طُظِّية مباغتة


اليوم أحدثكم عن الإرهاب. بينما يعلو صوت أبوكم الحاج (عبد الدايم) موبخاً لكل من في البيت، و مهدداً إيانا جميعاً بالطرد من العزبة الرحبة التي نعيش فيها إلى الشوارع الخلفية المظلمة، حيث نجوع و نعرى، و نبقى (رجالة). لمجرد أن أخي الأصغر –طالب بالثانوية العامة- سهر ليلاً يلعب بالحاسوب، فتغيب عن المدرسة و الدروس الخصوصية اليوم. و بينما أنا أتابع الأخبار اليومية المؤلمة، إذ بأحد الأصدقاء يرسل لي منزعجاً جداً، و..

دعوني أخبركم أولا أني لم أعرف (إيمان حسان) قبل اليوم. دعوني أيضاً أخبركم أني لم أكن أتصور إطلاقاً أن ..

عفوا، أجدني مشدوهاً، أجد الكلام الذي طالما كان سيفي، و درعي، و ردائي، و إزاري، و دابتي، و خيمتي لا يسعفني. أجده حائراً متردداً. أجده مصعوقاً مكلوماً. واحسرتاه على كلماتي !

آآه ، إنها تعود.. انتظروا !

المسألة كلها نفسية، تعالوا نتدارس تلك الحالة الغير فريدة بالمرة. أنا أحدثكم عن إرهاب المدونين. ليس القبض على المدونين ما أقصد، بل أعني الإرهاب الفكري. النفسية السلبية، ببساطة حالة (إيمان).

(إيمان) –زي أي مدون- تعودت أن تصف خواطرها المتناثرة كيفما اتفق في مدونتها التي لم أقرأ منها شيئاً بعد. ثم بطريقة أو بأخري، تتعثر (إيمان) بمدونة السيد (كان فين) الذي لن أضيف رابطاً لمدونته، توفيراً لوقت القارئ، و رقياً بالذوق العام للقراء. السيد (كان فين) هو أحد الفارغين عاطفياً، من المعتقدين في سيادة الجنس الفرعوني الطاهر، و أن العرب البرابرة الهمج قد احتلونا، و يجب علينا أن نقاومهم، و نخرج على ثقافتهم (دينهم)، و نصبح فراعنة مرة أخري. منطق مضحك جداً بالطبع.

المهم السيد (كان فين) افتتح مدونته منذ بضعة أشهر، و همه الأكبر أن يفرغ عُقَد نقصه، و غضبه المكبوت من محاولات التحرش الكثيرة التي تعرض لها في صغره، في محاولات مضحكة جداً لإهانة الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم. للوهلة الأولى قد تظن أنه يتبع منهجاً علمياً ، أو أنه صاحب حجة، أو حتى صاحب منطق. و لكن في الدقائق القليلة التالية يتبين الواحد أنه إنسان مَهين، غير ذي علم، ولا حجة، مبتغاه السب و القذف مما يدل على البيئة التي تربى بها، و مما لا يشجع أبداّ على الرد عليه أو على أمثاله من غير أولى النهى. و كما يقول الفرنجة ” لا تتعارك مع الخنزير أبداً ، فكلاكما يتلوث، إلا أن الخنزير وحده يعجبه ذلك”.

و تطالع (إيمان) مدونة هذا المهين الإرهابي، ثم –و بكل بساطة- تستجيب لإرهابه الفكري العنصري. فهو عادة ما يرسل رسالة تحت-واعية إلى القارئ مؤداها أنك إن لم تكن إسلامياً متشدداً مرتداً زياً معيناً و قارئاً لكتب معينة، و ذا أيديولوجية معينة، فإنك تكون مثلي، مُرتدَّاً متعصباً متفسِّخاً و جاهلاً. يالها من رسالة وجدت استجابة واسعة.

(إيمان) الآن بدأت في حذف مدونتها شيئاًُ فشيئاً، و بدأت بالطبع بالتدوينات التي تحمل عطراً رومانسياً، لأنها حرام من جانب في وجهة النظر التي هي على وشك اعتناقها، و لأنه لا يجوز أن نحب و نعشق و رسول الله يسبه هؤلاء المنحطون. هكذا، بمنتهى البساطة ، و بمدوِّن واحد فقط، استطاعوا أن يقتلوا فيها الحياة، و الرغبة في العيش، و الحب، و التعبير عن الذات.

يصبح الأمر أكثر طرافة عندما تعلن إيمان أنها سوف تلتحق بمعهد للدراسات الإسلامية، لكي تستطيع الذود عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و دينه الإسلام. و كأن رسول الله صلى الله عليه و سلم و دينه في حاجة إلى دفاع و ذود. و كأن هذه المعاهد التي ضرها أكثر من نفعها، و التي لا تخرج إلا أنصاف دعاة، لا يعون من دينهم إلا القشور، و يظنون في أنفسهم أنهم بمجرد التحاقهم بأحد هذه المعاهد قد أصبحوا شيوخ الإسلام، و الممثلين الرسميين للذات الإلهية، قد ترفع ضراً ، أو تسد ثغراً. و كأن الوسيلة الوحيدة للرد على هؤلاء و أمثالهم هي أن نصبح كلنا شيوخاً و دعاة. و كأن الله لم يقل ” و لَوْلا نَفَرَ مِن كُلِ فِرقَةٍ مِنهُم طَائِفَة “.

هذه الاستجابة المفجعة لهذا النوع من الإرهاب الفكري العنصري، الإستجابة إما بإخراجنا من الحياة الدنيا و رفعنا على براويز تعلق على الحوائط لجمالها و قلة نفعها، أو إخراجنا من ثقافتنا و أصلنا، لنتفسَّخ و نتحلل و نثبت أننا لسنا إرهابيين. مثال الأولى (إيمان) و الكثير من حديثي التدين، و مثال الثانية ما كان يحدث في استادات مصر أثناء كأس الأمم الإفريقية من تقليد مهين و مضحك للأزياء و طرق التشجيع التي لا تمت لمجتمعنا و ثقافتنا بأي صلة. و ما زال يحدث على شاشات السينما العربية المشوَّهة، و التي لا تعبر عن مجتمعاتنا بأي شكل !

ثم نتعجب لماذا أتوا لاحتلالنا و نهب ثرواتنا.

” أنتم إما معنا أو علينا ” هذه الفرضيَّة الفاسدة التي طرحها السيد (جورج دبليو بوش) منذ عدة أعوام، و التي مازالت نتائجها المقززة تتابع. فنحن إما ضد الإرهاب، و بالتالي حسب الفرضية نصبح أمريكيين قلباً و قالباً، و إما نكون غير أمريكيين، فنحن بالضرورة مع الإرهاب. و أخذنا نتكالب لنثبت أننا لسنا إرهابيين ، و لسنا مع الإرهاب، و أيضا لسنا مع العروبة، و الإسلام، و الهوية، و الخصوصية، و حرية التعبير الفكري بالمرة أيضاً.

يعتقد بعض الفلاسفة أن المادة لا توجد خارج الوعي، ببساطة مالا يعيه عقلك، فهو غير موجود، لأن العالم الذي نعيشه ما هو إلا ترجمة عقولنا له. و بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا معهم، إلا أنني أظن أن الوضع الحالي ينطبق تماماً مع نظرية كتلك.

يا سادة، نحن أريد بنا ضَرْب، فانضربنا لمجرد تلك الإرادة. ضُرِبنا فانضربنا، جعلوه فانجعل سيتيويشن.

فلتذهبوا، و لتتغيروا، و لتتشوهوا كما أريد بكم. لتتفيقهوا، و لتتفسخوا، و لتنافقوا. لتتقوقعوا، و لتستتروا، و لتتلاشوا لأنه مافيش فايدة، و من أجل ذلك..

طظ !

محجوب عبد الدايم

القاهرة 1930.


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s