الحلقة العاشرة|الموسم الثاني

فتحت (ميراندا) عينيها قبيل شروق شمس ذاك الصباح بابتسامة بلهاء واسعة، و قد توردت وجنتاها على نحو ملحوظ. بقيت مستلقية هنيهة تحملق في السقف الأجرد و كأنها تجتر ذكرى ممتعة، ثم تنهدت بعمق قبل أن تتكور على نفسها و تنسال من فوق السرير ككرة من النباتات الصحراوية تدفعها الرياح برقة. أزاحت الستائر ببطء و هي تتطلع إلى المدينة الناعسة و الشوارع الشاغرة تقريباً من المارة، و تركت ابتسامتها تستلقي في دعة على ركن شفتيها و هي تتدبر المشهد قبل أن تهمس:

“سيكون يوماً رائعاً !”


أعدت لنفسها حماماً معطراً و انهمكت في تدليل نفسها تماماً طوال ساعة كاملة قضتها تستمع لروائع (موزارت) و هي تعد نفسها لذلك اليوم الحافل الذي يبدأ بعد سويعات. اليوم تحصل على تلك الوظيفة التي سوف تسهل لها الكثير أثناء إقامتها بعمان. لم يكن لديها الكثير من الشكوك حول حصولها على تلك الوظيفة، تعلمت منذ وقت طويل أن المقابلات الشخصية للعمل لعبة مسلية لها قواعد، و أن عليها أن تدير هي المقابلة و تتعامل من منطلق المطلوب لا الطالب. تعلمت أن لكل شخصية مفتاح، طالما امتلكته فقد امتلكت صاحب الشخصية، و قد تعودت منذ حداثتها ألا تفقد مفتاحاً واحداً و هي تجمعهم واحداً تلو الآخر. و اليوم تثبت للمرة الألف لنفسها نمطية الآخرين و سهولة توقعهم.

انسلت خارجة من الحمام مرتدية روباً منزلياً أنيقاً. جلست أمام المرآة تتطلع إلى وجهها بعناية و قد تشربت الكثير من الماء حتى بدت نضرة على نحو مبالغ فيه. اخذت تعبث بشعرها يمنة و يسرة في شيء من الشرود، ثم التقطت هاتفها المحمول بعفوية و جرت أصابعها عليه بسرعة قبل أن تتوقف و تلقيه بلا مبالاة و هي تفكر

“مازال الوقت مبكراً “

قامت تعد إفطاراً بسيطاً و جلست أمام الحاسوب و هي تأكل في بطء ثم فتحت أحد الملفات الضخمة و هي تتطلع إليه برضا قبل أن تشبك طابعتها الصغيرة بالحاسوب و تتركه ينقل كل ما بالملف على الورق بتأني.

التقطت هاتفها مرة أخرى و اتصلت بـ(حسام) ، و استلقت على الأريكة تستمع لصوت الرنين الرتيب على الجانب الآخر قبل أن يأتيها صوت نصف نائم:

“مين؟”

” صباح الخير (حسام) “

“صباح؟ ايش هادا؟ كام الساعة؟ و مين بيتحدث ؟ “

” معقول كل هيك نوم؟ و كمان ما عرفت صوتي؟ أنا (ميراندا) يا (حسام) و كان بيناتنا معاد اليوم “

” أووه … صباح الخير (ميراندا) آه طبعاً كام الساعة طيب؟ “

” الثامنة إلا الربع بتوقيت عمان”

سمعت قهقة مكتومة على الجانب الآخر قبل أن يرد

” طيب بنتقابل كمان ساعتين “

“ساعتين؟ منيح.. يادوب. وين؟ “

“بمر آخدك “

“لا بقابلك بره. حدد المكان “

حدد لها المكان بعمان الغربية، ثم أنهت المحادثة معه بلطف قبل أن تستدير مواجهة دولاب ثيابها بابتسامة عابثة. و فتحت فمها هذه المرة لتتحدث لغتها السادسة.

**

وقف (حسام) بردهة المنزل يحاول جاهداً طرد النوم الذي مازال يقاتل للتعلق بأجفانه الباسلة. و أخذ يتعجب من نشاط هذه الـ(ميراندا) و ما إذا كانت تنام كالبشر. فتح عينيه نصف فتحة متفادياً النور المنبعث من النافذة الكبيرة، فلمح خيالات تتحرك و ما لبث أن تبين أنها أمه.

“صباح الخير (هيام)”

” يسعدلي ها الصباح. ما إلك بالعادة، مبكر اليوم”

” وين بابا؟ “

” خرج بكير، بده يخلص شوية شغل قبل ها السفرية “

” طيب، شو ع الفطار”

” سوي فطارك لحالك، أنا مشغولة كتير، بتلاقي ما بتبغي في الثلاجة”

ارتسمت علامات الامتعاض على وجه (حسام) و هو يجرجر ساقيه بتثاقل ليتهيأ للخروج. أخذه الأمر ما يربو على الساعة حتى يلملم شتات عقله و يخرج من المنزل. انطلق بالسيارة شارداً حتى وصل لمكان اللقاء، و هناك ترجل و اتكأ على السيارة في تراخ ناعس. تطلع إلى ساعة يده و اكتشف أنه قد وصل في ميعاده تماماً، و لم يكد يرفع عينيه حتى رأى سيارة (ميراندا) تقترب بتؤدة قبل أن تتوقف عبر الشارع، و تخرج منها (ميراندا) متلفتة حولها.

و استيقظت جميع خلاياه دفعة واحدة، حتى أنها أطلقت ألماً صارخاً في مؤخرة عنقه جعل فكه السفلى تتدلي ببلاهة مضحكة و هو يحملق في هذا الشيء الذي يلوِّح له عبر الشارع.

لم تعقص شعرها ببساطة كعادتها تلك المرة، تركته ينسدل في دعة على كتفيها، و ارتدت معطفاً أبيضاً عملياً و تنورة بيضاء تكشف لأول مرة ساقيها الرياضيتين، و قميصاً أسوداً ذا ياقة عريضة مفتوحة حتى بداية الصدر. وقفت ترمقه من خلف منظارها الشمسي الأنيق و هو يحاول أن يتمالك نفسه. لم تكن تبدو فاتنة فقط هذه المرة، بدت مهيبة بشكل ما. مهيبة و مهددة.

عبر الشارع بسرعة مسلماً عليها ثم اقتادها إلى بناية قريبة حيث تقع شركة والده. وقفا في المصعد جنبا إلى جنب في رحلة علوية تضيق لها الصدور. و ما لبثا أن دلفا إلى المكتب المنعزل. حيث يجلس ذلك الكاتب الفرعوني المظهر راسخاً. طلب منه (حسام) أن يخبر والده بمقدمه و ضيفته، فهب الرجل واقفاً و دلف إلى مكتب (فؤاد) ثم غاب بالداخل.

” يعني ما قلتلي إنه والدك! “

” بتفرق معك؟ “

رمقته بنظرة جانبية صامتة و هي تتفحص المكتب المقبض في هدوء. بدت في راحة نفسية و سكينة عجيبتين مع المكان ،كانت تتذوق صاحب المكتب بعينيها قبل أن تراه، على عكس (حسام) الذي بدأ يتململ بفراغ صبر قبل أن يخرج التمثال البشري من المكتب مومئاً لهم بالدخول.

دلفا إلى المكتب بهدوء، و اتجه حسام مباشرة إلى أبيه الذى بدا منشغلا بقراءة بعض الأوراق. رفع (فؤاد) عينيه ببشاشة يسلم على (حسام) و هو يرمق تلك الوافدة بريبة، و ما لبث (حسام) أن قدمهما لبعض ثم جلس الجمع حول المكتب الصغير.

منذ اللحظة الأولى التي ولجت فيها المكتب التقطت (ميراندا) مفاتيح الرجل ببراعة تحسد عليها. علمت أن قواعد اللعبة مع صاحب هذا المكتب ستختلف كثيراً. الرجل لا يبدو مهتماً بإبهار النساء على الإطلاق. له مساعد يبدو كأصنام حضارات الأزتيك، و منذ اللحظة التي وضعت عينها على الرجل بصلعته الفسيحة و عينيه الماكرتين الحذرتين علمت أنها ستكون لعبة ثعالب. جعلتها هذه الخاطرة الأخيرة تتبسم في جذل واضح، راق لـ(فؤاد) كثيراً. أغرقا بعضهما البعض بنظرات مسبارية كالرصاص كل منهما يتحسس الأخر و يتشممه كثعالب الصحراء.

” (ميراندا)؟ (حسام) عم بيقول انك مغتربة؟ من وين انتي؟”

” بتقدر تقول من اسبانيا.”

“بقدر اقول؟”

” أيوة، متل ما مكتوب بالسي في تبعي”

” و شو عم تعملي بعمان ”

تبسمت بجذل و هي تجيب

“باتفرج”

انطلق فؤاد مقهقهاً و قد راقته روح التحدي في نبرة صوتها.

” بتعرفي لغات؟ “

قاطعها (حسام) متحمساً :

” بتعرف كتير…”

حدجته بنظرة لائمة مستنكرة، و رمقه أبوه بعصبية ، فشعر بوحدة مطبقة، و تمنى لو أنه لم ينطق. بدا كما لو كان طفلاً يقاطع مباراة شطرنج بين اسطورتين دوليتين. حاول نفض الحرج عنه بضحكة ندت منه عصبية متوترة قبل أن ينهض قائلاً :

” أ.. بتعقد اسيبكم تاخدوا و تدوا بالكلام. عندي محاضرات”

” طيب ، دير بالك ع حالك”

“سلام”

انطلق (حسام) مغادراً المكتب كعادة معظم من دخلوه، شاعراً بالراحة لمجرد استنشاقه الهواء النقي. بينما عادت (ميراندا) تحدج (فؤاد) بنفس النظرات المسبارية باحثة عما يخفي خلف هذا القناع المتهالك الذي يحمله و الذي لم ينجح قط في إخفاء عينيه الشيطانيتين.

” كنا بنقول؟ “

” كنا بنقول اللغات مو هيه المشكلة”

“همم.. و شهادات الخبرة؟ “

مدت يدها إلى حقيبتها السوداء و أخرجت ملفاً ضخماً تركته يلطم سطح المكتب بعنف و هي تردف

” ولا هيك برضه مشكلة”

امتدت يده تتصفح الملف الضخم الذي يحمل شعارات العديد من الشركات و الدورات و ارتفع حاجباه في دهشة ممزوجة بالسخرية قبل أن يرفع عينيه ثانية قائلا:

” شكلها مبهر.. شبكة علاقاتك… بس كيف باعرف إنه كل الشهادات صحيحة؟ “

” بتقدر تتصل بكل المصادر، أنا ممكن انتظر”

قالتها و هي تتراخى في الكرسي و ترسم على شفتيها واحدة من أكثر ابتساماتها تحدياً و استفزازاً.

قام (فؤاد) من مقعده متوجها إلى النافذة الضخمة بمكتبه كعادته كلما راودته فكرة أصلية. ثم استدار بمسرحية قديرة و هو يردف بحزم و باسبانية قحة

” انك تروقنني كثيراً، لن أخفي هذا. تروقني تلك الثقة. لن أتصل بأحد”

دار حول المكتب بتؤدة و هو يجتذب غليونه و يفتح علبة من السيجار الفاخر قبل أن يجلس قبلها و يبدأ في إشعال غليونه ببطء و تأمل. ثم سأل بغير اكتراث :

” لم تكوني لتقبلي سيجاراً أليس كذلك؟ “

” لا. قد بدأت تفهمني فيما يبدو”

” و ماذا عن (حسام)؟ “

اطلقت ضحكة ساخرة

“ماذا عنه؟”

” أنا لا أحب أن تختلط المسائل الشخصية بالعمل.”

” (حسام) لم يكن أبداً مسألة شخصية. “

” و متى تبدأين العمل”

” الأمر متوقف عليك ، قد أبدأ غداَ، أو العام القادم. المسألة تتوقف على بكم ستضحي لتحصل على مساعدة مثلي.”

أطلق ضحكة مبتسرة:

” كم تريدين”

” همم .. كل شيء”

” و ماذا تعطينني في مقابل كل شيء؟ “

” كل شيء.”

” شراكة؟ “

” لا، قد تستيقظ يوماً ما ولا تجدني.”

” لا يوحي هذا بالثقة”

” عرف الثقة! “

انفجر ضاحكا بشيطانية فريدة و هو يلوح بإصبعه في جذل.

” تروقينني… تروقينني كثيراً…. يمكنك البدء باكراً، سأسافر لبضعة أيام و ستديرين المكتب بالنيابة حتى أعود ثم نتفق على التفاصيل.”

رسمت ابتسامة ديبلوماسية عريضة على وجهها و هي تصافحه بقوة قبل أن تنصرف بثقة و عيناه تلمعان بشدة حتى كادتا تضيئان الحجرة.

ثم خبت ابتسامته شيئأ فشيئأ و هو يتلقط سماعة هاتفه و يتصل بمساعده

” هاتلي (نعيم)…. حالاً”

” أوامرك (فؤاد) بيك”

**

جلست (داليا) بأحد مقاهي الإنترنت تدعب اللوحة العاصية بأصابعها في تؤدة و صبر و هي تقضي وقت فراغها بين المحاضرات بتصفح مدونتها الأثيرة و تفقد أخبار أصدقائها. أسرعت إلى مدونة (رنا) لتفقد أخبار اجتماع المدونين، و وجدت حماساً من الكثيرين، غير أنه لم يتحدد موعد أو شكل للقاء. عادت أدراجها إلى مدونتها تتأملها بتمعن قبل أن تلحظ ذلك التعليق اللطيف المذيل بـ( د. إيتش). ارتفع حاجباها قبل أن ينعقدا بتشكك و هي تقرأه ثانية و ثالثة. و تساءلت لم تشعر شعوراً غامضاً أن هذا يبدو مألوفاً. قبل أن تنفض الفكرة عن رأسها و تنطلق تطبع بعفوية شديدة و كأنها تحادث صديقاً قديماً:

” هو إنسان طيب المعشر، ميسور الحال، حسن المظهر و المخبر. يشعرني أنني ملكة متوجة، و يكفي أنه أسر قلبي من أول يوم”.

ثم أدخلت التعليق. و توقفت تنظر إليه مجدداً قبل أن تعض شفتها السفلى و كأنها تذكرت شيئأً مهماً

” شو هادا اللي سويتيه؟ هادا مو وصف عشاق، هادا أقرب لإعلان زواج بمجلة مملة، يالك من نمطية! “

و أسرعت تحذف تعليقها و تتراجه بكرسيها للخلف و هي تمعن التفكير قبل أن تتفتق قريحتها عن خاطرة عنّت لها بعفوية مماثلة للأولى، غير أنها بدت أكثر أناقة و تعبيراً عما يجيش بصدرها من مشاعر. و أسرعت تفتح صفحة تدوينة جديدة و تخط كلماتها ببطء شديد و تروٍ:

” ويح المُسائل عن طيف الذي ملك الجنان و خلب لب الروح

كيف الجواب بمن دُرَّتيَّ و مهجتي من فرط حبه قد ملئن قروح

يا سائلي عن فارسي هيهات كلمات موات تسطرن جُلَّ جموحه

رجل إذا ماد الزمان بمهجته حمل الزمان فدك طود صروحه

يا حيرتي فـ…”

انطل هاتفها المحمول في تلك اللحظة قاطعاً حبل أفكارها، حتى أنها سمعت لها صوتا يدوي و هي تسقط داخل رأسها كأنه زجاج يتهشم. التقطت الهاتف بترقب و هي تتطلع إلى رقم الطالب قبل أن ينعقد حاجباها بشدة و هي تقرأ اسم (ميراندا) على شاشته الصغيرة. أسرعت تجيب المكالمة و أتاها صوت (ميراندا) رائقاً مرحاً من على الطرف الآخر:

” (داليا) مسا الخير لعيونك “

“مسا النور (ميراندا) كيفك؟ “

” سعيدة يا (داليا)… سعيدة اليوم عن جد، و بدي احتفل و اخرج… شو رأيك؟ منطلع ها المسا سهرة بناتي؟”

” نطلع ها المسا؟ مــ..”

” بوعدك هتنبسطي. شو؟ عمرك ما طلعتي جيرلز نايت آوت؟ “

“طلعت بـ..”

don’t be a buzz killer! خلاص بقى. بفوت عليكي و مننزل نعمل شوبينج و بعدين بفرجيك اللي عمرك ما شوفتيه”

ثم انطلقت تقهقه بصوت صحو رائق بعث الكثير من الطمأنينة في قلب (داليا) قبل أن تسأل:

” طيب و امتى استناكي؟ وين؟”

” وين انتي؟”

” إنترنت كافيه بالجامعة اسمه (***) “

” بفوت عليكي حالاً”

ثم أغلقت الهاتف بدون تردد.

بقيت (داليا) شاردة لحظات تحملق في الهاتف بتعجب قبل أن تهز كتفيها بلا مبالاة و تعود لتنهمك بصفحتها، و عادت تنهمر أفكارها بغزارة هذه المرة، حتى أنها تعجبت من أثر المكالمة على انطلاق لسانها في الوصف.

” كفاية هيك، باحفظها مسودة بعدين ارجع البيت انقحها”

و ارتسمت على شفتيها ابتسامة راضية.

**

دلف (نعيم) ببطء إلى المكتب الذي سيظل يكرهه ما بقى له من عمر و هو لا يكاد بجرؤ على رفع عينيه إلى (فؤاد) الذي انهمك في محادثة هاتفية بدت مهمة.

” تقرير مفصل؟ امتى بيوصلني؟”

” ….”

” منيح… سلام “

استرخى (فؤاد) في مقعده الوثير و هو يرمق (نعيم) بنظرة ذات مغزى اقترب عن أثرها (نعيم) أكثر و أكثر حتى جلس أمام المكتب صامتاً كالقبر، متحفزاً كالذبابة.

” قوللي (نعيم) بتعرف واحدة اسمها (ميراندا)؟ “

اصفر وجه (نعيم) بغتة و علاه عرق بارد، و هو يحوقل و يستعتب في قلبه و يتساءل من أين للرجل أن يعرف عن تلك الفتاة، و ما إذا كان يعلم أنه يحمل صوراً لها بين أيدي ابنه الوحيد على هاتفه المحمول. تبلع غصة وهمية في حلقه الجاف و هو يومئ برأسه بالإيجاب.

” بتجيبلي تقرير مفصل عن حياتها اليومية، مين بتجالس؟ وين بتروح كل يوم؟ كم شقة بتمتلك؟ قد ايش بتستهلك بنزين بالسيارة؟ كل شي، فاهمني؟”

” بتعرف إنها بتشوف (حسام) بالجامعة؟ و انهم يعني…” و أكمل عبارته بغمزة عين و ابتسامة لزجة لم تكد تتكون على وجهه حتى ماتت و احترقت إلى الأبد بعد ان وقعت عليه تلك النظرة القاسية التي أطلت من عيني (فؤاد).

” أنا بقول تقرير مفصل يا (نعيم). مالك؟ وادانك تقلوا؟ بتحب نسلكهم؟”

امتقع وجه (نعيم) فبدا كحبات الليمون الذابلة و هو يرمق (فؤاد) برعب محيق قبل أن يستدرك الأخير:

” سيبلي انتا موضوع (حسام) هادا، و نفذ اللي أمرتك بيه. تقرير مفصل عن كل همسة و حركة و نفس. لو بتقدر تعرف نوع الشامبو تبعها سجله. تقرير يومي كامل طوال فترة سفري. فهمت؟”

“فهمت (فؤاد) بيك”

” شي أخير… هيه هتدير المكتب أثناء سفري. لو شافتك هون…” ثم تحولت سحنته على نحو عجيب و هو يكمل ” مش راح تشوفك تاني أبداً”

” تدير المكـ..” قطع (نعيم) سؤاله بسرعة قبل أن يزل مرة أخرى و تصبح رقبته في الميزان، ثم أومأ أن كل شيء سوف يكون على ما يرام.

صرفه (فؤاد) بتقزز و هو يدور بكرسيه مواجها الهاتف حيث التقط السماعة بسرعة و أدار رقماً طويلاً ثم انتظر قليلاً حتى استمع إلى رد الطرف الآخر بلكنة شرق أوروبية مؤلمة للآذان

“عندي شخصية بدي استوثق من أوراقها، و على وجه السرعة للضرورة القصوى”

” ابعث بالأوراق على الفاكس، و الرد بيكون جاهز خلال أربعة و عشرين ساعة، مقابل المبلغ المعتاد”

” الأوراق في الطريق. شكراً مقدماً”

” شكراً لتعاملكم معنا”

وضع (فؤاد) السماعة بسكينة و قد علاه رضاً مباغت عن نفسه و هو يستنشق دخان غليونه بعمق مرسلاً كرات ملتهبة من الدخان الأبيض إلى سقف الغرفة المرتفع.

” هيك بنكون عرفنا أصلك و فصلك، باقي نعرف إيش جابك؟ و مين وراكي؟”

و انطلقت أصابعه تضغط زر الاتصال بمساعده الأليف في مهمة أخيرة.

**

جلست (داليا) شاردة حول طاولة الطعام بأحد المطاعم الهادئة بأطراف البلدة تسترجع ما حدث منذ التقت (ميراندا) منذ عدة ساعات، و ما فتئت تجد نفسها متلبسة بابتسامة بلهاء بين الفينة و الأخرى و هي تتذكر موقفاً مسلياً، أو جملة ساخرة ألقتها (ميراندا) على مسامعها بينما كانتا تتسوقان. اعترفت بينها و بين نفسها أنها لم تقابل الكثيرين ممن يتحلون بتلك السخرية اللاذعة، و تلك الروح المرحة. لم تتمالك نفسها من الضحك عندما بدأت (ميراندا) تقلد هذا الرجل الغريب الذي كان بصحبة الدكتور (علي).

رأتها مقبلة من بعيد، تخطو بتؤدة و كأنها تربت على الأرض بساقيها الطويلتين. و تعجبت كيف تبدو مختلفة كثيراً عما تبدو عليه في الجامعة نهاراً. بدت متفردةً للغاية و الشمس تشرق في جبينها عندما أرسلت تلك الابتسامة الفاتنة إلى (داليا) حالما رأتها. ابتسامة معدية على نحو ما، جعلت (داليا) تتبسم هي الأخرى و هي تلوّح ببراءة.

” كنت مفكرة المطعم هون بقدم خدمة أفضل. تصوري ما عِنْهم فرقة موسيقية خاصة! “

” و شو نسوي بفرقة موسيقية.” ردت (داليا) باستغراب.

تبسمت (ميراندا) و هي تعبث بكأسها في شرود:

” فكرة خطرت ع بالي. ” ثم رَنَت إلى (داليا) بسعادة مردفة ” الليلة أنا بقدر أرقص بلا موسيقى ع العموم”

” لها الدرجة؟ يا ترى شو حصل اليوم بخليكي تقدري ترقصي بلا موسيقى؟ “

حدقت إليها هنيهة قبل أن ترد

” فرصة.. ياللي حصل اليوم فرصة و انا اغتنمتها منيح. فرصة راح تخليني ابقى بالأردن كيف ما بدي، و بخليكي تملّي مني”

تبسمت (داليا) قائلة:

” صعب “

” عن جد؟ “

بدأت (داليا) تعبث ببقايا الطعام في صحنها و هي تجيب:

” بعد طلعتنا اليوم، خليني قوللك إنه صارلي سنين ما حسيت بها الانطلاق و الخصوصية ياللي حسيتهم اليوم. و بعتقد إنه الصحبة ساعدتني كتير. أنا استمتعت عن جد اليوم يا (ميراندا) “

ارتشفت (ميراندا) القليل من كأسها في صمت ، ثم هبت واقفة بغتة و هي تبتسم في سعادة:

” يللا قومي نتمشى شوي”

” على وين؟”

اجتذبتها من كفها برفق و هي تلقى برزمة من الأوراق المالية على الطاولة و تجيب بضحكة صافية :

” ما باعرف… “

نهضت (داليا) تتبعها كالمسحورة من أثر ذلك الشعور العجيب بالطمأنينة التي بعثته فيها تلك الضحكة. هبطتا السلم بسرعة قبل أن تتوقف (ميراندا) لحظات تتشمم فيهن عبق الليل الأصيل باستمتاع بادٍ على ملامحها و هي تغمض عينيها بقوة و تتمطأ.

” آآه… بتعرفي يا (داليا)، بكل المدن اللي عيشت بيها، ما بتقدري تعرفي المدينة عن جد إلا بعد ما تسيري فيها ليلاً”

” بالليل بس؟”

” إي.. شوفي بالنهار المدينة دايما لابسة اقنعة، طبقات فوق طبقات، و النور بيعمي العيون، ما حدا بيعرف الحقيقة. المدينة متل أي واحدة ست، ما بتعرفيها إلا إذا شوفتيها بالليل، بحجرة نومها، بتعمل ما بدها من دون التزامات.”

حاولت (داليا) أن تتبين مغزى الكلام و هي تسير بمحاذاة (ميراندا) في الشارع الذي بدا فارغاً أو يكاد،فمدت عنقها إلى الأمام تتشمم هواء الليل، فلم تجد شيئا مختلفاً، مجرد هواء بارد منعش. رمقتها (ميراندا) بنظرة جانبية و هي تضحك في غموض. عقدت (داليا) حاجبيها و هي تلحظ ضحكة صديقتها الجديدة متسائلة:

” شو بضحك؟ أوكي قوليلي عن عمان طالما بتدعي إنك بتعرفي المدن بالليل! “

توقفت (ميراندا) عن السير و هي تجيب:

” انتظري…”

ثم انحنت على ساقيها تنزع حذائيها بروية، ثم تلمست الأرض بقدميها العاريتين و كأنها تتثبت من وجودها، قبل أن تنحني على الأرض و تجمع حفنة صغيرة من التراب في كفها ثم نهضت تتشممها و هي تبتسم.

“شو عم تعملي؟”

” المدن يا عزيزتي بتعرفيها من أرضها. بتعرفي تراب الأسفلت. الأسفلت بيتحدث، للي بيسمع.”

اطلقت (داليا) ضحكة قصيرة و هي تقول :

” و شو قاللك الأسفلت عن عمان”

بدأت (ميراندا) تسير بظهرها مواجهة (داليا) و هي تتحدث قائلة :

” فيه مدن غريبة مغتربة، عمان ماهي منهم. هاي مدينة وطن. مدينتك أقرب للسماء… ها التراب قديم و خليط. تراب نادر، و مهم. بس مدينتك فيها كتير زيف… كتير ادعاء… هاي بتصير مدينة أحزان في يوم”

” مدينة أحزان ؟”

” هاي قدر كل مدينة وطن بتصير هيك يوم… بس يوم”

“مين علمك كل هيك ؟” تساءلت (داليا) بانبهار.

” غجرية … زمان و انا زغيرة…” ثم أردفت بابتسامة عابثة ” و بعض كتب التاريخ المملة.”

انفجرتا تضحكان بعبث لتلك الخاطرة الأخيرة، قبل أن تبدو علامات الجذل على وجه (ميراندا) و هي تسأل:

” بتحبي أعلمك؟”

” شو؟”

” كلام تراب الأسفلت”

أومأت (داليا) أن نعم، فانحت (ميراندا) على قدميها تخلع عنهما الحذائين و هي ترنوا إليها بضحكة مريحة. و ما إن لامست قدمي (داليا) العاريتين الأسفلت البارد حتى سرت في جسدها قشعريرة لاذعة منعشة تسلقت ظهرها من أخمص قدميها حتى مؤخرة عنقها مما جعلها تطلق ضحكة طفولية مرحة و هي تغرس قدميها أكثر بالأسفلت البارد.

عادت (ميراندا) تسير بظهرها مواجهة (داليا) و انطلقت تقص عليها حكايات تراب المدن التي عهدتها. و (داليا) تستمع ولا تسأم أو تمل. كانت تسير و عيناها لا تفارقان عيني تلك الوافدة المريحة، لم تشعر بتلك المشاعر منذ أجل بعيد، و كأن الدنيا كلها تحتفي بوجودها، و كأن الأرض تنتظر خطوتها القادمة بفارغ الصبر لتتبسم. و شملها ذلك الشعور كلي الوجود أنها تقابل شخصاً قد افتقدته لزمن طويل. شخصاً بقي حبيساً منذ أصبحت لا تستطيع أن تسير حافية و ترفع يديها إلى السماء بلا وجل، بلا أعباء أو ثقل. و ها هي ذي تفعلها ثانية، تتسمع أقصوصات المدن البعيدة على نغمات صوت عذب يبدو قديماً، و تتنصل من كل الأقنعة، تتجرد من كل الحُجُب، و تجدها هناك، في نهاية الطريق؛ (داليا) الحبيسة.

بينما كانت (ميراندا) مازالت تسير بظهرها بلا ذرة من خوف، و عيناها لا تفارقان تلك العينين الداكنتين، كانت ترى فيهن الطريق، لم تكونا لتكذبا. ثم ترى فيهن ما لم تره من قبل، لا ليس طريقاً، لقد انتهت الطرق، لقد انتهى الترحال، ترى فيهن وطناً. دافئ هو ذلك الشعور الذي بعثته تلك الكلمة لما دارت بخلدها، لم يكن لها ذات الوقع سابقاً، لم تدر لها معنىً. و كأن يد ناعمة تلمست أسفل ظهرها فاحتضنتها من الخلف، فلم تعد تلق بالاً، و أسلمت ظهرها لذلك الصدر الحاني، لتلك الواحة الآمنة… الوطن.

دارت حول نفسها ترمق الأفق بنظرة مسالمة حانية، و رأته للمرة الأولى أباً، لم يكن يعني لها سوى المزيد من من الغربة، و اليوم يبدو أباً حانياً يحول بينها و بين المزيد من غربة أضنتها فما تركت لها حظاً من سعادة. و بينما هي بتلك الخاطرة، إذ بيد حانية تتحسس كتفها بنعومة و رقة، فاستدارت لتجد (داليا) تحمل ابتسامة ممتنة و هي تقول:

” الوقت سرقنا، اتأخرت.”

***

لمتابعة أحداث الحلقة الحادية عشرة اضغط هنــــــــــــــا


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s