الجدد، و أشياء أخرى… للأسف الشديد، لا يمكنني الحصول على النص الأصلي للتنويه، فقد تم تبديله على موقع الوزارة بالنص المنشور في الجمهورية. الطريف في الأمر أن الجمهورية وصفت رأي كل من فهم الأمر على أنه رفع للأسعار و تشويه للخدمة على إنه أكثر الآراء تطرفاً. الأكثر طرافة أنني توقعت عناوين التصريحات بشكل مخيف.

ليلة ذلك الخميس، وضعت الوزارة استطلاعاً للرأي على موقعها بعد أن ساد الظن أن المواطن سيكون أكثر تفهماً تلك المرة، لضرب حملات التوقيعات التي حدثت، و استصدار رقم مضحك يلصقه سيادته في وجه أي مذيع في البرامج التي كان قد انتوى أن يظهر فيها بعد أن ظن أن الأمر انتهى.

إلا أنه لم يبد أن المواطن قد ابتلع ذلك الطعم، أو أصبح أكثر “تفهماً” لاقتصاديات السوق الحرة، و الخدمة المضافة و الـ Business Models و ما شابه، فبعد مرور يومين على الاستفتاء، اضطرت الوزارة لرفعه من الصفحة الرئيسية بعد أن صوت ما يربوا على الأربعة و عشرين ألفا من المستخدمين ضد القرار على أساس أنه يخدم مصالح شركات تزويد الخدمة ولا يخدم المشتركين.حتى بعد إعلان أن النظام الجديد اختيارياً صراحة، لانعدام الثقة بين المواطن و مؤسسات الدولة و على رأسها هذه الحكومة. و اختفى الوزير من الساحة الإعلامية لعدة أيام.

يوم الثلاثاء 31 يوليو نشرت الدستور هذا الخبر…

في الخبر، يبدو سيادته و قد شعر بالـ” أزمة” التي يمر بها القطاع بعد القرار الأخير. و يبدو أيضاً أنه يعمل على ترقيع المظهر العام، و إبراز صورة مختلفة عن الواقع. تطور ملحوظ !

ليلة ذلك اليوم و بعد طول انتظار خرج علينا السيد علاء عبد الفتاح بمقاله المطوّل عن فهمه العميق للأزمة، تحدث فيه بفوقية غير معتادة عن نقائص المدونين، و المستخدمين العاديين المذعورين أكثر مما تحدث عن تفاصيل استقرائه لآخر الصور المشوهة عن القرار الأصلي الذي ظل يتبدل و يتغير طيلة ما يربو على أسبوعين. أغلب الظن أنه كان يحلل من منطلق سعة ذاكرة لا تعدو الأربعة و عشرين ساعة.

المحزن فعلاً أن علاء كان من أوائل من اتصلت بهم في محاولتي لاستنطاق المسئولين و إضافة ثقل للحملة ضد القرار، و على عكس من لم يردوا على الإطلاق، كالشركات و الوزارة و غيرهم من المصالح التي أنفقت الكثير للاتصال بها، فإن علاء أرسل لي يسألني عن مصدر “ادعاءاتي” ، و لما أرسلت إليه بشئ من التفاصيل التي كنت أعرف آنذاك، لم أتلق رداً.

مما ساءني أيضاً أن علاء قد ادعى على كل من شارك في تلك الحملة أنهم قد انساقوا بغوغائية خلف الشائعات و لم يتحروا الدقة و لم يسألوا، بينما ارتقى بنفسه عن تلك السقطة التي لا تغتفر. أنا واحد من الناس لم أتوقف عن اللف على شركات الإنترنت و الاتصال بالمصالح التي قد تدلني على أي شئ يطمئن قلبي، حتى أنني دفعت آخر ربع جنيه في جيبي بالأمس أثناء عودتي من إحدى الشركات، مما اضطرني للمكوث في البيت اليوم، حيث لم أملك أجرة المواصلة إلى كليتي. أنا واحد من هؤلاء الرعاع الديماجوجيين، أنا و غيري من اللذين لم يتوقفوا عن التساؤل في الشركات و المصالح. و الذين أعرف منهم شخصياً على الأقل عشرة.

المثير فعلاً أن السيد علاء يتصنع العذر للمسئولين في إجاباتهم القاصرة و تخبطهم الواضح، و يعزو ذلك إلى وقاحة أسئلتنا، و ضغطنا على المسئول. أنا لا أعلم كيف يفكر، و لكن أجبني عن هذا…

أنت في مستشفى، حيث يرقد والدك في حالة حرجة، و العائلة كلها تطالب بمعرفة ما يحدث للرجل، فحاولت سؤال الطبيب، و لكنه لم يجبك بشئ، حاولت ثانية و ثالثة، سألت الممرضات و العمال، أخذت تعض الأرض بحثاً.. و لكن السيد الطبيب أخذ يتلجلج، و يجيبك إجابات مطاطية غير ذات معنى.

ماذا تظن في هذا النوع من الأطباء؟

هل تعذره و تستوقح أسئلتك، و تصبر و تنتظر و تحتسب و أنت تشاهد أباك يرقد طريح الفراش بلا أي اهتمام، ولا أي معلومات؟ أم أنك تتهم الطبيب بالتقصير، و الفشل، و عدم الدراية بأصول المهنة؟

الحملة التي بدأت الآن من تسفيه الذين عارضوا هذا القرار، و الذين حاولوا استقراءه، و استنطاق المسئولين عن تفاصيله الغامضة هي واحدة من الصور العديدة لتأثير الوقيقة في مجتمعنا. نعود، و نكذب أنفسنا، و نصدقهم، و نبتلع الادعاء الأشهر بأننا كنا فقط “واهمين”، و أنه لم يتغير شيء، و أنه لن يتغير شيء.

في الرواية، و بعد القبض عليه من قبل السلطات، يقابل (سميث) صديقاً له من العمل، قبضت عليه السلطات أيضاً بتهمة التفكير بعد أن أبلغ عنه أبناؤه الصغار. جلس الرجل في الزنزانة يبكي، لم يكن يبكي خيانة أبنائه، لم يكن يبكي غرابة عالمه

لقد كان يبكي فرحاً، لأن أبناءه قد أنقذوه، و أبلغوا عنه. كان يبكي نجاته، بعد أن كان قد بدأ ينزلق في الطريق الخطر.. الآن سينقذونه في الحزب.. الآن.

وقيقة!

طظ

محجوب عبد الدايم

القاهرة 1930.


5 thoughts on “وقيــــقة

  1. انتصرنا انتصرنا
    انتصرنا في الحرب المقدسة
    وغدا سندخل اورشليم – GOD Save the King
    ——————————————

    وشكرا ليك يا علاء على انك رجعتنا للطريق القويم
    مش عارفين من غيرك كنا هنعمل ايه
    دانتا طلعت بتفهم اكتر من 27000 واحد قالو لأ لقرار الوزير على موقع الوزارة في التصويت

    كتر الف خيرك وشكرا على انك عرفتنا حقيقة وضعنا
    احنا الحقيقة كنا نسينا اننا حبة غوغاء ومجدفين واننا كفرنا بتعليمات الحزب
    سمعا وطاعه يا سيدي .. حسنا سأفعل
    ———–
    من غير هبل ولا هرتله وجاوب بصراحة

    س:انت فهمت حاجه من القرار الأول ؟
    ج: يعني ايه قرار؟

    س: انت حسيت بأيه لما شفت عمرو اديب بيكلم الوزير على التليفون؟
    ج: سيادة الوزير معاه دكتوراه في ايه بالظبط؟

    س: ايه رأيك النهائي في موضوع النت ده؟
    ج: كتر الف خيرهم الصراحه – كفايه علينا شوفتهم في المواسم

    س: حد فاهم حاجه؟
    ج: اعدمك … ولا انا فاهم
    ——–

  2. انت ابن مين في مصر انت علشان تتكلم عن سيدك وتاج راسك وعمك وعم بلدك كلها سي الأستاذ علاء.
    سي الأستاذ علاء اللي والله لولا ان أنا قريتله تدوينات بتشتم في الحكومة كنت افتكرته سي الأستاذ علاء مبارك.
    علاء اللي تدويناته بتشتم في شعب مصر المتخلف الديمجوجي (الا هو يعرف يعني ايه ديمجوجي؟)أكتر ما بتشتم في الحكومة. وبتحاول توعيكم يا زوي الأيدلوجيات (برضه هو يعرف دي معناها ايه؟) المسطحة.
    يا بتوع الاشاعات
    وبعد ده كله تيجي تغلط في علاء بن زيوس شخصياً يا عبد المحجوب عيب عليك ده أنا كنت فهمك عاقل وواعي أكتر من كده.
    أنا بوعيك ليهبدك تدوينة من تدويناته اياها اللي لفوق التمنتاشر سنة دي ويخلي شكلك وحش وسط المدونين.
    ————————————————

    جامد جداً
    حتى لو هو كلامه صح ما ينفعش حد يتكلم عن بقيت الناس بالأسلوب ده.
    بس نصيحة
    إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من اجابته السكوت
    إذا حاججته خليت عنه وان خليته كمداً يموت

  3. مش ممكن يااستاذ محجوب

    استاذ فعلا

    الربط الممتاز جدا بين الرواية والموقف الحادث الآن عبقري جدا

    وكويس انك ماحرقتش للناس الرواية اكتر من كده علشان يعرفوا يقروها باستمتاع اكبر

    بس الرد ممتاز وفي الصميم ومدعم بالادلة

    لكن هذا برضه لايمنع اننا محتاجين دورات تثقيفية تعلى من شاننا المعرفي اصل شكلنا بقى وحش قوي بين الامم

    هههههههههههه

  4. يا جماعة تاني بس علشان ما حدش يفهمني غلط

    أنا مش بازايد على علاء، و لا بقول إنه بتاع الحكومة و الكلام ده…

    علاء رأيه منطقي و مدعوم بحقائق و تحليل عميق… بس المسألة إنه سيادته معتمد على معلومات لحظية في استباط الرأي ده.. يعني ما تابعش من الأول التفاصيل اللي الناس كانت بتاخدها من بق المسئولين بالقطارة، راح بعد أكتر من أسبوعين، خد اللي فيه الشفا، و رجع يطلع علينا باللي قاله…

    و انا طبعا عندي اعتراض على كده، و حاولت اقوله من غير أباحة

    و ربنا ما يجيب أباحة، لأن الواحد أساسا مش ناقص.

    الرواية يا جماعة أهم حاجة في المقال ده كله… بجد أهم حاجة تدوروا عليها و تقرأوها.

    و نبقى ننظم دورات تثقيفية ان شاء الله.. هيهيهي

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s