أن تكون عباس قِدرة

 

“تتضمن كلمة الثقافة كمصطلح الأنماط والأعراف و القيم و القواعد و التقاليد التي تبتدعها و تنظمها جماعة ما، فهي عبارة عن مجموعة من المعارف و الاعتقادات و القيم و الأخلاق و العادات التي يكتسبها الفرد في المجتمع أو الجماعة التي ينتمي إليها، كما أنها الانعكاس الذهني لتعامل الإنسان مع الطبيعة و المادة عبر تاريخه الطويل، و تعبير صادق عن أسلوب الحياة في المجتمع.”

(عباس قِدرة) بكسر القاف، إحدى الشخصيات ذائعة الانتشار في المجتمع المصري. و قد يكون أحب الشخصيات إلى عقلية المواطن المصري العادي جداً. (عباس) هو مصري يتمتع بأعتى درجات الفهلوة و الحرفنة، و الجمودية (جامد طحن يعني)، أستاذ صناعة و ابتكار السبوبة (السبوبة لمن لا يعرفها هي أي وسيلة للتكسب السريع بدون إنتاج حقيقي). و (عباس) ذو شعبية كبيرة، ليس فقط لأنه شخصية سريعة الثراء، كثيرة الفوائد، و لكن للغرام الدفين المنزرع في أعماق الشعب المصري لهؤلاء الذين يخدعونه و يسرقونه باستمرار، ذلك الولاء و الانتماء لشخصية الضحية، حتى أنهم يلقون بأنفسهم إلى التهلكة لمجرد إثبات كونهم الضحية المطحونة. المازوخية على قدمين.

(عباس) ينتشر أكثر وضوحا في الأوساط نصف المتعلمة (الطبقة الأعرض من الشعب)، و هذه الطبقة تضم فيما تضم أساتذة الجامعات، و حملة الدرجات العلمية العليا، ثم خريجي الدبلومات الفنية، و الحاصلين على شهادات المعاهد الفنية، ثم الإعلاميين، ثم شيوخ المساجد و قساوسة الكنائس، و أخيراً طلاب المدارس الثانوية بأنواعها المختلفة. و تتنوع أشكال السبوبات التي ينتجها العباسيون تنوعاً مثيراً للإهتمام، بداية من الكتب الدراسية الـ(خارجية) و انتقالاً إلى البرامج التعليمية، و المذكرات، ثم الطب البديل، و شرائط الـ(دعاة)، و محلات المحمول، و مقاهي الإنترنت، و انتهاءً بكتب الجامعات. طبعا بدون ذكر السبوبات الأكبر أثراً في المجتمع يبقى الموضوع ناقص، يعني مثلاً الفضائيات بكل أنواعها، و عضوية مجلس الشعب، و الحزن الوثني، الخ الخ.

لي أخ يصغرني بعام، و بدون الدخول في تفاصيل جانبية، أتاه من يطلب منه طباعة مذكرة في علم الأنثروبولوجي لطلبة قسم الإجتماع بكلية الآداب. ثم جاءه بكتاب القسم، من تأليف استاذتين لا أذكر اسميهما. المهم، و لظروف معقدة، وقعت وظيفة طباعة تلك المذكرات على عاتق العبد لله، و وجدت نفسي بدون سعي مني أجلس مجلس العباس، و ارتكب العباسيات.

 

تجربة رائعة حقاً، أن تكون (عباس قِدرة).

 

فتحت الكتاب، و أخذت أقرأ ما به (عادة ذميمة) ثم تلاحظ لدينا ما يلي:

أولاً: توجد خطوط تحت النصوص المطلوب نقلها في المذكرة محل الافتكاس، و تحدد الخطوط نصوصاً مبتورة غالبا ما تحوي مصطلحات مكررة و مليئة بالإطناب و المبالغة في التمركز حول اللفظة.

ثانياً: حتى النصوص الأصلية بالكتاب تبدو مبتورة جداً عندما تقرأها كاملة، مثلا تجد التبويب الأول يتكون من خمس نقاط، ثم يذكر منها اثنان فقط. أو مثلا تجد نصاً يقول “و فيما يلي شرحاً مفصلاً للمفهوم” ثم تجد نهاية الفصل، و هكذا.

من أولاً و ثانياً تتضح أن العملية العباسية المطلوبة هي تحويل مسخ بشع ضخم الجثة (300 صفحة) هو نتيجة عملية بترعلى مستوي سئ جداً من الحرفية بواسطة اثنتين من أنصاف المتعلمات إلى طفل مسخ أكثر بشاعة (25 صفحة) باستخدام أسلوب أسوأ حرفية و أجرأ على الباطل. ببساطة عملية تركيز و تقطير للبشاعة، لكي يحصل الطالب على أكبر قدر من الإرهاب العقلي قبل الدخول لإختبار القدرة على الاسترجاع (اختبارات آخر العام، و رعب استرجاع اللحظات البشعة المرعبة في قراءة الوحش الصغير).

ثالثاً: في الكتاب؛ احتل الفصل الأخير دراسة ميدانية (بتاعت الست اللي كاتبة الهباب) عن دراسة أنثروبولوجية لإحدى القرى المستحدثة في (مشروع مبارك القومي لشباب الخريجين). و ما كدت أرى عنوان الفصل حتى انقلبت على ظهري ضاحكاً. كنت متأكداً تمام التأكد أن هذا الفصل بالذات سيكون مقرراً بالكامل، و أن يداي على وشك أن تنقرضا من كثرة النقر على لوحة المفاتيح، فالفصل ليس فقط تمجيداً لذات الأستاذة التي قامت بالبحث و ألفت الكتاب كسبوبة لحشر البحث في آخره و الرسم على ميتين أم الطلاب على طراز (مين يعادينا هي هي في أراضينا ها ها)، و لكن الفصل أيضاً يحمل الإسم المقدس للزعيم المفدى و القائد الأعلى، و سليل الآلهة، و موحد القطرين، و باني حضارة مصر الحديثة، سيد العبيد (و ليس سيدي) محمد حسني مبارك.

و تبدأ الدراسة بعرض موقف حكومات مصر المتتابعة من الإصلاح و الاستصلاح الزراعي في مصر، و توضح كيف عشنا عصور الظلام و الانحطاط قبل حكومات الثورة المقدسة، ثم كيف أن حكومات عبد الناصر و السادات… هممم … إه… يعني… حاولت و خلاص. ثم تفرد الدراسة ما يقرب من العشر ورقات لوصف حكمة و بهاء و بعد نظر مبارك، و كيف أنه هو الذي دبر و فكر و هندس و خطط و أنجز و طور، و عمر و خضر، و كيف أنه كان صاحب الرؤية، و صوت العقل، و كيف ضحى و تفانى، و كيف تعب معانا. و أخذت تُنَظِّر لأحقية أن يضع مبارك اسمه على المشروع، و كيف أنه هو من هو، و نحن كلنا عبيد احسانته. لم تكن هناك أي أجزاء مبتترة في هذا الجزء، لم تكن هناك هفوة واحدة، فقصائد الثناء و المداهنة يجب أن توزن بموازين الذهب، في عصر اختلط فيه الغث و الثمين، و فاحت فيه رائحة الضمائر الميتين.

ثم تنتقل الدراسة إلى جزء أقل سماكة من الذي قبله، و تتوسع في شرح الأسلوب الذي اعتمدت عليه الدارسة، و كيف أنها يا عين أمها كانت بتسافر رايح جاي قرية اسمها (قرية أحمد رامي) مركز الدلنجات محافظة البحيرة، تبع منطقة النوبرية المقطوعة، و انها قعدت يا نِني عين أبوها من جوه تروح و تيجي أربع شهور بحالهم علشان تعمل الدراسة الأنثروبولوجية العميقة بتاعت اللي جابوها.

ثم أربع ورقات مكتوب فيهن ما درسته، كلهن كتب عليهن (لاغي) ،كن تتحدثن عن سؤال عميق جداً و هو “هل احضر سكان المجتمع الجديد عاداتهم و تقاليدهم و طريقة معيشتهم في المجتمعات القديمة التي أتوا منها معهم، و لم تختلف طرق حياتهم في المجتمع الجديد عنها في القديم؟ أم أنهم نتيجةً لوضعهم الجديد، و اختلاطهم بأناس من مجتمعات و خلفيات أخرى مختلفة قد كونوا طريقة جديدة للمعيشة، و بصدد تطوير ثقافة جديدة؟!؟!؟!؟!؟”

و في النهاية صفحة واحدة تحوي توصيات الدراسة، و هي لاغية هي الأخرى.

 

 

ثم ينتهي الكتاب.

 

 

و مع نهايته أتوصل للمفهوم الحقيقي للعباسيات. و تتجسد شخصية (عباس قدرة) أمامي زنيمة، رجيمة. و أخذت أسمعه يجادلني باستمراء، و يقنعني بمنطق يشبه كثيراً منطق محمود عبد العزيز في فيلم الكيف. و أخذت أتعلم على يديه ما فاتني و أنا أقضي سني عمري منشغلاً بكلامٍ فارغ عن المثاليات و القيم، و مجتمع العلم و الإيمان، و ترفع “الرجال” عما دونهم، و نخوة البحث، و لذة العرق، و ما إلى ذلك من قصص الأطفال القديمة، التي لا تكاد تقنع رضيعاً في الثانية من عمره في أيامنا الآن.

و تذكرتني في فيلمي الأشهر، و الأوحد و أنا أصرخ في سعاد حسني

” إحنا عايشين في مجتمع وسخ، و اللي بينجح فيه هوه الأوسخ”

 

 

طظ

محجوب عبد الدايم

القاهرة 1930.

 


7 thoughts on “أن تكون عباس قِدرة

  1. يا أخي كتاباتك فعلاً عميقة و بتضرب على اوتار حساسة كتير!
    اظن ان فكل ثقافة في عباس قِدرة بس ضمن معطيات المجتمع نفسه… يعني كل ثقافة فيها عباس بس لابس لبس المجتمع اللي جاي منه… ممكن يلبس بدلة و كرافته و ممكن يلبس جلابية مقطعة… بس هو في الآخرعباس قدرة…
    بيقنعك انو بيشتغل و بيقدّم و بيعمل مع انو ما بيعملش حاجة… و بياخد مقابل على كل الحاجات اللي ما بيعملهاش!

  2. صح!
    و للأسف برضه في منهم كتير… بتفكرني بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الزمان الذي يتكلم فيه الرويبضة…

  3. عم مجحوب واضح انك الكلام حلو والتعليقات جميلة
    بس كبر الخط ابوس ايد الحاج الدايم

    انا جاية تاني كمان شوية تكون كبرته ماشى؟؟

    سلاموز يامعلم

  4. اه بالمناسبة مش خط المدونة

    خط التعليقات

    اصل مينفعش اعلق وانا مش عارفة اقرا انا كاتبة ايه؟؟

    بس سؤال غتت

    انت بتشوف تقرا التعلقات دى؟؟؟؟؟؟🙂

  5. هههههههه… أصلي عملت جمعية مع الحارة كلها علشان أشتري شاشة 19 بوصة استعمال الخارج ماركة (ديل)..

    و الله أنا مش عارف أكبر خط التعليقات ازاي بصراحة… أنا عرفت أكبر خط التدوينات بالعافية

    هدعبس كده و ربنا يسهل

  6. بعد بحث و تمحيص، اكتشفت أنه لا يمكنني تغيير حجم الخط اللعين إلا بعد أن أدفع حفنة من الدولارات لموقع وورد برس العامر… و بما إني يعني بخيل و جلدة، و بموت ع القرش… فمش هاعرف اغير حجم الخط في القريب العاجل للأسف

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s