حوار الأديان على مستوى القاعدة، أيوة القاعدة


إيه؟؟ أيوه الـ(قَعْدَه)، عمرك ما عملتها؟ ولا حتى شوفتها؟ يا رااجل؟ ولا سمعت عنها؟ لا لا دانتا حالتك صعبه خالص. عمرك ما قعدت (قعده) من اياهم مع جماعة اصحابك (تتشاورون في أمور دينكم)؟؟ اااه، ايوه ياسيدي هيه ديه الـ(قعده).

ذهبت اليوم في رحلة أسطوريه لتسجيل اسمي في دورة التربية العسكرية الاستثنائيه، و التي تبدأ أول الشهر المقبل. هذه هي المره الثانيه التي اتقدم فيها للدوره، لا حباً فيها (لا سمح الله)، و لكن لسقوط اسمي سهواُ من الـ(كشوفات) فى المرة السابقة. تعد دورات التربية العسكرية من أهم أسباب تربية الحس الوطني لدى طلاب الجامعات المصرية. إذ أنه حال وقوف الطالب المحترم ذو المؤهلالعالى مرتدياً ثيابا زرقاء مثيره لضحك نمال الأرض، مصروخا فيه من قبل عساكر قد أصابتهم كل عُقَد النقص و العوز فقضت على ما تبقى من إنسانية في وجوههم الكالحة، صارخا ببلاهة “حــِد اتنيــــــن” كلما أُمِر، فان الطالب حال ذلك تصيبه نوبات شديده من حب الوطن المَرَضي، و رغبات عارمة بخدمته و التفاني من اجله. اسلوبرصين جدا لتربية الروح الوطنية. خاصة اذا علمتم ان الطالب لا يحصل على شهادته الجامعيه الا بعد ان (يعمل الشويتين دول).

المهم، ذهبت باحثاً عن الضابط المحترم الذي سيسجل اسمي. أخذ الامر بعض الوقت حتى وجدتني جالساَ بكل احترام على (دِكّه) لاسجل بياناتيى المبجله في الاوراق المطلوبه. و بينما انا افعل، إذ باثنين من العساكر صغار السن يجلسان بجانبي و احدهما يكاد ينفجر من الضحك. كادا يبدآن الكلام، و لكن بدا كما لو انهما تذكرا وجودي الجلي. فسارع احدهما يسألني بلهجة رسمية ” انت مسلم؟؟” فطرفت عيناي بعدا عن الاوراق للحظات لأتأمل وجهه قبل ان أجيب “أيوه”. كانت “وانتا مال اهلك” تعابث اطراف شفتي، إلا أن “إن كان لك عند الكلب حاجة” قفزت تتشبث بعنق الأولى حتى قتلتها بلا أدنى شفقه. تهلل وجه العسكري في بشر، إذ انه كان على وشك ان يخبر زميله بما يثير الضحك، و بدا كما لو انه نسيني تماما و هو مقبل على زميله.

بدأ يقص على مسامعه (و مسامعي بالاكراه) كيف انه على بعد خطيات قلائل من الحجرة تدور مناقشة مثيرة جدا بين أحد المسلمين المتدينين، و أحد الطلبة الأقباط. و بالطبع أخذ يسخر من الطالب القبطي بلا حياء. مما استفزني كثيراً، إلا ان “ان كان لك عند الكلب حاجة” وثبت على مرة اخرى تضربنى بالنعال، فآثرت الصمت احتراما لهذه الاخيرة، و لقفاي ايضاً.

انصرف الجنديان، و تركاني اكمل ما بدأت. انتهيت من الامر في عجله، و اخذت اتلفت حولي عمن يتسلم منى الاوراق فلم اجد أحداً، توجهت الى باب الغرفة، و إذ بي أجد جميع العساكر و قد التفوا في حلقة يستمعون للمناقشة الدائرة. و كعادتي لم احاول ان أضياقهم بطلباتى المملة (التى هي اساس عملهم على كل حال). فكرت ” سيبهم يلعبوا شويه هيجرى ايه يعني؟”. طبعا هيجرى ان والدي اللي ملطوع في العربيه هيتحول لبيض مسلوق فى الشمس. لكن برضه احنا اللي علينا الاستحمال.

و قفت استمع لما يقال، راسما على وجهى اعتى امارات اللامبالاه. تعرفت المنظر على الفور. (قعده) من القعدات التي تدور فيها دوائر الجدل العقيم المفرغة بلا نهاية. و لكن ما اثارني حقاً هو انني اعتدت ان تكون القعدات التي تضم مسلمين و اقباطاً اكثر اثراءً بالمعلومات. لا لأي سبب حوهري غير خبراتي السابقة. إلا ان تلك الـ(قعده) كانت على العكس تماما. فيها عرفت كيف ان الشعب المصري كان يتحدث العربية ايام الحكم الروماني، و عرفت كيف ان سيدنا (مرقس) كان هو الاخر يتحدث العربية بفصاحة. كما ان أول انجيل كتب سنة 64 ميلادية و كان بالعربية ايضا. كانت هذه بعض المعلومات المهمة التى حصلت عليها، اما الباقى فقد أوشكت على ان أفقد افطاري لمجرد سماعه، و أنا لست على استعداد ان أفقد غذائي لأخبركم به. تكفيكم الصورة العقلية لالــ (اووووع).

عفواً ، كنت أُجيب الباب. ماذا كنت اقول؟؟

آااه طيب.

و ساعتها فقط فكرت في أبي المسكين الـ(ملطوع) بالخارج. و فكرت فيما يمكن أن يحدث له لو حاولت ان أتدخل لأوقف هذه المهزلة التاريخية. أظن أن البيض المسلوق يصلح للأكل على كل حال، و لكن ليس البيض الـ(مِمَشِّش). بدأت في اصدار بعض الحركات التي تفيد امتعاضي من مستوى الخدمة. و يبدو أني أجيد هذا الأمر، فقد انتهت اوراقي في لمح البصر.

جالساً في السيَّارة، أخذت عيناى تتابعان المشاهد المتقطعة عبر النافذة. كنت أحاول جاهداً أن أجد تفسيراً لكل هذا الهراء. كيف لاثنين من بلد واحد، يعيشان نفس الظروف الطاحنة، و يفعلان نفس الهراء اليومي المُذِل، أن يجهلا كل شيء عن ثقافة بعضهما البعض، عن خصائص بعضهما البعض، عن التاريخ..عن المنطق؟ثم كيف يمكن لحوار كهذا ان يتم على مستوى الـ(قعدة)؟ ألا تستحق هذه القضايا شيئاً على مستوى القمة؟ أعتقد أن هذا بالضبط ما يميز الحوار على مستوى الـ(قعدة) –جرأة الطرح، و إن شابها جرأه على الباطل لا يضاهيها شيء آخر. ماذا ترون؟ هل هناك من يعتقد انه من الممكن أن تجتمع جرأة الطرح وشيء من العلم؟ لست ذاك الرجل على كل حال. تصاعدت أحماض معدتي تخبرني ان على التوقف عن الاستمناء الفكري، فارتسمت إمارات الامتعاض من جديد على وجهي، مما جعله منفراً حقاً. رمقنى أبي بطرف عينه متسائلاً “مالك؟” ارتسمت على شفتى ابتسامة محتضرة و انا اقول “لا أبداً، كنت بافكر في البيض الممشش”، فانفجر ضاحكا و هو يرمقني ثانية و قد بدأت تلك السحابة المضحكة تتجمع فوق رأسي بيضاء كبيرة تحمل ذات الحرفين التوأمين..

طظ !

توقيع

محجوب عبد الدايم

القاهرة 1930.

 


أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s