في الرجال الذين لم يعودوا كذلك


أجمل شيء في دورات التربية العسكرية الصحبة. الّلمُّة دي.. عارفين كده شلة عيال من الممكن تشوفوا فيها كل الوان الطيف بتاع المجتمع الأمور بتاعنا. و حلاوتها انها على عكس الجيش، ماحدش بيتعتق منها، حتى المكسًّحين.

كنا نتكوم اليوم في أحد أركان الساحة التي ندرس بها. آه بالمناسبة، نحن ندرس داخل الحرم الجامعي، أمام الطلبة الآخرين (على عينك يا تاجر كده، و صفا و انتباه و عاملين قلق يعني). تجمعنا في إحدى فترات الراحة بجوار المجند المسئول عن تدريبنا. و لم نكد نفعل حتى انتشرت رائحة التبغ البغيضة تسد الخياشيم. و بينما نحن نهزر كالعادة، إذ بالمجند يشهر هاتفه المحمول كأنه سيف بتار، و يبدأ في اجراء اتصال هاتفي. نظرنا إلى بعضنا البعض نظرة ذات مغزى، ثم اندفع أحدنا ساخراً مقلداً صوت المجند القائد بتهدج ” أيوة يا حبيبتي، أنا بدرب الجنود اللي تحت ايدي، اصل انا القائد و كده يعني، انتي عاملة إيه؟”. لاحظتُ تلون وجه القائد على الفور، فوكزت هذا الساخر ليكف عن احراج الرجل (عادة منيلة بنيلة، مابحبش احرج حد، حتى في الهزار). إلا أن القائد نظر الينا و قال بغير اكتراث –أو هكذا حاول أن يبدو- ” أنا ماتصلش ببنات، هما اللي يتصلوا بيا معلش”.

بدا التعجب على وجوهنا جميعاً، و عاد الساخر يسأل في حيرة “هوه كده تبقى رجولة؟ يعني تخليها تصرف عليك مكالمات بالقصد؟؟”. لم يكد ينتهي حتى انبرى آخر مدافعاً عن موقف القائد ” دي الرجولة انه ياخد منها فلوس”. هنا كان وقع الصدمة علينا ثقيلاً. و بدا هذا المدافع وغداً الى اقصى الحدود، حتى أن وجهه استحال الى منظر يشبه كثيراً فردة الشبشب المقلوبة. عاد الساخر يسأل من جديد “يعني حضرتك هترضي مراتك تصرف عليك مثلاً؟” هنا انفتح ثقب في فردة الشبشب المقلوبة، قد يظنه البعض فماً، إلا ان ما خرج منه لم يكن كلاماً. كان شيئاً بلا معنى، غير أنه كان قذراً جداً ” لا مراتي حاجة تانية، انما دول بنات تمشي معاهم كده تضييع وقت”.

هنا لم أقدر ان العب دور المتفرج. و سألته بصوت حاولت جاهداً أن يخرج هادئاً، إذ انني كنت أغلي من الداخل ” احم.. هوه الرجولة انك تمشي مع البنات تضييع وقت، و بعدين يعني ايه تضييع وقت دي؟ ثم انه هيَّه هيَّاها، لو هترضى تعيش نَطْع مرة، هترضى تعيش نَطْع طول عمرك”. بدأ يبرطم بكلام غير مفهوم و قد أيقن أنه تحت حصار مشدد من النظرات. قال شيئاً بمعنى “كلامك ده قصر ديل يا ازعر” ثم انطلق هاربأً إلى الكافيتيريا.

تلفتُّ حولي لأجد (ايمن) و (رزق). (ايمن) بالغ الطول، و كل شيء فيه تقريباً يشبه المستطيل، عدا شفته العليا المنفرجة دائماً. أما (رزق) فيبدو مثلثاً ، بشعره الخفيف و عينيه الزرقاوتين الخبيثتين. سألت” هوه إيه حكاية شرف البنت زي عود الكبريت دي يا جماعة؟” فنظرا لي في استفسار. بدأت اتابع ” هما الرجالة مالهومش شرف؟ يعني الراجل مننا يلف و يدور و يعُك زي ماهوه عايز، و بعدين ماحدش يقولّه حاجة. و لو حد حاول يستفسر منه يبقى (أزعر)؟ بمناسبة ايه ان شاء الله؟ هوه الرجالة بقت رخيصة للدرجة دي؟ شرفنا بقى ولاّعة؟”

تردد (ايمن) قليلاً قبل أن يجيب” لا لا انتا دلوقت بتخلط الأوراق. البنت لازم تحافظ على شرفها اكتر من الراجل ألف مرة..” قاطعته سريعاً ” ليه؟؟ و الولد ما يحافظش على شرفه بالجامد قوي كده ليه؟” هنا تدخل (رزق) بخبثه المعهود و ضحكته الشريرة ” الراجل راجل برضه”. ارتسمت على طرف شفتيَّ ابتسامة سريعة و خبيثة و انا اقول” بأيه؟ الراجل راجل بأيه يا (رزق) بالبتاع؟” و اشرت بيدي اشارة ذات مغزي، انفجر لها الحضور ضحكاً. إلا أنني تابعت” لا بجد يعني. ماحدش يفسرلي الحكاية دي؟” لم يحر أحدهم جواباً، فاتنهزت الفرصة لأفرغ شحنتي كاملة، قبل أن تتفتُّق قريحة أحدهم عن نكتة جديدة.

” طب بلاش دي. اشمعني الولد ممكن يقعد يبحلق في البنت يجي نص ساعة، لغاية ما يزهق م البحلقة، و ماحدش يقوله انتا بتعمل ايه، و لو البنت عينها جت في عين ولد و لو حتى بالصدفة ، تبقى صايعة و قليلة الادب، و (بتراوده عن نفسه)؟ بلاش دي و دي، شوفتوا النص عيِّل اللي كان واقف قارفنا بسجايره و هوه بيقسِّم البنات لنوعين كأنه في حصة أحياء. بنات (للمشي)، و بنات للجواز. طب اشمعنى الصبيان كمان مش كده، و لا الصبيان كلهم بتوع (مشي) و كده يبقى مافيش فرصة للبنت تختار، كده كده هتتجوز واحد كان مشاية قبل كده. مش ده يبقى ازدواج معايير، من اللي احنا بتشتكي من امريكا بسببه؟؟”

و كما توقعت، تفتَّقت قريحة عمنا (ايمن) عن ” هيهيهيهي، الله ! جرى إيه؟ انتا بقيت من بتوع (سوزان مبارك) و حقوق المرأة ولا ايه؟؟” و الله لو مكانش جاب سيرة (ماما شوزان) كنت كبسته. ووجدت نفسي أجيب ” بص يا (ايمن) انا مش بتاع حد، بس انا ما بحبش اشوف الغلط و اقف على جنب اتفرج. باتأثر صحياً. و بعدين تعالى اقولك كلام ربنا، ربنا أمر الراجل و الست بنفس الحاجات، اشمعنى بنشد قوي كده ع الست، و نقعد نمط في النص عشان نحملها فوق الطاقة،و نقعد نغطيها و نخبيها و نتهمها في كل لفتة و نفس تتنفسه، و لما نيجي عند الحتة بتاعت الراجل، نعديها كده بسرعة في الخباثة، كأننا مش محتاجين يعني، أنقياء بالفطرة ياخيّ؟؟؟ نقوم نيجي ع الاوامر دي، و نقول ايوه ايوه، ماحنا عارفين. طب تحب اعرفك؟؟”

نظر لي في استغراب” ايه؟” توجهت بالحديث الى (عبد الواحد) احد المتدربين معنا ” قوللي يا (عُبَد) تعرف ايه عن حقوق الزوج على الزوجة في الإسلام؟” تهلل وجهه و هوه يجيب ” طبعاً؛ انها تخدم جوزها، و تشوف طلباته، و تربي عياله” نظرت لـ(ايمن) في انتصار” شوفت؟ عينة عشوائية اهيه. اللي حضرتك ما تعرفوش بقى ان الكلام ده ليس له أي أصل شرعي”.

بدت عليه إمارات الدهشة و أنا أتابع ” حضرتك ملتزم شرعاً قدام مراتك انك؛ تأكلها، و تشربها، و تكسيها، و تسكنها، و تفسحها، و تلاعبها، و تدلعها، و تشيل عنها الهم، و تخليها تزور اهلها. م الآخر كده حضرتك خدام الست، و ده بأمر مباشر من فوق” و أشرت باصبعي الي السماء.

اتسعت عيناه عن آخرهما و هوه يصرخ ” خدااام؟؟؟؟؟” اجبته” أيوه خدام، أمال انتا فاكر (قوامون على النساء) دي ايه؟ شرف ولاّ رتبه؟؟ ده أمر مباشر بالخدمة، بس لأن ربنا عارف العنجهية اللي الرجالة ميقدروش يستغنوا عنها، قام حطها بالأسلوب القرآني المهذب ده. قام يقوم قياما و قوامة يعني حفظ و صان، يعني واقف كده زنهار يشوف خدمات المقام عليه. و بعدين يفضَّلك بمناسبة إيه؟ وشَّك ما يسرِّش عدو ولا حبيب، جسمك مليان شعر و عامل شبه القردة العليا، صوابعك تخينة و مجعلصة، و دايما ريحتها سجاير. ضوافرك دايما وسخة. ريحة عرقك زنخة. و بلاش اتكلم عن رجليك. قوللي إيه حلو فيك عشان ربنا يعملك مخلوق أسمى؟ عارف عقد الزواج الشرعي الإسلامي بيلزم الزوجة بأيه؟ هما تلات حاجات مافيش غيرهم. تحفظ سرك، ولا تدخل أحد بيتك بدون اذنك ، و تمكنك من نفسها..العلاقة الزوجية يعني. بس خلاص. حضرتك ملزم تجيبلها خدامين و طباخين و غسالين حتى. و مع ذلك، كرم أخلاق منها يعني، و عشان هيه فاهمة ان الزواج تعاون و كده، و يمكن عشان برضه بتحبك يا سيادة الدُّهُل. بتيجي على نفسها و تستحمل قرفك و تقعد تطبخلك و تغسلك هدومك…يلهوي..انتا عارف يعني إيه حد يغسل هدوم حد؟؟ مش احنا اصحاب أهوه؟ ترضي تغسللي هدومي؟ ده الغسيل ده لوحده معروف، تفضل مطاطي عشانه طول عمرك. و بعدين تيجي حضرتك بمنتهى العنجهية تقوللي بنات للمشي و بنات للجواز، كأنك حاجة كده فوق البشر. مخلوق درجة اولى. جتنا نيلة في خيبتنا”.

أذكر الشيخ (صبري عبد الرؤوف) و هو شيخ جليل، أكن له معزة خاصة، أذكره على إحدي الفضائيات يتحامل بشدة علي النساء في مسألة الزنا و إثبات النسب. أنا أفهم وجهة نظره تماماً، من حيث أن قضايا إثبات النسب بدون عقد زواج قد تلغي الشرط الأسطوري لإثبات حوادث الزنا (حكاية الاربع شهود)، و بالتالي يتحول الحد التخويفي الى حد غير تخويفي. و طبعاً دي تبقى مصيبة سوده. أنا عازره و عازر انفعاله، لكن برضه الحق حق. الرجالة دول مش بريالة، أي واحدة تشاورلهم يروحوا يجروا بالمشوار عشان يعصوا ربنا معاها و بعدين حتى مانلومهمش. و الله يعني و لو إن الرجالة بتتبهط ع النسوان بسهولة برضه (خللو بالكم يا بنات م الملحوظة دي). لكن ده لا يعفيهم من العقاب، و الخزي.

ع العموم ممكن تطنشوا الكلام ده خالص. يعني البنت يفضل شرفها زي عود الكبريت، و الراجل يمشي بولاّعة. بس أُمَّة رجالتها من غير شرف يخافوا عليه، من غير سمعة يحافظوا عليها، ماتبقاش تشتكي لما تاخد على دماغ اللي جابوها بالصُّرَم.

و كالعادة أكيد يعني…

طظ !

محجوب عبد الدايم

القاهرة 1930.

مع الاعتذار للرائع دائماً د.(أحمد خالد توفيق). دي مش سرقة، ده اقتباس.


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s