تغطية إعلامية مِيّة مِيّة

لبنان…

العالم متجسداً على ورقة أرز. و كالعادة، العالم يتطاحن بلا مبرر معقول. و.. بعد حكاية زفت القطران.. قصدي فتح الإسلام (مش عارف و الله الناس دي باين بتتفرج على أفلام عربي كتير) الأخيرة دي، و بتاع تلات انفجارات بره منطقة المعارك حصلت، و البلد مقلوبة…

و بعدين جامعة القلل العربية تجتمع و تطلع بيان طويل عريض شحط محط، علشان تدين و تستنكر و تنفي، و تشكر و تؤيد و تعبر عن ارتياحها … و طبعا ممكن توزع المشاعر النبيلة دي كيفما اتفق على الأطراف التي تراها مناسبة. لذيذة قوي فكرة الجامعة دي.. بتفكرني بجامعتي بالظبط… مالهاش لازمة

أنا بس صعبان عليا عمرو موسى

المهم

و بعدين في فلسطين، إسرائيل بكل براءة تعلن عن نيتها استهداف رئيس الوزراء الفلسطيني (هينة). كده عيني عينك. ولا أعراف دولية، ولا برتوكولات، ولا أي حاجة خالص. عادي طبعاً، العادة تحكم. و بعدين تقعد تقصف في غزة، بعد ما “الإخوة” الفلسطينين بطلوا ضرب في بعض و بيحاولوا يلملموا الجثث و يداروا الجراح. و ما تفهمش يعني كانوا بيفكروا في إيه و هما بيبلطجوا على بعض.. و بعدين يوصلك شعور مرير كده انه أصحاب القضية نفسهم باعوها علشان شوية مناصب قاعدين يتخانقوا عليها زي العيال، و تقعد تفكر و تفكر، و تسأل نفسك، أنا حارق دمي على إيه.. إذا كانوا هما نفسهم باعوها… يا سيدنا مالهموش مزاج ياخدوا أرضهم.. انتا مال أهلك؟ و تعابث الـ(طظ) أطراف شفتيك بإغراء.

و بعدين تبص تلاقي انه فيه مستعمرين إسرائيلين عاملين مظاهرة ضد الحكومة بتاعتهم في مش عارف مستوطنة إيه (إسم مريض زيهم) قال علشان نظام الإنذار المبكر في المدعوقة بتاعتهم ما بيشتغلش كويس. و انهم ما بيلحقوش يا عين أمهم يدخلوا المخابئ قبل ما صواريخ العيد العبيطة بتاعت (حماس) البربرية الشريرة تقع على أسوار مستعمرتهم العامرة الآمنة المسالمة.

و بعدين تروح العراق… و أظن يعني هتتفوا على وشي لو قعدت أوصف اللي كان بيحصل يوميها في العراق. أساساً الكلام يقف عاجزاً جنسياً أمام ما يحدث. يعني الكلام اتخصى لا مؤاخذة في الكلمة (مصطلح طبي برئ).

إيه شعورك لما سمعت الأخبار دي من كام يوم؟

هل فجعت و أصابك الإحباط و اليأس؟ أم أصابتك الحيرة و عدم الفهم؟ أم كان هو الغضب و الحنق الشديد؟ ربما كان الكثير من اللا مبالاة عالية الجودة، و أصناف العته المنغولي المستورد بخيره؟ نظرية المؤامرة هي ما داعب فكرك؟ أم كانت عقدة النقص و تقديس الآخر؟ ماذا حل بمؤشراتك الإحيائية و مزاجك العام؟

في مصر بقى الوضع كان مختلف تماماً

اليوم ده في مصر، الناس كانت صاحية من النوم متكدرة، تحمل وجوههم مزيجاً غريباً من التناحة و الأسى. سيطر الوجوم على الصغير و الكبير. و المصالح كانت ماشية ببطء و الناس كانت حاسة بمقت و ضغط عصبي… أصل انتوا ما تعرفوش المصيبة…

مش الأهلي اتغلب؟؟

آه و الله، لا و من مين؟ الزمالك. اتلب كده 2-0 على قفاه زي الشاطر.

و التيليفيزون المصري بتاعنا وقف مشدوهاً. أصلهم كانوا عاملين حسابهم على أغنية “الأهلي في كل حتة عمال يجيب اجوان” بتاعت العبقرى الكبير (سعد الصغير) و كانوا مظبطين لقاءات مع كبار رجالات النادي الأهلي و دافعين فلوس، و عاملين حسابهم على حملة طويلة عريضة من النفخ في النادي الأهلي و أتباعه (أتباع الدين الجديد) و الحط من قدر نادي الزمالك و أعوانه (قريش و حلفاؤها). و بعدين كل حاجة باظت… حتى المذيع اللي كان بيذيع الماتش كان هيعيط لما الزمالك سجل الهدف الثاني.

المهم، التليفيزيون العبقرى طبعا ابتدى يعدل السبوبة، و بدأ يفسر و يبرر، و يبين و يوضح، و يناقش و يحلل، و يشبه و يمثل كل همسة و حركة في الماتش العبقري….. و بس.

بقيت الأخبار طبعاً كانت عن العائلة المالكة، و ازاي العطاء الغير منقطع ما زال يهطل على أرض مصر المحروسة… الكليشيهات اليومية يعني.

تغطية إعلامية ممتازة، مش كده؟ المصريين على فكرة سمعوا انه فيه بلد اسمها لبنان، لو سألت أي شاب مصري عادي جداً هيقوللك “آه يابني طبعاً، عارفها، دول عليهم شوية مُزَز” طبعا بأثر رجعي من أفلام السبعينات. طب تعرف إيه تاني يا برنس؟ كفاية عليه كده.. “هوه هاينهب؟؟”

هذا هو التفكير الإعلامي المصري العبقري. المعرفة على قدر الحاجة. حاجة النظام، و ليس المواطن. و عليك أن تبقى جاهلاً متجاهَلاً. و عليك أن تحزن و تبكي و تبرر لم خسر الأهلي أمام الزمالك، أو أن تفاخر و تزايد بأن الزمالك قد نال من الأهلي ما نال، و سبى نساءه و أطفاله و قتل الرجال و الشيوخ، و أحرق الأ…حمر و اليابس. هذا هوه ما يعنيك حقاً كمواطن مصري عربي من الطراز الفاخر الأصلي نمرة واحد بريمو.

و الحقيقة أن الحال كان كذلك دائماً، نخرج في مظاهرات و اعتصامات مطالبين برأس وزير الثقافة، ذلك الفزاعة، لأنه قد نال من الإسلام و المسلمين، لكن لا نخرج ضد وزير الاستثمار، أو الصحة، أو الداخلية على الاغتصاب اليومي المتكرر للإسلام و المسلمين و المسيحية و المسيحين و كل الأعراف و الأمثال. نبكي دماً من الرسوم الهزلية في الدانمارك و التصريحات المبتسرة للبابا، ولا تذرف لنا دمعة على الدماء المنهمرة داخل و خارج مصر بلا مبرر يذكر. نتذكر كرامتنا جيداً عندما نشاهد تسجيلا عن الأسرى المصريين المقتولين منذ عشرات السنين، و نتناساها تماماً عندما نشاهد تسجيلات التعذيب المنهجي في أقسام شرطتنا العامرة أو التحرشات الجنسية في منتصف شوارع القاهرة الساحرة. لأنه… لا يهم.. لا يعنينا.

الناس تموت و تنهب و تغتصب يومياً، تعيش الذل و الهوان و الاحتقار في كل لفتة و همسة، السلطة تتسلط، و الحقوق لا تتحقق، و الانتخابات تزور، و الأطعمة تُسَرطَن، و العقول تُسَمَّم، و نحن نغضب من أجل مباراة كرة، و ننفعل على شخصية كارتونية في التلفاز الفلسطيني (فرفور) و ندعوها إرهابية، و نتهافت على اللا معنى ، و اللا شيء.

كنت أجلس في الحافلة أمس بجوار أحد الأصدقاء الأعزاء. أنا رجل مسالم جداً في الأماكن العامة، قد أكون انطوائياً إلى حد بعيد. جلست إحدى الفتيات على مقربة، و يبدو أنها كانت جميلة، لم أكن أنظر على كل حال، كنت منشغلا بقراءة مقال ما.. ثم اخترقت أذني كلمات التحرش السافلة من أحد الركاب، متظاهراً أنه يتحدث في المحمول. في البداية حاولت ألا أعيرها اهتماماً إلا أنه استمر في تلقيح جتته على البنت الغلبانة، و لم يعترض أحد. فصرخت الفتاة في ثورة في السائق لكي يوقف الحافلة، ثم ترجلت بسرعة و هي تسب و تلعن كل من في السيارة بأنبى الألفاظ. ألفاظ لم أكن أتصورها تخرج من شفتى أنثى.

هنا فقط رفعت عيناي عما كنت أقرأ متسائلاً عما يحدث، فوجدت ذلك السافل يجلس بجوار صديق له و قد افتتحا وصلة سواريه في هتك عرض الفتاة و الخوض في شرفها بعد مغادرتها، و كيف أنها منفعلة لأنها كانت متجملة و متأنقة و لكن لم تلق الإعجاب الكافي الخ الخ، و علا الهمز و اللمز، و ارتفعت ضحكاتهم المقززة مثقلة هواء السيارة.

و لم يعترض أحد ممن في الحافلة… لم يبد أحد امتعاضه… لم تتحرك شعرة في رأس رجل واحد من الجلوس.

و للمرة الأولى في تاريخي انفجرت في الرجل في مباغتة كان هولها علىّ أثقل بكثير مما هو عليه. و المثير أن الرجل أخذ يرد على بمنتهى اللجاجة و الوقاحة، حتى أنه طالبني بمغادرة الحافلة إن كنت أوافق تلك الفتاة الفاسقة الداعرة على ما فعلت تعبيراً عن سخطها من إهمال المجتمع حمايتها من التحرشات السافلة التي تعرضت لها في غياب النخوة و الشعور العام بالكرامة، حتى وضعته في حجمه الصرصوري عندما اضطررته إلى قول أنه قد يترك اخته تتعرض لمثل ما تعرضت له الفتاة إذا ما كانت بهذه البجاحة، هنا … و هنا فقط انطلقت أصوات الجالسين تحاول تهدئة الوضع. ابتلعت لساني في وصلة طويلة من الصمت الناري، الذي كاد الرجل يلقي بنفسه من الحافلة بسببه. و عدت أنظر إلى ما كنت أقرأ و قد علت شفتي ابتسامة مريرة…

“الغوغاء قادمون-إبراهيم عيسى”

و…

طظ

محجوب عبد الدايم

القاهرة 1930.

ملحوظة: ابراهيم عيسى ضار جداً بالصحة، و يسبب الوفاة. ممنوع قراءة ابراهيم عيسى أو الدستور في الأماكن العامة و المزدحمة، و يجعله عامر.


5 thoughts on “تغطية إعلامية مِيّة مِيّة

  1. هيهي، و الله ما كان قصدي… يمكن أكون بطل من ورق.

    اللي خلاني انفجر في الراجل اني كنت لسة بقرأ عنه في المقال، أقوم ألاقيه قدامي في العربي، كنت هاتجنن بصراحة… خفت

    ربنا يهدي عباده و يرحمنا بقى من القرف اللي احنا فيه ده

  2. ازيك يا محجوب؟
    هو الكلام دة بيحصل دلوقتى يعنى؟؟طيب و الناس دى بيعملوا كدة لية؟
    طيب احنا لية ما نخدش من كل رجل قبيلة و نروح نحارب العباسيين اللى كتروا لملا ملوا البلد؟واللة انا خلاص فااااض بى.

  3. انا مش عارف اقول اية و اللة؟بس انا هارد بجملة واحدة:احنا فى زمن الوحوش دول ناس ما بيرحموش حوش يا رب حوش.ربنا يخليك يا ريس
    بالمناسبة الغلة وصلت؟؟؟

    الامضاء:
    next generation medical student

  4. شيروووو– أنا؟ نشكر الرب… كويس و الحمد لله

    هههههههههه أيوة يا سيدي، الكلام ده بيحصل دلوقتي يعني، و الناس دول بيعملوا كده علشان مش لاقيين حد يقولهم لأ. لأن الناس ماتت من زمان، و اللي ماشيين على رجليهم في مصر دول عبارة عن شوية زومبي (موتى أحياء)… زي ما قولت كده بالظبط، زمن الوحوش

    ما ينفعش نلم من كل رجل قبيلة، علشان ماعدش فيه لا رجل ولا قبيلة تنفع تتلم، كل واحد بيقولك امشي جنب الحيط، و كل عيش. كأن لقمة العيش المتغمسة بالذل و الهوان بقت لذيذة و هنية بشكل ما.

    أنا كمان خلااااص فاض بيه

    و على فكرة الغلة وصلته، بيقوللك اشترى عفش جديد للواد بعدها، و الأشية بقت معدن، و كله من خيره برضه، مش بقولك عبيد إحساناته؟

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s