بقايا حلقة


” السلام عليكم و رحمة الله… السلام عليكم و رحمة الله “

“حرماً يا (رزق)!”

” جمعاً إن شاء الله يا ماما “

“يللا بقى علشان تلحق تفطر قبل ما تنزل”

تعلقت قطرات الماء البارد بلحية (رزق) النامية، و هو يطوي سجادة الصلاة و يرسم على وجهه ابتسامة راضية بعد أن صلًّى الضحى. و دسَّ يده في جيبه باحثاً عن هاتفه المحمول، حتى وجده، فأخرجه متفقداً الوقت. و انعقد حاجباه و هو يحاول القراءة بدون عويناته، ثم ارتسمت على وجهه ملامح عجيبة، تجمع بين القلق و السخرية و هو يسرع إلى غرفة المعيشة.

” لاااا فطار إيه بقى..ده يادوب الشاي “ قالها و هو يرشف قليلاُ من الشاي الساخن

“شاي إيه يابني؟ دانتا ما اتعشيتش امبارح! اقعد كُل الله يهديك ! “

“معلش و الله يا ماما، أصلي متأخر جداً “

” طب عاوز فلوس؟ “

” لأ معايا “

” طيب يابنى، تروح و تيجي بالسلامة”

” السلام عليكم”

“و..”

لم يبق ليسمع رد السلام. كان يتحدث و هو مسرع في طريقه إلى الخارج بالفعل. كان مندفعاً في طريقه كأنه ينزل منحدراً، و قد علَّق حقيبته على ظهره و دس يديه في جيبي معطفه الباهظ الثمن، بعد أن ارتدى عويناته. بدا مهيباً نوعاً ما، بقامته الطويلة و ملامحه التي بدا عليها أثر النعمة، لمع بياض بشرته الناصع تحت شمس الشتاء المملة، و تمايز بشدة مع لحيته و أثر السجود في وجهه. سار حثيثاً حتى بلغ الشارع الرئيسي، حيث وقف منتظراً أحد البكوات أصحاب سيارات الأجرة –كما يحب أن يدعوهم- أن يتعطف و يتكرم ليقلَّه إلى الكُليَّة.

جلس داخل السيارة متمتماً بالكثير من الأذكار، طوال الطريق. لم يكن يطيق صبراً حتى يخرج من هذه العلبة الصفيحية المقرفة. دائماً ما أحنقه عدم امتلاكه لسيًّارة شخصية. و حيره كثيراً معارضة العائلة لرغبة كتلك، مع أنه ملتزم للغاية، و..

هنا وصلت السيارة فقطع ذلك حبل أفكاره، حتى أنه لم يكد يصل إلى مدخل الكلية حتى نسى تماماً موضوع المواصلات، و ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة و هو يهرول عبر طرقات الكلية ملاحقاً شخصاً ما.

” قفشتك..” قالها (رزق) في مرح..

” مين؟ (رزق) خضيتنى يا شيخ..”

” ها ها ها يا راجل؟ معلش يا سيدي..حقك عليا.. ازيك يا (صالح) عامل ايه؟”

” عامل ’عيشة ‘ اهوه، يعني هاعمل إيه يعني، الامتحانات ع الأبواب أهيه و لسه مافيش نيلة كتب “

” يييييه لازم يعني تفكرني ع الصبح؟ المهم، احنا عندنا ايه النهاردة؟ “

” تاريخ نظم و مدخل قانون”

” هممم.. إيه رأيك؟ أحضر المحاضرات دي؟ “

“نعم ياخويا؟ بقوللك الامتحانات كمان أسبوعين تلاتة، تقوم تسألني أحضر ولا لأ؟ أما نكته “

” أصل…”

” أصل إيه؟ ولا تكونش حضرتك طالعي في المقدر جديد و هاتعمللي روميو”

احمر وجه (رزق) و هو يجيب بانفعال ” صالح، انتا عارف كويس اني مش بتاع الكلام الفاضي ده.”

” طيب طيب، ما تعمليش فيها (خضرة الشريفة) بقى و تزعق، خلاص فهمنا يا عم الشيخ” قالها (صالح) مقهقهاً

” (صالح)!!!!!!! “ علا صوته أكثر، و قد شاب غضبه الكثير من الضحك هذه المرة

” ما قولنا خلاص يا عم الشيخ. يللا روح شوف انتا كنت عاوز تتصرمح فين”

” طيب خدلي الغياب انتا بقى”

” ماشي، بس خلليك فاكر الجمايل دي !”

سار (رزق) مسرعاً و قد صعدت شمس ديسمبر قليلاً في السماء، فبدأ جبينه يتفصد عرقاً. مما اضطره إلى خلع وشاحه الأزرق المميز. كان يسير حاملاً نصف ابتسامة جوفاء و هو يفكر في (صالح). ذلك الدودة، عاشق الكتب. دائما ما أثار اعجابه و استفزازه معاً. كان (صالح) يتميز بلا مبلاة عجيبة، و قدرة غير بشرية على النقد و التحليل دون أدنى اكتراث للنتائج التى يصل إليها. (صالح) لم يكن ميسور الحال، كما لم يكن وسيماً بالمرة، إلا أنه أصبح بسهولة شديدة محل اهتمام و اعجاب معظم الزملاء، خاصة الفتيات، كان ذلك يستثير حفيظة (رزق) بشدة. و كان دائما مثار الكثير من الجدل بينهما. فبينما تمسك (رزق) بمبادئه الريفية المحافظة في إنه “عيب و مايصحش العلاقات الكتير دي مع البنات يا (صالح)” جادل (صالح) بأنه ” مافيش مشكلة يا (رزق)، أما انتا قفل صحيح، هوه انتا يابني شايفني بعاكسهم لا سمح الله؟ دول زمايلي، و عادي لما أكلمهم”. كان (رزق) يعرف في قرارة نفسه أنه يحسد (صالحاً) بعض الشيء، إلا أنه كان يحبه كثيراً أيضاً.

 

كان يطوي وشاحه و هو يدسه في جيبه بينما انحرف يميناً، ثم اتخذ طريقاً مستقيماً إلى الهدف، كلية الطب.

” و ما شأنك أنت؟ أنا حرة ! أقول ما يعجبني، وقتما يعجبني” قالت (ميراندا) في حدة

” و ماذا عني؟ “

” ماذا عنك؟ لقد قلت لك من قبل، انتهى كل شيء”

” و مشاعري؟ “

” مشاعرك؟ و متى راعيت أنت مشاعري؟ و لم قد أجعلك تشعر بأي شيء على كل حال؟ “

….

” لا تلمسنى !” صرخت في عنف و هي تدفعه..

….

“توقف ! لماذا لا تتكلم؟ و ما هذا الطنين الغبي؟ قلت لك توقف ! “

صرخت مرة أخرى” توقفففف!” و هى تندفع إلى الأمام بعنف حتى أنها سقطت من فوق السرير.

فتحت عينيها في بلاهة الصباح المعتادة التي تميزها، و تجعل ملامحها ألطف ما يمكن. وجدت نفسها ترقد بجوار السرير محدقة في السقف، و صوت المنبه يطن بغبائه المعروف. أغلقت عينيها مرة أخرى بشدة، ثم فتحتهما و هي تسب و تلعن، بينما حاولت النهوض بصعوبة من سقطتها. أخرست يدها صوت المنبه في لمح البصر، و عبرت الغرفة مترنحة إلى الحمام، حيث قضت حوالى الساعة تعتني بنفسها جيداً. كانت تعشق الحمامات المعطرة الدافئة أيما عشق، حتى أنها كانت لتقايض أي شيء لتحصل على واحد منها على الأقل يومياً.

كانت خارجة من الحمام للتو عندما ارتفع صوت الهاتف في حجرتها. فأسرعت بخفة و التقطت السمَّاعة في صمت.

” صباح الخير..أستيقظت بعد؟” قال الصوت المألوف بانجليزية ثقيلة

” ها ها ها طبعاً، صباح الخير، كيفك؟” ردت (ميراندا) بعربية مضحكة

” إيــه؟ إلك تحكي عربي متل أهل مكة !” رد الصوت بخبث

” ها ها ها، جاهزة ننزل؟ “

” اوكي، بس بدور ع الشوز تبعي، بقالي نص ساعة بلفلف عليه”

” طيب طيب، أنا بكون جاهزة كمان نص ساعة، سيي يو “

” اوكي باي”

وضعت السماعة، و أخذت تحدق في الفراغ هنيهة. كانت شاردة الذهن تفكر في هذا الكابوس المزعج الذي لم ينفك يطاردها. قامت تعبث بشعرها الناعم في شرود، و اتجهت إلى المرآة ببطء. لم تكد تر وجهها الشارد حتى تبسمت في خبث و همست ” بُوينوس دِيَاس! هيهيهي “ . نسيت شرودها بسرعة و هي تضع زينتها بعناية، و بلمسات قليلة كانت قد انتهت من ذلك. كانت ترتدي ملابسها المنمقة و هي تعد افطاراً أقل ما يقال عنه أنه معدوم الوزن، من اللبن و النواشف، عندما دق الهاتف مرة أخرى. اتلقطت السماعة بفم نصف ممتلئ.

” ممم…”

……

” اوكي..مم..باي”

 

كانت في عجلة، إلا أنها توقفت طويلاً لتختار أي حذاء ترتدي. استقرت على حذاء رياضي بسيط، و همست ” الكثير و الكثير من الوقوف اليوم”. و انطلقت إلى الأسفل.

دلف (حسين) إلى المنزل في هدوء، كانت الساعة لم تتجاوز الثامنة بعد. جلس في الردهة يحاول خلع حذائيه في إرهاق عندما سمع صوتاً أنثوياً يناديه..

” (حسين)؟ انتا جيت يابني؟”

” أيوه يامَّا..أنا هنا أهوه”

” طب أعملك تفطر بقى”

“لا لا يامَّا.أنا داخل أنام طوالي”

…. ” مالك يا (حسين) يابني، صوتك متغير”

“..أ..أبداً يامَّا..هيكون فيه إيه يعني..مانا حلو أهوه”

” نعم؟ هوه أنا لسة هاعرفك النهاردة يا (حسين) يابن (عبد الواحد)؟”

“يامَّا مافيش..مشاكل شغل..بقوللك، لو (عبده) اتصل بيه و انا نايم…أقوللك؟…..ولا حاجة. ماحدش يصحيني و خلاص. أنا داخل أنام، سلام بقى”

دخل غرفته بعصبية، و أغلق الباب خلفه في إحكام. جلس إلى طرف فراشه و هو يزفر في عنف. “أنا إيه اللي نيلته ده؟ احنا مالنا و مال الناس بس، يعني كنت ترضى حد يتتريق عليك و انتا في حالة زي حالة ست (داليا) دي؟ يا شيخ حرام عليك..”

قام فبدل ملابسه بسرعة، و عاد إلى الفراش بذات الوجه العابس. حاول ان يسترخي في الفراش إلا أنه لم يستطع على الإطلاق. فقام ثانية و قد عزم أمره.

اتجه إلى غرفة المعيشة حيث الحاسوب المستعمل الذي اشتراه منذ عام. جلس الى الجهاز و أداره، و هو يتلفت في توجس. ثم قام خلسة و انتزع قابس الهاتف لييشبكه بالجهاز و بدأ محاولات الاتصال بالشبكة المضنية. تهلل وجهه للمرة الأولى منذ ساعات، عندما أضاءت الأيقونة المضحكة في ركن الشاشة دالة على الاتصال الهش. أسرع إلى بريده الإليكتروني في لهفة ليفتح مدونة (عبده) و منها أخذ يدخل إلى المدونات بنفس التتابع الذي فعله ليلاً حتى أهتدى إلى مدونة (داليا). فأشرق وجهه تماماً و هو يضغط رابط التعليقات، كان ينتوي ترك اعتذار مهذب بدون اسم أيضاً، في محاولة يائسة لتسكين ضميره الذي أخذ يحرقه بشدة طوال الطريق من المشفى إلى البيت.

” رنا: مجهول أصلا نحنا كلنا عارفين مين انت عيب عليك “

 

اسودَّ وجهه بغتةً، و أسقط في يده. لم يدر ما يفعل، و أغلق الجهاز في شرود، حتى أنه نسي أن يعيد قابس الهاتف إلى مكانه. و توجه إلى غرفته شبه مترنح. جلس إلى طرف فراشه مرة أخري في وجوم و هو يهمس “هما فاكرني مين؟ الواد بتاعها و بيتسلى عليها؟ يا حول الله” استلقى على ظهره، و جذب الغطاء حتى صدره. شرد قليلاً محدقاً في السقف قبل أن يتعلق النوم بأطراف جفنيه فيغلقهما بسحره القديم. إنها الاندورفينات تعمل.

كان هذا جزء من حلقة، الباقى يحتاج الكثير من عمليات التجميل، الباقى كان عن حسام، و طبعاً ماعادش ينفع ببصلة. أنا قولت أنشر اللي فاضل قبل مايتشوه هوه كمان، و من هنا و رايح مش هاكتب إلا لما يكون عليا الدور.

البركة بقى في (ملائط) تشوف هتنشر الحتة دي فين.


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s