الحلقة السابعة|الموسم الثاني

ارتسمت ابتسامة جذلة طفولية على وجنتي (ميراندا) و هي عائدة إلى الجامعة، بعد أن قضت أغلب النهار تتنقل بين مخازن الكتب بعمّان. كانت تسير بصعوبة و هي تحمل نصف وزنها كتباً، و أخذت تتعثر بين الفينة و الفينة، إلا أن ذاك أورثها مرحاً لا حرجاً. رأت أريكةً شاغرةً تلوح بنهاية الطريق، فتحاملت على نفسها و أسرعت كي تلقى بنفسها فوقها، لتسترخي قليلاً.

 

تركت الحقائب المحملة بالكتب تنسال من بين أصابعها بسرعة فوق الأريكة، قبل أن تتكوم هي فوقها مطلقة آهة طويلة خافتة و مادة أطرافها في دعة. أغلقت عينيها بشدة و هي تمد رأسها للأمام. كان منظرها يبدو مثيراً للضحك، و أشياء أخرى. لفت ذلك نظر (حسام) الذي كان يقف على مقربة. فكتم ضحكته و هو يتسلل خلفها بمرح.

 

فتحت (ميراندا) عينيها محدقة في الفراغ هنيهة، ثم فتحت يديها محملقة فيهما باستغراب قبل أن تتمتم بامتعاض

 

“اللعنة”

 

كانت يداها قد تقرحتا بشدة من أثر حملها للحقائب الثقيلة. مدت أصابعها إلى حقيبتها تخرج زجاجة المياه المعدنية التي تحملها معها دائما، ثم بدأت تصب الماء البارد على جروح كفيها برقة. عضت على شفتيها من الألم، ثم أخذت تبحث عن مناديلها الورقية لتضمد تلك التقرحات، ثم ارتسم على وجهها تعبير حانق، إذ اكتشفت أنها علبتها قد فرغت. كانت تهم بتجفيف يديها ماسحة وجهها و عنقها في حنق، عندما سمعت صوتاً مرحاً من خلفها

 

“المكان هادا محجوز”

 

اسرعت تلتفت، فرأت (حساماً) واقفاً يبتسم. رسمت على وجهها أفضل ابتساماتها التي استطاعت انتزاعها من وسط الحنق و الألم و هي تشير إليه بالجلوس

 

“أهلاً حسام، كيف الحال؟”

 

“منيح الحمد لله. شو كل ها اللي حامليته؟ شو مهاجرة؟ ” قالها عابثاً.

 

ابتسمت في مرح و كأنها قد تذكرت شيئاً مسلياً لتوها

 

” لا مش قبل سنة، هاي كتب بدي اقراها من شان الدراسة و الشغل” و بدأت تهز يديها بألم.

 

انعقد حاجباه في قلق قائلاً

 

“خليني اشوف ايديكي”

 

ضحكت عابثة و هي تشير بيديها

 

“لا بسيطة، ضريبة العلم”

 

أسرع يخرج مناديله الورقية و هو يتناول يدها برقة. هاله منظر القروح بكفيها، و أخذ يحاول تضميدها برفق.

 

“كتب ايش اللي تعمل بإيديكي هيك؟ “

 

قبضت على المنديل، ثم سحبت يديها من بين يديه بخفة. قائلة بمرح

 

“خليني افرجيك”

 

ثم نهضت من جواره، و اتجهت إلى آخر الأريكة حيث ألقت الكتب، فدفعت الحقائب أمامها بيديها المتألمتين حتى أصبحت الحقائب في منتصف الأريكة؛ بينها و بين (حسام) ثم جلست و كأنها على وشك التهام وجبة دسمة

 

” شوف، هون كتب مستشرقين زي (روبرت سبنسر)؛ الاتجاه العام المتحامل، و هادول مجموعة (كارين آرمسترونج)، و هاذ بحث عن الشيخ (محمد بن عبد الوهاب)، أما بقى هادول.. آآه.. “

 

قاطعها حائراً

 

” يا الله! كل هادا؟؟ شو عم بتشتغلي؟ مكتبة متنقلة؟”

 

ابتسمت قائلة

 

“باحثة…”

 

هم بسؤال إلا أنها قاطعته

 

“عن عمل”

 

أطلق ضحكة طويلة، بينما تبسمت هي بحرج و أطرقت قليلاً، ثم شردت ببصرها و هي تقول

 

” الحقيقة إني… شو عم توصفوها؟ آه.. على حافة الإفلاس… العيشة هون كتير مكلفة”

 

ابتلع (حسام) ضحكته في حرج و حاول تخفيف حدة الأمر

 

” كم بتحتاجي؟ حتى يجيك مصاري؟”

 

ارتسمت على وجهها إمارات الامتعاض و هي ترد

 

“لا، ما بدي سلف، ولا إحسان”

 

ارتج عليه و لم يدر ما يقول، فبادرته هي قائلة

 

” أنا بدي شغل”

 

تهلل وجهه و بدا كما لو أنه وجد مخرجاً.

 

” و شو بدك تشتغلي”

 

قلبت يديها بلا مبالاة و هي تقول

 

” أي شي.. أنا اشتغلت اشيا كتير برة الأردن.. همم.. أنا باتحدث ست لغات بطلاقة تامة.. الإنجليزية و الفرنسية و الإيطالية، و العربية، بالاضافة للإسبانية و معي شهادة في إدارة الأعمال.. بعتقد انه بمؤهلاتي، سهل انه الاقي شغل، لو صاحب العمل بده شغل”

 

ارتسمت على وجه (حسام) إمارات الارتياح و هو يقول بغموض

 

” انحلت. بس اتزكري تتصلي فيّ بكير، ربنا بقدم اللي فيه الخير”

 

ثم سأل باهتمام

 

” بس ايش اللغة السادسة؟ انتي قولتي بس خمسة لغات”

 

ضحكت بعبث و هي تغمز قائلة

 

” هاي بقولها للي يحطلي الكتب بصندوق السيارة”

 

****

 

صعد (نعيم) درجات سلم المدخل الفخم الذي يقع أسفل تلك البناية الشاهقة بأرقى أحياء عمان بتوجس و قلق اسطوريين. و دلف بسرعة إلى المصعد و هو يعد الأدوار بتململ، حتى وصل المصعد البطيء إلى الدور الرابع عشر. ترجل الفتي من فوره و أسرع يقطع طرقات البناية الفاخرة و هو يلهث حتى وصل إلى تلك الشقة بنهاية الطرقة و التي تحمل لوحة صغيرة أنيقة على بابها

 

“الشركة الوطنية للاستيراد و التصدير”

 

حاول (نعيم) أن يكتم تهكمه، و هو يعدل من ملابسه قبل أن يدفع الباب الزجاجي و هو يتمتم

 

“وطنية صحيح”.

 

دلف إلى حجرة انتظار، قبل أن يظهر رجل طاعن في السن، حياه قائلاً

 

” أهلا يا ولدي، (فؤاد) بيك بانتظارك”

 

تصاعدت أنفاس (نعيم) و هو يدلف إلى ذلك المكتب المهيب. و وقف في منتصفه متضائلاً، و قد هدأ من روعه انبعاث تلك الموسيقى الخافتة من ركن ما، و تلك الرائحة الدخانية العطرة التي تميز التبغ الجيد.

 

” كل شي تم متل ما أمرت، يا (فؤاد) بيك” قالها (نعيم) مرتعداً.

 

إلا أن (فؤداُ) لم يبد مكترثاُ على الإطلاق و هو ينفث دخان غليونه في كثافة متعمدة، و يراقبه في استمتاع

 

” بتعرف يا (نعيم)؟ الناس بتشغل بالها كتير بحاجات ما إلها معني، ولا لازمة. كل واحد بيفكر كتير قوي قبل ما يتخذ قرار، لأنه بيخاف من الفزاعات المجتمعية المضحكة، ايش كلام الناس، و الحق، و الصح و الغلط، و، و…”

 

ثم دار بكرسيه في مكانه قبل أن ينهض متجهاً للنافذة الضخمة التي تملأ جداراً كاملاً مطلةً على عمان

 

” واحد بيحب المصاري؟ شو فيها؟ واحد مزاجه في البنات الزغار؟ ليش بيخاف؟ واحد ما بيعرف يعيش من غير ما يخون مرته، ليش بفكر مرتين قبل ما يعملها؟ ليش بيضيعوا عمرهم بالتردد؟ الواحد لازم بكون أذكى من هيك، أذكى بكتير.”

 

ثم استدار مواجهاً (نعيم) بكيانه الشيطاني الثقيل و هو ينفث أدخنته المقيتة مبتسماً برضا

 

” الوطن، و الشرف، و الأخلاق الحميدة… كل هادي اشيا اخترعها الفشلة، منشان يفسروا فيها فشلهم و يسكنوا بيها اوجاع أنفسهم المحرومة. الجحيم الحقيقي هون، بعمان، و بأي مكان، نحنا بنعمله، و نحنا مندخله، و كمان منقدر ما ندخله. تدخل؟”

 

انتفض (نعيم)، كان كل ما يريده في تلك اللحظة؛ أن ينتهي هذا الموقف الثقيل، كان يقف خانعاً، يستمع إلى تحليل سيده السيكوباتي للأمور، و لم يتوقع أسئلة، و حار بالجواب.

 

انفجر (فؤاد) مقهقهاً و قد راقه موقف (نعيم) الحائر و أرضى الكثير من ساديته، ثم اتجه إلى المكتب بمرح و هو يردف

 

” التردد يا عزيزي، يالها من آفة. همم.. كم مخزن اتأجروا؟”

 

أسرع (نعيم) قائلاً

 

” خمستاعش. أكبر المخازن، و بأطراف البلد كلهم تبعك. و جهزت الـ..”

 

بتر عبارته في رعب و هو يحدق في سحنة (فؤاد) التي استحالت شيئاً مريعاً و هو يردف بهدوء مخيف

 

“باسم مين؟”

 

“باسمي، كل شي باسمي، ما حدا يعرف عنك شي”

 

فترت ملامح (فؤاد) بنفس سرعة اشتعالها و هو يسترخي في مقعده

 

“طيب، روح انتا. لما احتاجك انا بعرف ازاي بجيبك”

 

انطلق (نعيم) مهرولا خارج الكتب و كأنما تطارده شياطين الأرض. وقف في المصعد يقاتل من أجل أنفاسه و هو يحوقل و يستعتب في رعب و كأنما قد بعث من بعد موت. لم يكن هذا لقاءه الأول بـ(فؤاد)، إلا أنه لا يذكر مرة التقيا دون أن يبعث في نفسه هذا الرعب المحيق. لم يكن لديه أدنى شك أن الرجل قد باع روحه للشيطان منذ زمن. لم يكن لديه أيضاً أدنى أمل في الفكاك من حبائله.

 

و بينما كان (نعيم) يفر هارباً أسفل البناية، التقط (فؤاد) سماعة هاتفه مخاطباً مساعده العجوز

 

” بديش ازعاج لمدة ساعة ع الأقل. مفهوم؟”

 

“مفهوم، (فؤاد) بيك”

 

****

 

أعاد (فؤاد) سماعة الهاتف إلى مكانها، ثم فتح حاسبه المحمول و بدأ يداعب أزراره باهتمام، كان لديه الكثير من العمل. الكثير جداً.

 

” الفلوس و بس. ماتحاولش تقنعني بسبب تاني. حياتهم بتتمحور حول نهبه مننا، و حياتنا بتتمحور حول صرفه عليهم”

 

” يا (حسين)، مش كله زي بعضه. المسألة مش بالبساطة دي. أنا شايف انه ده تسطيح”

 

“بالعكس بقى، ده النموذج الإحيائي بتاعك و بتاعهم. أنا مش عارف احنا ليه بنحاول نهرب من الحقيقة و نسميها بأسامي منمقة. بتفكرني بعبارة النيران الصديقة بتاعت أمريكا. هتكسب ايه لما تنكر الحقيقة؟ مشكلتك هتفضل زي ما هيه. و عمرك ما هتقدر تتعامل صح مع الآخرين إلا لما تفهمهم. فاكر (سناء)؟؟”

 

” مش كل البنات (سناء) يا (حسين).”

 

” لا طبعاً، (سناء) كانت غير أي بنت. تقعد معاها، تسمعها بتتكلم في عدالة التوزيع و العصيان المدني، و روح الاشتراكية، و أحقية الجدلية المادية. تغير الموضوع، تكلمك في (شوبان) و تقعد تفسرلك (جوته) و تحسسك انك مهما قريت، مش هاتحصل نص اللي هيه تعرفه عن الأدب الروسي، و تاريخ أوروبا الوسطى. فين (سناء) دلوقتي يا (عبده) تقدر تبقى صريح مع نفسك و تعترف بقى؟”

 

” لسة مش موافقك يا (حسين) على التعميم ده. فين يا راجل عقليتك العلمية”

 

ارتشف (حسين) القليل من الشاي و هو يقهقه، ثم أخذ يسعل قبل أن يردف

 

” التعميم أساس العلم يا (عبده)، ماتحاولش تقنعني أنك كنت تقدر تطلع بقاعدة علمية واحدة من غير تعميم. انتا بتجرب و نتايجك بتعممها. و بس خلاص.”

 

ثم أخذ يضحك ثانية. بدأ و كأنه تذكر شيئاً مسلياً.

 

“هانروح بعيد ليه؟ تعالى أوريك حاجة”

 

أدار جهاز الكومبيوتر القابع بمكتبه بالمستشفى، و ما لبث أن اصبح متصلاً بالشبكة. ثم فتح مدونة (داليا) و أفسح المجال لصديقه لينظر.

 

“شوف يا سيدي، آدي مدونة اهيه من اللي انتو عاملينهالي موضة اليومين دول. واحدة زي أي واحدة. لا و الله، يمكن أكثر تميزاً. شوف المواضيع اللي كاتباها من سنة؟ شيء ممتع بجد. دلوقتي عايشالي قصة حب مفعمة بالبدنجان الاسود. بص بص.. شوف آخر بوست؟”

 

“و بعدين؟”

 

“ولا قبلين، انا قولتلها تحكيلنا شوية عن فتى الأحلام الفارس بتاعها، و ايه رأيك بقى، خمسين جنيه مني، لجنيه واحد بس منك، انه الأمور هيطلع كيس فلوس برجلين.”

 

انفجر (عبده) ضاحكاً و قال

 

” يا سلام، بس كده؟ خلاص يا سيدي، و علشان اثبتلك اني واثق من رأيي، خليهم خمسين جنيه منك.. همم.. لعشرة جنيه مني.. يللا بعزقة ببعزقة بقى.”

 

“عظيم، و اهو تبقى دفعتلي حق توصيلة تاكسي من اللي عليك.. يا تِلِم”

 

انطلقا يضحاكان بمرح، غير عابئين بنظرات الممرضات المريبة. كان (عبده) هو الشيء الوحيد الذي مازال يضع بسمة على وجه (حسين) بعد رحيل والده. و لم يكن ليعبأ بألف ممرضة فضولية، بمقابل أن يجالس هذا النديم الرائع.

 

“(حسين)؟ شوفت الحالة دي؟ “

 

” وريني… همم.. التبرقش ده مش غريب عليا. الواد ده اقل من سنة؟”

 

” أيوة، و مات امبارح. الصور دي من مستشفى الطور.”

 

“همم… اللعنة على الاتهاب السحائي.”

 

“تفتكر؟”

 

“شايف التبرقش العجيب ده؟ و السن؟ بص كمان، فيه تشنجات باينة في وشه و رقبته، مين الحمار اللي كان ماسك الحالة دي؟”

 

“علمي علمك”

 

انعقد حاجبا (حسين) في ضيق، فنهض (عبده) مغيراً الموضوع على الفور

 

” انا نازل المعمل بقى يا (حسين)، هفوت عليك قبل ماروح، ماتنساش مشوار بكرة. انا معتمد عليك! “

 

” إن شاء الله”

 

****

 

دلف (حسام) إلى شركة أبيه بتردد و هو يتلفت باحثاً عن موظف أو عامل، حتى وقع بصره على مساعد أبيه المسن، يجلس كالتمثال على مكتب صغير بالقرب من مكتب أبيه.

 

أسرع (حسام) يسأل الرجل عن أبيه.

 

” والدك مشغول جداً حاليا. بتقدر تستناه إذا معك وقت.”

 

“بستنى”

 

جلس (حسام) متحفزاً ينتظر. كان الجو داخل المكان خانقاً. لم يدم انتظاره طويلاً، إذ ارتفع صوت والده عبر جهاز الاتصال الداخلي يطلب قدحا من الشاي، فلم يتردد (حسام) و قام مقتحماُ المكتب بسرعة.

 

ارتفع حاجبا (فؤاد) بدهشة. ثم تهلل وجهه بالبشر، و هو ينهض مرحباً.

 

“أهلا (حسام) ما الك بعادة؟”

 

“شو؟ بروح اذا بدك؟”

 

انطلق (فؤاد) يقهقه

 

” لا ما بدي، بتقدر تقعد. تشرب شاي؟”

 

“بشرب”

 

“اتنين شاي، و ما بدي ازعاج”

 

جلسا سوياً، لم يكن (حسام) يشعر بالراحة في هذا المكان المقبض. إلا أنه تحامل على نفسه و هو يستمع لحوار لزج مطول مع والده حول شئون العمل و أشياء أخرى تضجره. و انتهز فرصه سانحة ليلقي بسؤاله.

 

“عندي طلب زغير”

 

“أمرك سيدي، شو؟ مصاري؟”

 

“لا مش هيك. هوه معروف”

 

“خير؟”

 

“عندنا زميلة متفوقة و محتاجة شغل، لأنها مغتربة، و.. هيه ممتازة.. و بتعرف ست لغات.. و..”

 

قطع (حسام) حديثه و هو يلاحظ تلك النظرة العبثية التي بدأت تتكون على وجه أبيه. فهمس حانقاً

 

“انسى الموضوع، ماكان لازم اسأل”

 

انفجر (فؤاد) مقهقهاً بعنف و هو يتشبث بذراع (حسام) الذي هم بالانصراف محرجاً.

 

“طيب اصبر عليا طيب. شو؟ ما في صبر؟”

 

“صبرنا”

 

“عجباك؟”

 

“هيك بنرجع للكلام الي ما إلو داعي”

 

” طيب طيب ، اعطيتها كلمة؟” مقهقهاً

 

” أيوة، قولتلها الموضوع انحل”

 

” و انا ما بنزلك كلمة، بس انا مسافر ع الجمعة. تجيبها بكرة، اعملها مقابلة شخصية، و لا يهمك شي”

 

“عن جد؟”

 

“ايوة، أنا بدي حدا يهتم في المعاملات الورقية الأجنبية، و انتا كنت بتقول معاها لغات؟؟”

 

” ستة.. ستة لغات، معاها انجــ..” بحماس

 

” طيب طيب، ايش كل هادا الحماس؟ بنشوفها و بنراضيك. و انا عندي اكم (حسام).”

 

طأطأ (حسام) رأسه شارداً. فانعقد حاجبا (فؤاد) و هو يسأل

 

“شو ها المرة؟”

 

“انتا مسافر كمان مرة؟ انا كنت مفكر انك قاعد اطول من هيك. كان فيه موضوع تاني، و..”

 

“لا، المرة هاي ما فيها تأجيل. ها السفرية بيتوقف عليها شغلات كتيرة. كل شي، فاهمني؟؟”

 

” متل ما بدك”

 

ثم نهض (حسام) متصنعاً الانشغال بمواعيد متلاحقة، فارتسمت ابتسامة مريرة على وجه (فؤاد) و هو يردف

 

“طيب، بس ابقى خلينا نشوفك”

 

****

 

انطلقت (ميراندا) تقود سيارتها الصغيرة ألمانية الصنع بمهارة في شوارع عمان و هي تحمل ابتسامة عابثة على طرف شفتيها الفاتنتين. أوقفتها اشارة مرور مملة، فأخذ رجل المرور يحملق فيها بوَلَه و افتتان. شعرت بالراحة إذ كانت الاشارة تعمل ذاتياً، فلم يكن عليها أن تنتظر ذلك الأحمق كي يشير لها بالمرور. انطلقت مسرعة بجوراه و هي تهمس بازدراء

 

“ياللرجال.. ها”

 

قفزت لقطات سريعة من يومها أمام عينيها و هي تقود، و تذكرت كيف حمل (حسام) حقائبها كخادم مطيع و هو يتعثر في بنطاله الطويل بلا داع. و تذكرت وجهه المتلهف لمعرفة تلك اللغة السادسة، و كيف أنه لم يعرف قط. ثم قفزت بها الأحداث إلى ذلك الـ(عماد)، و أطلقت ضحكة طويلة و هي تتذكر حمقه و لعابه السائل أمامها الظاهر في عروضه الخرقاء و أسئلته المملة. ثم همست في عبث

 

“لغة الجسد عزيزي (حسام) ذاك ما أعرف جيداً”

 

انحرفت في شارع قريب و هي تهدئ من سرعتها، و تفكر بعمق في تلك الفتاة التي ملكت عليها لبَّها و جَنانها مذ رأتها. تلك الساحرة الأخاذة، كم تتوق لتجالسها و تحاكيها. كم تتلهف و تتحين الفرص فقط لتتبادل معها بعض عبارات خرقاء قصيرة. صوتها وحده يأخذها لعوالم لم تحسبها قد توجد. هي ليست كالأخريات. تنهدت في ألم و هي توقف سيارتها بجوار المنزل. ثم هبطت متلفتة حولها قبل أن تدعو حارس العقار ليحمل حقائبها الثقال.

 

أغلقت باب شقتها خلفها بإحكام بعد أن أنقدت الحارس بقشيشا متواضعاً، امتعض له وجه الرجل. إلا أنها لم تأبه له. أطاحت بحذائيها بقوة و هي تخلع بنطالها الضيق بسرعة، ثم قفزت منه قفزاً إلى سريرها البارد الفسيح. و لم تكد تلمسه، حتى احتضنها بعمق و كأنه عاشق مكلوم. استلقت على ظهرها في دعة و هي تحملق في السقف الأجرد. و شردت خيالاتها بعيداً بعيداً.

 

“يالها من فاتنة، تلك العربية”

 

همست لنفسها بعبث. و اغمضت عينيها بقوة و ذلك الوجه الفاتن لا يغادر مخيلتها، و ألف لفتة و حركة تضني نياط قلبها كألف سوط، يلهب ذاك الفرس الرابض بصدرها ليعدو و يعدو. ذلك الجسد المتأود باستحياء، و ذاك الوجود الضاغط، كانت تلمع كألف شمس، و يفوح عرقها عطراً دفيناً، قديماً عبقاً لابد و أنه الذي ألهم (زوسكيد) رائعته (العطر). تلمسها عفواً فتذوب أطراف أناملها وَلَها ً. لها ضحكة صافية كعين عذراء، ضحكة لها لون المد، و طعم الخمر. كورق القنب هي؛ رشيقة، وفية للغصن، غضة ندية في الصباح، محتقنة عند الظهر، و مذهبة للعقل طوال الوقت.

 

أرهقها الاستجداء، و أعيتها الحيل، فلم تعتدهما قبلاً. لم يورثها أحد قط ذلك الشعور الملحمي باستنكار الذات، بالاحتياج. فكرت بألف طريقة لتكسب ودها، إلا أن تفكيرها كان دائما يشوشه تهافت قلبها، لذلك الوجه الفاتن، و تلك الروح الجذابة كزوبعة صحراوية، بل كإعصار متوسطي. تبسمت في لذة و جذبت حاسبها المحمول من جوارها و شرعت تكتب بمرح

 

“الرجال، تلك اللعب المقززة المفيدة: عشرة أسباب لم لا نحتاجهم.”

 

ثم استلقت على ظهرها في موجة طويلة من الضحك الهستيري، كانت تضحك و كأنما هي تنتحب، و كأنها تتطهر من ذاك الشبح الداكن، ذاك الجاثوم الكامن فوق ضلوع الصدر. انسالت دموعها تحمل ذاك البلل الجاف الأجاج، ذاك الوسط السحري، حيث يذوب الفرح ممزوجا بالألم و اللذة، و تعاسة الوحدة و لوعة الاشتياق. و تقطعت ضحكاتها الأشبه بالبكاء رويداً رويداُ، قبل أن تهمس في شغف

 

” آه لو تقرئينني مثلما أقرأك، لو ترين داخلي مثلما أراك. آه يا (داليا)! “


2 thoughts on “الحلقة السابعة|الموسم الثاني

  1. الف مبروك و عتبة خضرا ان شاء الله و تزينه بالعروس

    انا هقرا بعدين اما اروح اعدل اللينك عالمنشر عشان الحبايب

    بس كيف و انا اجيب لك السعر اللي هوة؟

    (انت قول انا الي توسطت في البيعة عشان يعني ازيد عدد المستثمرين الاجانب

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s