الحلقة الرابعة و التسعون بعد التسعمائة و ألف، يللا بقى


ارتفع صوت الرعد في تلك الليلة من ليالي ديسمبر القارص مغطياً ضوضاء القاهرة المميزة. و ضرب ضوء البرق الساطع نوافذ المستشفى الجامعي بشدة، أجفلت ذلك الجسد المرهق المتكوم بالداخل على مكتبه. تحركت يداه متحسسة طريقها في الظلام الي مقبس المصباح الوحيد بالغرفة. أخذت الغرفة ترتعش بالضوء الأبيض الفاتر مرات عدة قبل أن يضيء المصباح بغباء. و تململ صاحب الجسد في جلسته، ثم حك ذقنه في دعة و هو يحدق عبر زجاج سطح المكتب إلى تفاصيل وجهه المملة.

” إيـــه و الله و عجزت بدري يا (حسين) “ قالها مبتسماً في مرارة و هو يتأمل وجهه الأسمر المستدير يحمل ذات الأنف المميز، و قد كسته خصلات من شعر ذقنه مما أعطاه مظهراً رجولياً محبباً. خلع عويناته المستطيلة في إرهاق و هو يمرر أصابعه الطويلة في شعره المموج، فندَّت له بضع خصلات بيضاء. فمط شفتيه بامتعاض، و تمتم ” هوه اللي بنشوفه شوية برضه؟ ياللا بقى حسن الختام “ ثم انطلق يقهقه قهقة مكتومة احمرَّ لها وجهه. إذ أنه لم يكن قد تجاوز عقده الثالث بعد.

عد (حسين) بعض الوثائق على سطح مكتبه المزري، و أعاد كتابة بعض التذاكر المهترئة. ثم دس سماعته في جيب معطفه الأبيض و نهض متفقداً الغرفة بلا مبالاة. و ما لبث أن اجتازها كلها بخطوة واحدة كعادته مقتحماً طرقات القسم بعنترية. كان قد اعتاد منذ أيام سنة الامتياز أن يقوم بالمرور على كل العنابر في القسم بنفسه، بدأب يحسد عليه. لم يكن يظهر أي تململ من صراخ الأطفال، أو نظرات الممرضات المعنِّفة على مقاطعة غفواتهن المسترقة قرب الفجر؛ للمرور. لم يكن بتلك الليلة عددا يذكر من المرضي. حتى أنه انتهي من المرور قبل أن يبدأه.

 

عاد (حسين) إلى الحجرة يجر رجليه جراً، و قد بلغ به الملل كل مبلغ. انهار على كرسيه في عنف و هو يزفر” أفففف.. حتى مافيش شغل، ده إيه القرف ده؟ يعني لا اشوف مصالحي، ولا اشتغل؟ أقعد كده زي الشوال؟ ده غلب ايه ده بس يا ربي؟ أنا غلطان م الأول..ماكانش لازم أقبـ..” قطع حديثه الخافت لنفسه عندما وقعت عيناه على الحاسوب بركن الحجرة. كان يرقد هناك في دعة كأنه لم يوجد من قبل. ارتفع حاجباه الكثَّان و هو يتأمل الكتلة الصفيحية بتمعن. ثم جر كرسيه إلى ركن الحجرة بقرب الجهاز، و ضغط الزر.

ارتفع صوت الهاتف المستفز بحجرة (ميراندا سانشيز). فامتدت يد هذه الأخيرة بسرعة من تحت الأغطية الثقيلة لتلقط السماعة الباردة في رشاقة ووضعتها على أذنيها، فاقشعر لذلك جسدها الرياضي. و قالت في تململ باسبانيتها الخليطة ” ألو، مين الغبي؟”. أتاها عبر السماعة صوت يتحدث بالعربية و بلكنة أردنية قِحَّة. كان يتحدث بتردد سائلاً عن شيء ما، أو ربما هو شخص ما. انعقد حاجباها في بلاهة، ثم لم تلبث أن اغلقت الخط في وجه المتحدث. و تقلبت لتكمل نومها في شراسة متمتمة ” ماذا كان يقول هذا المعتوه، إن عربيَّته لا تكـ..” اتسعت عيناها بشدة و هي تردد “عربيَّته؟” قفزت خارجة من السرير متجهة الى النافذة في ذعر. أزاحت الستائر، و ألقت نظرة مذهولة على المدينة.

ندَّت منها ضحكة قصيرة و هي تتفهم الموقف. اتجهت الى المطبخ و أخرجت علبة لبن منزوع الدسم صبت لنفسها منها ما لا يتجاوز نصف الكوب، ثم احتضنته في تلذذ و عادت تجلس على الأريكة بمواجهة النافذة و هي ترتشف برقَّة. أخذت تتأمل المدينة الناعسة في هيام، و هي تتبسم. تمتمت لنفسها ” ما بالك لا تكفين عن الترحال؟ لم نبق في المدينة الأخيرة أكثر من شهر، (ميراندا). أعتقد أنه آن الأوان لنستقر قليلاً. غداً أتقدم للجامعة هنا. تبدو المدينة رائعة. تستحق سنة كاملة، أليس كذلك؟”..

ضحكت من سذاجتها إذ تحدث نفسها بهذه الطريقة الطفولية. و تذكرت أيام كانت تمرح في كنف والديها حيث عوداها الترحال الدائم. تذكرت كيف أن أكثر مدة بقيتها ببلد ثابت كان سياتل بالولايات المتحدة لبضعة سنوات لا أكثر. تعجبت دائماً من قدرتها على تحويل تلك البلاد المتمايزة الي صور لا أكثر. حتى أنها اختزلت المكسيك في صورة واحدة التقطتها هناك. و..

قطع حبل أفكارها رنين الهاتف مرة أخري. فمدت يدها عبر الأريكة و تمطأت بمرونة حتى أمسكت بالسماعة، ثم انقبضت مرة أخري لتعود و هي ترد هذه المرة بعربية ركيكة، حاولت أن تودع فيها كل ما تعلمت من صديقاتها العربيات ” أيوة يا عمي، انا ما بدي صد..” قاطعها صوت أنثوي ضاحك على الطرف الآخر ” عمي؟ هلا و الله ..حلو كتير.. انا بصير عمي، و انتى بتصيري؟ “ اطلقت (ميراندا) ضحكة طويلة و هي تتعرف صوت صديقتها” بصير ما بدي..”

انخرطت الصديقتان في حوار محموم حول خطتهما لقضاء العام سوياً. و قضتا حوالي الساعتين تثرثران حول بعض التفاهات المعتادة. ثم تواعدتا لتتقابلا في الصباح أمام الجامعة.

 

وضعت (ميراندا) السماعة جانباً، و قد علا وجهها ابتسامة بلهاء كبيرة، جرَّاء حديثها الطويل. حتى أن وجهها الفاتن قد بدأ يؤلمها، فأخذت تدعكه بكفيها قليلاً. ثم تفقدت وجهها في المرآة، و افتتنت قليلاً بجمالها الأخَّاذ قبل أن تعود لتتقوقع تحت الأغطية الثقيلة و هي تلقى نظرة طويلة عبر النافذة على ذلك الليل الفاتن. ليل (عمّان).

استجابت الشاشة الفوسفورية بسلاسة لضغطة (حسين). و جرت عيناه عليها في تململ قبل أن يتنهد ” طيب.. أشوف موضوع الإيميل اللي (عبده) قارفني بيه ده. إللا كل شوية يسأل ’ شوفت الإيميل؟ شوفت الإيميل؟ ‘ لما بقى ممل”. و جرت أصابعه الخبيرة على اللوحة موجهة الكرتونة الصفيحية إلى داخل صندوقه الإليكتروني. ” أهوه الزفت…” و فتح آخر ما وصله من رسائل. واحدة من موقع طبي، و الثانية إعلان من ياهوو، أما الثالثة فكانت رسالة (عبده). فتحها و قرأ بسرعة

” حسين.. بص.. شوف اللينك ده و قوللي رأيك إيه

http://****.*******.***

ارتفع أحد حاجبيه ببطء و تمتم متشككاً ” مقلب ده ولا إيه يا سي (عبده)؟” و ضغط الرابط. انبثقت نافذة جديدة، مما زاد توتره، إذ كان لا يستريح لمنظر تعدد النوافذ المفتوحة. و بدأت الصفحة تظهر شيئاً فشيئاً.

” مذكرات طبيب مطحون.. يكتبها العبد لله..”

ضحك (حسين) في مرارة، و تمتم ” والله عال؟ مذكرات؟ و كمان ع النت؟ هيه ناقصاك يا سي (عبده)؟ و ده إيه ده كمان؟؟” كان يحملق في بعض الروابط الملحقة بالمدونة، ثم ما لبث أن استغرق حتى أذنيه في تصفح المدونة تلو الأخري. ألهاه ذلك تماما عن طول ساعات ليل الشتاء القارص. حتى أنه أخرج من حقيبته بعض المكسرات و اخذ يتسلى بلا مبالاة لم يعهدها في نفسه من قبل. كان يمضغ ببطء عندما بدأ يقرأ..

كتبت داليا… “ في 13 ديسمبر 2006

جرت عيناه على الأسطر بسرعة و تمعن، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة متشفيَّة لم تصل إلى قلبه. إلا أنه لم يستطع أن يمنعها أيضاً. مرت بعض الأحداث بذاكرته أسرع من وميض البرق الساطع بالخارج. ثم انقضَّت أصابعه الطويلة على اللوحة تنهبها نهباً..

اكيد ما صدق لانك وحدة مملةةةةةةة هاهاهاها

 

ثم أختار التوقيع “مجهول”. ضغطت يده مفتاح الإدخال ببهجة، و راح يراقب الشاشة بتلذذ. هو لم يعلم وقتها لم فعل ما فعل. فقط يعلم أنه شعر برغبة شديدة بلطم تلك المشتكية ببعض العبارات اللاذعة، رغبة لم يدر كنهها. لم يكن لديه الكثير من الوقت ليحلل و يفسر، فقد أطفأ الجهاز بعد ذلك و أخذ يستعد للخروج. انها السادسة صباحاً، لقد انتهت الوردية.

الشخصيات المذكورة خيالية و أي تشابه بينها و بين الواقع هو مجرد صدفة. و طبعاً مش هقوللكم ع الملهمين بتوعي.


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s