والدي الـ إتْفٌوّ

 


الطظية ذات طابع خاص جداً، و أعاهد الله أن أقولها له كاملة إذا اتيحت لي الفرصة.

والدي العزيز… سابقاً

دعوتك والدي حقاً. لم أعرف لي أباً سواك. و منذ نعومة أظفاري، كانت صورتك الأشهر و أنت ترفع العلم هي أول ما استطاعت عيناي المترددتين التقاطها من على شاشة تلفازنا القديم. كانت والدتي تصفق حقاً في جذل و ابتهاج، إذ تراني أتأتئ

” أُوسني مُبالَك”

ثم كبرت قليلاً

و أثناء المرحلة الإبتدائية، كنت أحير الأساتذة بأسئلتي المتكررة عنك، و باهتمامي الزائد لكل ما تقول و تفعل. حتى أن موجه الدراسات الاجتماعية قد أصابته ريبة شديدة عندما كنت أحدثه عن فترة السماح و المشاريع الصغيرة التي كنت تعد بها، حتى غمزه مدرسي الأثير(مدحت) قائلاً ” أصل (محجوب) ده ولد سياسي”. ثم ارتسمت على وجهيهما إمارات الفهم، مع ضحكات غامضة مريرة.

أصابني الكثير من الفخر ذلك اليوم. و صرت مزهواً بين أقراني. كنت أروح و أغدو دارساً لكل ما تصدر من قرارات، و كل ما يحدث من حولك. مؤمناً تمام الإيمان بعبقريتك الفذة، و مواهبك الصارخة، التي عبرت بنا إلى شاطئ الأمان… إلى النصر، في فترة مظلمة كاحلة، من التعتيم الإعلامي الحديدي، من طراز “كل بلاد الدنيا جميلة، لكن أجمل من وطني لا”.

كنت قد درستك و حفظتك كما ينبغي لطالب المدرسة الابتدائية الأميرية المجتهد أن يفعل بمواده الأساسية. لقد كنت مادتي الأساسية.

ثم كبرت قليلاً… مرة أخرى

بدأت أشعر برجولتي تزحف على وجهي في شكل زغب كثيف. يالفرحتي، قد أصبحت رجلاً، لا يمكنك تخيل مدى سعادتي عندما حلقت ذقني للمرة الأولى. كنت أرتجف نشوة. ظننت أنه أعظم ما يمكن أن أنجز. و بدأت أتمرد…

كنت ولدك كما ينبغي. كنت متعصباً لك إلى أقصى الحدود. حتى أن أبي الذي أعطاني اسمه، كان يعاني الأمريَّن و هو يحاول من قريب أو بعيد نقد أحد قراراتك الحكيمة. لم يكن لينجو من لساني الصلت، و كأنه قد قُدَّ من لجاجة و جدل. أبهرت ذلك الرجل المسن، لم يخف إعجابه الشديد بابنه اللبق، إلا أنه طالما تمنى أن أحظى بالقليل من التفهم. مسكين هذا الأب. لم يكن يعي مقدار تعلقي بك. و كأنه كان يغار. أحسبه كان كذلك، ولا ألومه مثقال ذرة.

ثم حدث أن كبرت كثيراً هذه المرة… كثيراً جداً

خرجت للدنيا باحثاً عما قرأته في الكتب و رأيته في التلفاز عن منجزاتك، و معجزاتك. كنت متأكداً منها تأكدي من وجود الآخرة. لم يكن ذالك غيباً أبحثه، كان حقيقةً أردت أن أعيشها و أرتع فيها. كنت قد تعلمت أنه مهما كانت الصعوبات، أو المساوئ، فأنت لست مسئولاً عنها، لأنك .. أبي.. و أبي لا يرتكب الأخطاء، هو منزه عن كل نقيصة، كذلك يظن كل ابن. كانت المسألة كلها خطأ هنا أو هناك، من موظف مهمل، أو وزير فاشل، بينما كنت دائما فوق الشبهات. كنت أبي حقاً.

و خرجت لبلدي كما كنت أظنها، ارتئيت أن أبدأ مساعدتك في حملك الثقيل، و أن أحمل عنك الأعباء، محدثاً و مطهراً.

 

بس لقيتها اتباعت

و ساعتها اتجننت، و صرخت، و دعكت عينيه كتير. هي فين؟ فين مصر؟ فين مصر ياولاد الـ..؟ هاتوا الخرايط ! لازم ألاقيها. و مافيش فايدة. و يوميها عرفت انك مش أبويا. مش أبويا اللي يعمل كده في أمي. و عرفت اني قعدت عشرين سنة أحب في صنم. عمره ما حس بيا، عمره ما بص وراه و شافني باتنطط تحت رجليه و باشد طرف هدومه.

كنت قد شِخت..

مش أبويا يا (ابن نعيمة) عمرك ما كنت أبويا. أبويا اللي انطحن علشان يربيني و يعلمني ما كانش انتا. انتا اللي كنت بتسهر الليالي علشان تبيع الجامعة اللي هاتعلمني. و انتا اللي جريت بالمشوار علشان تجيبهم يحطوا رجليهم فوق رقبتي و يتكوا بالجامد أوي. عارفهم يا (ابن نعيمة)؟؟ عارفهم ولا أعرفك؟ لا تعالى لما أعرفك

بتوع الحديد و المقاولات يا (ابن نعيمة)، و بتوع الشنبات و الطبنجات. عارف كمان بتوع المايوهات و الشاليهات؟ عارفهم يا (ابن نعيمة)؟ و الأحف أبو ليّة بتاع الجمهورية، عارفة؟ كلنا عارفينه، قوة القتل الثلاثية. و الناس اللي مش ناس، النضاف بالقوي دول، اللي بيبرقوا من بره، اللي عمرهم ما عرفوا طعم الطعمية. فاكر الطعمية يا (ابن نعيمة)؟ فاكرها؟

بعتها بالقطاعي يا (ابن نعيمة)؟ بالحتة و في المزاد؟ و ياريته كان مزاد، قال كل واحد ماسك عليك ذلَّة كان يجي و ياخد ببلاش. طب و انا؟ ابنك ضناك؟ دانتا ياما رسمت عليا دور الأب انتا و مراتك الزومبي، و قعدتوا تبلفوا فيا و تقولولي بابا زفت و ماما قطران اسود، فين؟ فين الأبوة و الأمومة؟ طب ليه يا (ابن نعيمة)؟ بعت ليه؟ أمال كنت بتحارب عشانها ليه م الأول؟ ولا هي الحكاية كانت سد خانة؟ ولا أساسا انتا ما كنتش موجود يوميها؟ فاكر يوميها يا (ابن نعيمة)؟ تلاقيك و الله مانتا فاكر تمسح ريالتك حتى، اللعنة على الأصنام.

بص بقى م الآخر، علشان انا خلاص، خلصت بنوَّة، بطلت مشاعر و شعارات، نشفت، نملت، ما عادش فاضل. قفلنا، شطبنا يا (ابن نعيمة). لكن لما تيجي تستهبل عليا تاني و تقوللي انك أبصر مادرك يلعن يحرق مش عارف هتعمل ديموقراطية إيه، و مافيش توريث، و مافيش تمديد، يبقى لازم أتف في بقك.

أيوة في بقك النجس. لما تستهبل عليا و تقوللي جمال مش جاي، و انتا بتقعده على حجرك المبلول، و بتمسكهاله و كلنا بنبص، و بتعدلّه الدستـ… ههههه إلا صحيح، فكرتني بنكته

بيقوللك يا … يا (ريّس)، إسرائيل ما عندهاش دستور. سمعت انتا عن الحكاية دي؟ سمعتوا ياولاد عن الحكاية دي؟ إسرائيل ماشية بـ(مجموعة من القوانين الأساسية). و دايسة على رقبة التخين… فاكر التخين يا .. يا (ريّس)؟

و قعدنا نتشال و نتحط، و تعديلات دستورية و ما دستورية، و الحكاية في الآخر مالهاش لازمة من بابها يا (ابن نعيمة). (ابن نعيمة) استعبط الشعب بحاله. و الله مانا عارف، أضحك ولا أصرخ.

لما ابقى ابنك عشرين سنة يا (ابن نعيمة) لما أبقى عاجنك و خابزك، ماتبقاش ترسم عليا الدور ده تاني. عيب، عيب أوي يا… يا (ابن نعيمة). مبروم على مبروم ما يلفش.

أكبر صدمة ممكن تاخدها في حياتك يوم ماتعرف انه أبوك، عمره ما كان أبوك. يومها بتحتقره، و بتحتقر نفسك، و بتحتقر أمك، و بيتكم، و الشارع و الجيران. يومها لازم تتف، تتف كتير أوي، يمكن البصاق يغسلك م العار، أو يغرقه في العار.

طظ فيك، و في (نعيمة)، و في الأحف أبو ليّة…

طظ

إتفو

محجوب عبد الدايم

القاهرة 1930.

ملحوظة: الصورة من مدونة (بهيّة) واحدة برقبة أي (نعيمة).


7 thoughts on “والدي الـ إتْفٌوّ

  1. بكيتك كثيرا يا ابي لاني لم اجد ما ابيكيك من اجله…………….شكرررررررررراااااا thanks merci

  2. ميرسي جدا علي الردوبالمناسبة احب اقولك اخر نكتة *******ال اية غيروا كل اتجاهات الشوارع في الزمالك تعرف ليه؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟اصل ابن والدنا الاس علاءهيسكن هناك بلدنادي ملاكي

  3. انا بتنفس حرية ما تقطع عني الهوا….وما تزيدا كتير عليا احسن ما نوقع سوا…
    ما بتقدر ابا تلغيني …بدك تسمعني وتحكينى واذا فكرك عم بتداويني …مش هيدا هو الدوا
    يا ريتك مني بتسمع بيكفي كل اللي صار
    ….القوة هي اللي بتوقع ان وقفت في وش الافكار

    هاي الدنيا بتساع الكل…واذا بدك بنلاقي الحل اذا بنفكر سوا…

    صوت الحرية بيبقي اعلي من كل الاصوات مهمها بتعصف ريح الظلم المسافات…..****ما فيك تلون ها الكون كله بذات اللون وتبدل نظام الارض وتغير مجري الهوا*****

  4. و ماله برضه، اخونا و لازم نستحمله، ولا إيه؟ طب ماهم غيروا الدستور كله، مش الشوارع بس… الدستور … علشان خاطر أخوه الصغير… مستخصرة في الكبير كام شارع؟؟

    الأبيات لطيفة قوي… يا ترى مين اللي كاتبهم؟

  5. ابني الحبيب \شوقا الي رؤياك حلوة دي؟مع العلم اني مابشوفش وما العين الا وسيلة للرؤية والقلب اقوي منها والا لما قال يعقوب اني لاجد ريح يوسف اود ان اسالك ما الفرق بين الديموقراطية وسجاير كليوبترا دمتتتتتتتتت سخرا لنا اصدي زخرا لنا **هههذا ما جناه علي ابني وما جنيت علي احد***امضاء المنوووووووووووفية

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s