شيء من العته عالي الجودة


” دول حزب رافضي..يعني كفره و ماينفعش تدعيلهم بالنصر و الا تبقى زيهم”

كنت أقف صباح أحد أيام سبتمبر الأسود (لا مش سنة 2001) أمام مدرج الكليه منتظراً (عبده). و (عبده) كما ستعرفون فيما بعد هو احدى الشخصيات الخرافيه المذهله التي سأحدثكم عنها لاحقاً. محدقا في الفراغ كعادتي الأثيمة (او الآثمة أيهما لا ادري) اخترقت تلك الكلمات سمعي كالذباب. تجعدت قسمات وجهي في اشمئزاز و أنا أستدير لأطالع مصدر الصوت الملون الذي اخترق أُذنيّ منذ لحظات. رأيت لحية تحاول جاهدة أن تكون كثة، أخذت أدقق النظر محاولاً اختراق تلك الخصلات المشعثه، و إذ بي أتبين خلف الساتر المشعر ملامح بشريه لأحد المراهقين. كان يقف مستنداً إلى إحدى السيارات القابعه أمام المدرج، و قد اعتمر قبعة بيسبول ذات ماركة شهيرة، و كان يرتدي سترة زرقاء و سروالا من الـ(جينز)الأزرق أيضا وقد شمَّره حتى كاحليه و ارتدى حذاءً رياضياً، حاملاً حقيبة ظهر لطيفة. بدا لي كصورة مشوهة لأحد المراهقين الفرنجة، هؤلاء المشاهير التي تعمر بهم شاشات التلفاز معظم الوقت مؤخراً. كان يحدث مراهقاً آخراً، غير أن ذلك الآخر كان حليق الوجه، مصفف الشعر، مرتدياً قميصاً و سروالاً بسيطين، و حذاءً جلدياً أسوداً.بالطبع كانا يرتديان عوينات ضخمة كعادة الطلبة في كليتي. أخذت أتابع عضلات وجهيهما تتحرك على نحو مريب، بينما انسالت كلمات من طراز (إنتا مش فاهم) ، ( بص بس) ، و (حرام عليك) تقرع أذناي تأنيبا علي وقوفي و اهتمامي الغير مبرر بالموقف.

و الواضح من المشهد أنهما كانا يناقشان الحرب الاخيرة على لبنان من مفهوم جديد تماماً. فالمعتاد، عندما تدور المناقشات حول مثل تلك الأحداث، أن تتناول تفاصيل الحرب، ردود الفعل الدولية، و التطورات المحلية المواكبة. أما هذان العبقريان فقد اختارا أن يتناقشا في: “مدي شرعية دعم (حزب الله) دينيا”. عارفين الـ(واو)؟ هذه هي المواقف التي تستأهل (واو)اً من النوع الثقيل. الطريف أن الـ(بكوات) كان عندهم امتحان باطنه يشيب لهوله الولدان، و يعملوها على روحهم كمان، في بحر اسبوع! (بالتأكيد سأحدثكم عنه يوماً)

لم أحاول التدخل على الإطلاق، لأسباب عدة. أهمها أني كنت قد انتويت صوماً عن الجدال استمر بعد ذلك عدة أشهر. إلا أنني لم أتحمل المزيد، و انتفخ صدري عن آخره و أنا أصرخ في انفعال رهيب (عبدووووووووووووووووووه…إنتا فين؟ ياللا يابني من هنا قبل مارتكب جناية). انفلقت الجموع عن (عبده) و قد أقبل بابتسامته المحببه جداً إلى نفسي. فأسرعت إليه مهرولاًو تشبثت بذراعه مستنجداً (ياللا يابني..إحنا مش خلصنا؟ ياللا ع البيت). بدت على وجهه إمارات الاهتمام و نحن نسير مسرعين و بدأ يتساءل عما حدث. أخبرته فضحك طويلاً و لم يعلق، ثم انطلقنا الى (البيت).

ذكروني أن أضيف هذا المشهد لمجموعتي الثمينة من مشاهد العته العربي الدفين. المهم، ما قصة الشيعة و السنة، و ماذا عن الغبي و المعتوه؟

الشيعه ببساطة و بدون أي تسطيح ظهروا نتيجة اختلاف سياسي. بس خلاص.

إيه؟ عاوزين كلام كتيريعني؟لا حول ولا قوة الا بالله، طيب. ببساطه اكثر،اختلاف في الرأي حول شئون الحكم في صدر الـ(خلافة) الإسلامية. يحدث في كل الأمم طوال الوقت. أمال فين المشكله؟ المشكله يا سيدي في الاضطهاد المستمر، في الحجر على عقول البشر. و الاضطهاد بطبعه يورث غلظةً في القلب و تطرفاً. و لأن الله خلق كل شيء بميزان، فلكل تطرف رد-تطرف مساو له في المقدار و مضاد له في الاتجاه. يمكنك النظر إلى الأمر من زوايا عدة، إلا أنني لا أراه يخرج عم قلت. و دُوَل تقوم و دُوَل تقعد و بلاد تنيـ.. قصدي تشيلنا و بلاد تحطنا و فين و فين لما تيجي سنة 1923 .

ثم يظهر العبقري (كمال أتاتورك) و ينهي كل شيء. كل شيء علي الإطلاق. كل المشاكل، كل الضغائن، و كل السبب الاكبر. لم يعد هناك أمير للمؤمنين ولا خليفة ولا يحزنون. خلصت خلاص..المولد اتفض يعني.فماذا بقي؟ الكثير من الهراء، و الكثير من الإطناب في الهراء، و الكثير من الصراخ على المنابر أيضاً. الكثير مما لا يصمد أمام أي محاولة لتقصي الحقيقة وتمحيص الآراء.

عظيم إذاً. الغباء أو الحماقة صفة أصيلة في الجنس البشري. ولا يجوز لي الاعتراض أو حتى التعليق، لأنها بلا علاج و بلا نهاية. و يعرف حسب اختبارات الذكاء الحديثه بانخفاض المعدلات النموذجيه فيما يتراوح بين70-84 و يكون الشخص صعب التعلم غير أنه لا يشكل خطراً على نفسه و الآخرين.و لكن العته شيء آخر تماماً.

العَته أسفل و أضل. يتهاوي المعدل الى 45-50 و يصبح المريض غير قابل للتعلم على الإطلاق حتى الوظائف البسيطه جداً. كما لا يميز الصواب و الخطأ و يصبح خطراً على نفسه و من حوله. هؤلاء يودعون مراكز متخصصة و غالباً لا يعمِّرون طويلاً.

العته لما تكون المشكله الأصلية انتهت منذ حوالي قرن من الزمان و نحن مازلنا ندور في حلقات مفرغة و نخصص الساعات الطوال على الفضائيات بلا أي جدوي غيرالصياح المشين و نهب أموال المتصلين هاتفياً (آه فكروني برضه بالبهوات دول). لما تبقى مقاومة شعبية في حالة دفاع شرعي عن بلادها(ايا كان البلد او عقيدة المقاومة) و بعدين بدل ماندفع الظلم او نقول كلمة حق سنحاسب كلنا عليها أمام الله نقعد نناقش قضايا عفت عنها أزمان، و نقعد نشمت بنتانه منقطعة النظير و خِسَّه لم يسبق لها مثيل. حتى القيادة السياسية الـ( رصينة) أدلت بدلوها القذر ذي الثقب الكبير.

العته لما يبقى في الهند، تخرج بعض الجماعات المتعصبة من غير المسلمين لتحرق القران و تدوسه بالنعال. ثم لا تجد اية ردة فعل على الإطلاق. و بعدين نملأ الدنيا صياحاً من المحيط الى الخليج عندما يفعلها جندي أمريكي. همم، يعني دول اللي وحشين؟ طب ماشي..

العته لما تقوم إيران تروح تتنًّح قدام أمريكا و الغرب (خللي بالك دول اللي كانوا كُخَّه من شويه) و تعمل برنامج نووي محترم. نقوم نقول ان ليهم أطماع في المنطقه. مع إن أمريكا و الغرب هما اللي محتلين المنطقة عملياً، لكن ازاي؟ المهم تطلع إيران هيّه اللي وحشه.

و بعدين العته لما نقعد نعمل أغاني و مسيرات و أوبرتات عشان طنط اسرائيل بتضرب البت فلسطين. و نقعد نحرق في علم اسرائيل (أنا شخصيا استيقظت يوما لأجد ان جدار بيتي المحترم قد كتب عليه (..) أمّ (شارون) بالبنط العريض..و المهم اني عارف الـ(شيخ) اللي كتبها) و نقعد نهرتل بكلام كبير قوي. و بعدين تيجي طنط اسرائيل عاوزه تضرب البت لبنان كمان..بلطجه و صياعه بقى. تقوم البت لبنان تطلع هيه اللي وحشه و بنت(….)عشان لبنان فيها شيعة، و الشيعة دول كُخًّه.

العته لما واحد زي( شافيز) نقول عليه العربي الأكبر و كلام فاااااضي. مع إنه لم يقدم للعرب شيء يذكر، اللهم الا كلام. وواحد زي (حسن نصرالله) يبقى وِحِش و كُخًّه.

العته لما تنحصر حجتى في الرد على معارضيّ في أنهم كفرة و عصاة، او خونة و ربما شواذ جنسيا.

العته برضه لما نقعد نحلم بعودة الخلافة الرشيدة و نقولب دين ربنا في قشرة واحدة متشققة، و احنا لسه بنرتشي و بنزوَّغ م الشغل و بنذاكر من مذكرات الـ(سَبَارِس).

العته.. (هوه أنا قولت الخلافة؟) لما نختصر الإعلام العربي في قالبين (ميلودي) و (اقرأ). و لما نختصر الإسلام اللي فيه أكثر من مليون و مائة الف مسأله في ثلاثين مسأله فقط.

العته لما الشباب الذي ملأ الدنيا صراخاً بـ(فداك أبي و أمي يا رسول الله) التي لا يفقه لها معنى، هو هو الشباب الذي ملأ شوارع منتصف البلد في العيد في حالة من الهياج الجماعي و السعار الجنسي الحاد صارخاً (هيييه.. هنـ(…)) محاولاً اغتصاب العشرات من النساء. نفس الشعب الذي يدعي التدين بالأصل و التقوي و يناقش ما إذا كان النقاب فرضاً أم لا، هو هو الذي وقف متفرجاً على بناته تسلب أعراضهن في وضح النهار، و في الميادين العامة.

العته لما يبقى النموذج الأخلاقي بتاع سعادتك إنك تظبّط شوية حسنات في الأمبلايظ،عشان تعرف ترتكب معاصي و ضمير سعادتك مستريح إن حسابك مع ربنا تمام. و إن نصرة الدين عند جنابك تبقى برسايل المحمول و الرسائل الاليكترونيه الـ(spam ).

العته ان تتحول رموزنا التاريخية إلى ايقونات غير قابلة للطرح الفني أو مناقشة الاخطاء. أن نحجر على عقول الناس حتى قبل أن نسمع طروحاتهم. أذكر وزير ثقافتنا البطل المغوار واقفاً في صحن مجلس شعبنا الموقر معترفاً أنه لم يقرأ شيفرة دافنشي، و لم يشاهد الفيلم، إلا أنه سيمنعه في مصر على أية حال لأن مصر بلد لا تسب فيه الأديان. بالمناسبة الرواية أكثر من رائعة كعمل أدبي، و أنا لا أرى الكثير من سب الأديان فيها على عكس أعمال مصرية (رائعة) أخري. (آه بالمناسبه، من يعرّف لي سب الأديان له هدية مالية قيِّمة مقدارها خمسة عشر قرشا فقط لاغير)

العته أن تعرف الحقيقه بينما لا تنطق الا كذباً، أن تتمسك برأيين متناقضين في الوقت ذاته و تصدقهما معا…أن تملك الوعي اللازم كي تصل إلي حالة اللاوعي، ثم تملك اللاوعي الكافي كي تنسى هذه العمليه. هذا التفكير المزدوج كما عرفه (جورج أورويل) في رائعته 1984. (ذكروني أن أتحدث عن هذا العام النحس ايضاً)

ياااااه هوه العته كتر كده ليه؟الرأي الطبي أن نودع مراكز متخصصة، و ألا نعمّر طويلاً. إيـــــه؟ أتشعر أنك وسخاً؟ اترى وشاح الوساخة يلف كل شيء؟

أقوللكم؟

طظ !

توقيع

محجوب عبد الدايم

القاهرة1930

 


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s